نافذة مفتوحة
أريد للقارئ أن يصل إلى الحكمة بنفسه.
أن يجد الرسالة في جيب النص.
أن يقرأ ثم يقول: “فهمت”.
ولا أريد أن أضطر بعد ذلك إلى كتابة منشور آخر أشرح فيه ماذا كنت أقصد.
الكتابة عندي لا تحتاج إلى حارس يقف على بابها ويطلب من الداخلين شهاداتهم الأكاديمية.
أحب أن يدخلها الفقير والغني، العامل والأستاذ، الطالب والموظف، الذي قرأ ألف كتاب والذي لم يجد وقتا لقراءة كتاب كامل.
فاللغة عندي جسر.
وكلما احتاج الجسر إلى امتحان كي يعبره الناس، فقد شيئا من وظيفته.
ولذلك فضلت أن أكتب بجلدي الاجتماعي العاري من التصنع.
أكتب بجلد متقرح.
أكتب من الحياة نفسها.
من الشارع.
من المقاهي.
من الحكايات التي لا تجد مكانا في المؤتمرات.
من الناس الذين لا يملكون لغة أكاديمية لوصف آلامهم، لكنهم يملكون قدرة مذهلة على قول جملة واحدة تختصر فلسفة كاملة.
لقد فضلت أن أكتب للفقراء.
ليس لأنني أريد أن أضع نفسي في صورة المناضل الذي يحمل هموم البشرية على كتفيه، وإنما لأنني أجد في حياة البسطاء مادة إنسانية هائلة. هناك، في التفاصيل التي تمر أمام أعين الجميع، تختبئ الأسئلة الكبرى.
الفقر فلسفة.
والخوف فلسفة.
والحب فلسفة.
والوحدة فلسفة.
والانتظار فلسفة.
وحتى كوب القهوة الذي يشربه رجل وحيدا في آخر المقهى يمكن أن يحمل من الأسئلة ما لا تحمله عشرات الندوات.
وقد فاتني أيضا أن أكتب بيانا سياسيا كي أبدو مهما.
فاتني أن أرتب حول اسمي مجموعة من الشعارات، وأعلن أنني أملك الإجابة النهائية عن الوطن والتاريخ والسلطة والمجتمع.
أحب أن أترك لنفسي حق التردد.
حق السؤال.
حق الخطأ.
حق أن أغير رأيي.
حق أن أكتب اليوم شيئا وأكتشف غدا أنني كنت مخطئا.
فأنا لا أريد أن أكون تمثالا.
التمثال لا يخطئ، لكنه لا يعيش أيضا.
وأنا أريد أن أعيش.
أريد أن أظل قريبا من الناس الذين أكتب عنهم، وأن تظل الكتابة عندي نافذة تطل على الشارع، لا شرفة عالية تطل على البشر.
ربما لهذا السبب لم أصنع حول نفسي هالة المثقف “الكبير”.
لم أتعلم كيف أبدو عميقا.
تعلمت كيف أبحث عن العمق في الأشياء العادية.
وهذا فرق كبير.
هناك من يجعل نفسه غامضا كي يبدو عميقا.
وأنا أبحث عن العمق في الوضوح.
هناك من يرفع اللغة حتى لا يصل إليها أحد.
وأنا أحاول أن أنزل بالفكرة حتى تجلس إلى جانب القارئ على طاولة واحدة.
هناك من يريد أن يثبت أنه قرأ كثيرا.
وأنا أريد أن أجعل ما قرأته نافعا لمن لم يقرأ.
هناك من يستخدم الثقافة سلما يصعد به فوق الآخرين.
وأنا أريدها سلما أنزل به إليهم.
لقد فاتني أن أكون مثقفا “جدا”.
فاتني أن أكون صاحب هالة.
فاتني أن أجلس في الصفوف الأولى تحت أضواء القاعات، وأن أرتدي وجها يقول للجميع إنني شخص استثنائي.
وفاتني أن أتعلم كيف أبدو مهما.
لكن شيئا واحدا لم يفتني بعد:
أن أكون صعلوكا يكتب.
أن أكتب من عمق البؤس، لا من فوق البرج العاجي.
أن أجلس في آخر المقهى، حيث لا أحد يهتم كثيرا بمن أكون، وأفتح دفتري، وأضع القهوة إلى جانبي، وأبدأ في الكتابة.
هناك، حيث تختلط رائحة القهوة بدخان السجائر، وضجيج النادل بأصوات الزبائن، وضحكات العابرين بصمت الذين يفكرون في حياتهم، أشعر أنني أقرب إلى الأدب.
وقد أكون أقل أناقة.
أقل أهمية.
أقل لمعانا.
أقل ثقلا في أعين الذين يحبون الهالات.
لكنني أكون أقرب إلى نفسي.
وهذا، في النهاية، يكفيني.
فقد كان بوسعي أن أكون مهما جدا…
لكنني اخترت أن أكون حقيقيا.
وقد فاتني أن أكون مثقفا “جدا”…
ولم يفتني بعد أن أكون إنسانا يكتب.
اترك تعليقاً