وجهة نظر

المشهد السياسي بالمغرب بين الشخصنة والشعبوية والعزوف السياسي

يتأرجح المشهد السياسي بالمغرب بين “الشخصنة” المتجسدة في هيمنة الزعامات شخصيات قيادية على الأحزاب وتنامي “الشعبوية” بمختلف مظاهرها السياسية والاعلامية. مما أدى إلى تراجع ثقة المواطن انعكس وترجم إلى عزوف سياسي.

الشخصنة السياسية وتأثير المنظومة المخزنية

تتعدد عوامل الشخصنة السياسية بالمغرب بين ما هو ثقافي تاريخي، وبنيوي حزبي، وقانوني، مما يساهم في جعل الفاعل السياسي الفردي يطغى على المؤسسة الحزبية. حيث يمكن تلخيص أبرز هذه العوامل في العوامل التالية:

أولا – ترسبات الموروث الثقافي والتاريخي من خلال استمرار حضور قيم الولاء الشخصي والتبعية داخل التنظيمات الحزبية ، حيث يُنظر إلى زعيم الحزب كـ”الأب الروحي” أو القائد الملهم الذي لا يناقش. فقد تم تكريس محاكاة البنيات الحزبية الحديثة لنمط العلاقات التقليدية القائمة على الروابط العائلية، والزبونية، والوجاهة الاجتماعية بدل الكفاءة. إذ أجمع العديد من الباحثين في علم الاجتماع السياسي بالمغرب على أن استمرار ثقافة “الشيخ والمريد” داخل الهيئات السياسية يعود مباشرة إلى غياب قطيعة تاريخية حاسمة سواء عبر ثورة سياسية أو ثقافية، وإلى الدور المحوري للمنظومة المخزنية بقيمها وطقوسها التي تعيد إنتاج نفسها داخل البنيات الحديثة. إذ لم يشهد تاريخ المغرب المعاصر تحولات راديكالية عنيفة أو ثورات ثقافية تقطع مع الماضي، بل تميز مساره بالاستمرارية والتدرج ، مما سمح للقيم التقليدية بالانتقال بسلاسة إلى العصر الحديث. فقد أدخلت المؤسسات الحديثة (كالأحزاب، والبرلمان، والانتخابات) كآليات تدبيرية، لكنها شُحنت بروح ثقافة “الزاوية” والولاء الفردي، ليتحول الأمين العام للحزب إلى “شيخ” والمريدون إلى “أتباع”.

كما أن غياب ثورة فكرية تنويرية داخل التنظيمات جعل الحزب يعيد إنتاج علاقة “المريد” الذي يطلب “البركة” (التزكية الانتخابية أو المنصب) من “الشيخ” (الزعيم الحزبي) مقابل الولاء المطلق. وقد ساهمت السلفية بشكل كبير في تكريس ثقافة “الشيخ والمريد” وإعادة إنتاجها في قالب جديد. فرغم أن السلفية في أدبياتها النظرية نشأت لمحاربة “التصوف الطرقي” وانتقدت خنوع المريدين لشيوخ الزوايا، إلا أنها عجزت عن الانفكاك من هذه الخطاطة الثقافية المتجذرة في البنية المغربية. بل إنها نقلت هذه العلاقة من “الزاوية الصوفية” إلى العمل الحزبي . فقد ساهم الفكر السلفي المغربي – في شقه الإصلاحي والنهضوي الذي قاده رواد الحركة الوطنية (أمثال علال الفاسي، محمد بن العربي العلوي، وأبو شعيب الدكالي) في تكريس علاقات التبعية والزعاماتية داخل الأحزاب الوطنية (كحزب الاستقلال وحزب الشورى والاستقلال) خلال مرحلة التأسيس وما بعد الاستقلال، وذلك عبر الآليات الفكرية والتنظيمية التالية: كالمزاوجة بين “الزعيم السياسي” و”العالم الديني” حيث لم يكن قادة الحركة الوطنية مجرد فاعلين سياسيين، بل كانوا علماء دين وفقهاء سلفيين يحملون مشروعاً إصلاحياً. وهذه المزاوجة منحت الزعيم (مثل علال الفاسي) سلطة مزدوجة: سياسية ودينية. فقد تحول نقد الزعيم السياسي داخل الحزب إلى ما يشبه نقد “العالم المجتهد”، مما جعل قواعد الحزب تتعامل مع توجيهات القيادة بنوع من التسليم والتبعية الروحية والفكرية، شبيهة بتبعية تلامذة القرويين لشيوخهم.وإذا كانت السلفية الوطنية قد حاربت الطرق الصوفية (الزوايا) بسبب مهادنة بعضها للاستعمار، وسعت إلى تفكيك علاقة “الشيخ والمريد” التقليدية، لكن تنظيمياً، تم تعويض “الزاوية” بـ”مقر الحزب”، وتحول الولاء لشيخ الطريقة إلى ولاء مطلق لـ”زعيم الحزب” باعتباره المنقذ والمحرر. بينما اعتمدت خلايا الحركة الوطنية السرية والعلنية على الانضباط الصارم وشبه العسكري الممزوج بالوازع الديني، مما رسخ ثقافة “الامتثال للأوامر الفوقية” كواجب وطني وديني لا يقبل النقاش. في حين وظف الفكر السلفي الوطني مفاهيم دينية مثل “وحدة الأمة” و”الاعتصام بحبل الله” لمنع الانشقاقات ، حيث تم إسقاط هذه المفاهيم على البنية الحزبية؛ فأصبح الحزب يمثل “جماعة الوطنيين الأخيار”، وأي محاولة للنقد أو الاختلاف تُصنف كـ”شق لصف المسلمين” أو خدمة للمستعمر. كما كرس هذا الفكر نوعاً من الطهرانية السياسية، حيث يملك الزعيم وحاشيته المقربة الرؤية السديدة (الاجتهاد)، وعلى القواعد والشباب (المريدين الجدد) التنفيذ والتبعية الإستراتيجية. كما أسست الحركة الوطنية “المدارس الحرة” لتأطير الشباب وتلقينهم الفكر السلفي الوطني ، حيث كانت هذه التنشئة تقوم على الحفظ، والاتباع، وتمجيد أبطال الحركة الوطنية، مما أنتج جيلاً من المناضلين مستعداً نفسياً وفكرياً للتبعية لرموز الحزب دون حس نقدي تجاه البنية الداخلية أما ارتقاء المناضلين في التراتبية الحزبية فلم يكن يخضع لآليات ديمقراطية انتخابية واضحة بقدر ما كان يخضع لـ”تزكية” الزعيم ورضاه الشخصي عن مدى ولاء وطاعة المناضل، وهو امتداد مباشر لمنطق التزكية الدينية. كما كرست السلفية بمختلف تلاوينها – سواء السلفية الحركية (الإسلام السياسي) أو السلفية التقليدية والجهادية التي اندمجت لاحقاً في العمل الحزبي – علاقات التبعية والزعامة خلال المرحلة الثانية من تأسيس الأحزاب التي نعتت بالاحزاب ذات المرجعية الإسلامية.وقد تجلى هذا التكريس في محطات التأسيس والتدبير الحزبي من خلال تحويل “الجماعة الدعوية” إلى “تنظيم حزبي”. إذ عند تأسيس أحزاب ذات مرجعية إسلامية (مثل تجربة حزب العدالة والتنمية وامتداده الدعوي “حركة التوحيد والإصلاح”)، تم نقل بنية “الأسرة” و”الشعبة” الدعوية إلى هياكل الحزب. وهذه البنيات تقوم أصلاً على إمارة الجماعة وطاعة المسؤول، مما جعل التبعية للمسؤول الحزبي امتداداً لطاعة أمير الجماعة. كما ارتبط تأسيس هذه التنظيمات بأسماء تاريخية كاريزمية حظيت بقدسية دينية وسياسية (مثل عبد الكريم الخطيب، أحمد الريسوني، عبد الإله بنكيران). حيث تحول هؤلاء القادة إلى “زعماء ملهمين” يصعب معارضة قراراتهم، وأصبحت شرعية الحزب مستمدة من وجودهم التاريخي. إلى جانب ذلك تمت مأسسة مبدأ “الشورى الملزمة” كبديل للديمقراطية. ففي مرحلة التأسيس وصياغة القوانين الداخلية، تم التأسيس لمفهوم “الشورى” وفق تأويل سلفي يمنح للقيادة العليا (مجلس الشورى أو الأمانة العامة) سلطة الحسم النهائي ، حيث تحولت الديمقراطية الداخلية إلى آلية تقنية، بينما ظل القرار الفعلي بيد النواة الصلبة المحيطة بالزعيم. بالاضافة إلى شيطنة الطموح السياسي ، حيث تم تكريس ثقافة “طلب الإمارة سُبّة”؛ فالشخص الذي يترشح للمناصب أو يطرح نفسه بديلاً للقيادة يُنظر إليه بريبة داخل التنظيم. وقد أدى هذا الفكر إلى استمرار نفس الوجوه التاريخية في مراكز القرار وتكريس تبعية القواعد الشابة للرعيل الأول. وبعد دستور 2011، حاولت رموز من السلفية التقليدية والجهادية (بعد المراجعات) التأسيس لأحزاب سياسية أو الاندماج في أحزاب قائمة (مثل حزب النهضة والفضيلة، حزب الحركة الديمقراطية الاجتماعية، أو جبهة القوى الديمقراطية). لكن لم يكن الاندماج قائماً على أرضية برامجية، بل على شكل “صفقة” بين رئيس الحزب و”الشيخ السلفي” الذي يضمن تبعية مريديه وتصويتهم الجماعي بناءً على فتواه أو توجيهه. ففي هذه التجارب الحزبية، لم يندمج الأتباع في المؤسسة الحزبية كأفراد واعين بالعمل السياسي، بل ظلوا “مريدين” للشيخ. فإذا اختلف الشيخ مع قيادة الحزب، ينشق الأتباع جماعياً، مما أكد أن الولاء هو للزعيم الديني وليس للمؤسسة السياسية.

ثانيا- تأثير المنظومة المخزنية وقيمها البنيوية

تُعد المنظومة المخزنية الفاعل المحوري في صياغة وتوجيه المشهد السياسي المغربي، حيث ساهمت بشكل بنيوي وهندسي في تكريس “الشخصنة السياسية” داخل الأحزاب وتجريدها من طابعها المؤسساتي. إذ تمثل الثقافة المخزنية المركزية النموذج الأكثر نجاحاً واستمرارية في فرض الاستقرار بالمملكة . مما يدفع النخب الحزبية إلى محاكاة هذا النموذج في تدبير شؤونها الداخلية عبر احتكار السلطة والقرار. حيث تمارس قيادات الأحزاب السياسية، وحتى تلك التي تتبنى خطاباً حداثياً، طقوساً تعزز الشخصنة وتكثيف الولاء للزعيم مثل صفقات الولاء، والتعيينات القائمة على القرب الشخصي والقرابة، وإقصاء الأصوات النقدية. ويظهر هذا التأثير العميق من خلال عدة آليات منها:

– جعل “الولاء الفردي” شرطاً للوصول السياسي. فعندما يدرك الفاعل الحزبي أن كفاءته البرنامجية أو شعبيته الانتخابية ليست هي المحدد الوحيد لنجاحه، فإنه يستبدل العمل المؤسساتي بالبحث عن التموقع الفردي والقرب الشخصي من صناع القرار. حيث يساهم هذا النموذج في تحويل الحزب إلى “دكان انتخابي” يفتح فقط أثناء الاقتراعات، حيث يلتف الأتباع حول “الأمين العام” أو “المرشح القوي” باعتباره الموزع الحصري للمنافع والتزكيات.

– تشجيع “أحزاب الإدارة” ونموذج “الأعيان” حيث رعت المنظومة المخزنية عبر محطات سياسية تأسيس أحزاب تُعرف بـ”أحزاب الإدارة” أو الأعيان، وهي كائنات انتخابية لا تقوم على إيديولوجيا، بل تتمحور حول “شخصيات وازنة” (رجال أعمال، وجهاء قبليين) يملكون نفوذاً مالياً أو اجتماعياً.

– إستراتيجية “البلقنة” وتفكيك الكتل المتجانسة حيث ترى المنظومة المخزنية في الأحزاب المؤسساتية القوية والمستقلة بقرارها تحدياً للتوازن السياسي؛ لذلك يتم تشجيع الانشقاقات الفردية وإبراز “زعامات بديلة” داخل نفس الحزب لإضعاف النواة الصلبة للمؤسسة الحزبية.وكذا تحويل النقاشات السياسية الكبرى من خلافات حول “السياسات والبرامج” إلى “صراعات شخصية” بين زعماء الأحزاب والتراشق الإعلامي بين القادة، مما أفرغ المؤسسة الحزبية من أدوارها الدستورية كأداة للوساطة والـتأطير.

– محاكاة البنية السلطوية (من خلال إعادة إنتاج نفس الطقوس المخزنية . إذ تجد الأحزاب السياسية نفسها مدفوعة – بشكل واعي أو غير واعي – إلى تقليد طقوس البنية المخزنية التقليدية داخل هياكلها الخاصة. فيتحول رئيس الحزب إلى “مركز مطلق للسلطة” داخل تنظيمه، ويُطالب المناضلون بتقديم فروض الطاعة والولاء لشخصه لضمان استمراريتهم. كما يتم تعويض الديمقراطية الداخلية والمساطر القانونية بـ”العلاقات الزبونية”؛ فالأمين العام للحزب يملك سلطة مطلقة في تعيين المقربين ومنح التزكيات الانتخابية، مما يكرس تبعية القواعد للزعيم الأوحد.

الشخصنة و تنامي الشعبوية

ساهمت الشخصنة السياسية بشكل مباشر وحاسم في ظهور وتنامي الظاهرة الشعبوية بالمغرب، حيث شكلت الشخصنة “التربة الخصبة” والبيئة البنيوية التي أثرت على مصداقية المؤسسات الحزبية، ومهدت الطريق لبروز خطابات دغدغة العواطف واستهداف النخب.ويمكن تفكيك هذا الترابط العضوي بين الظاهرتين عبر المستويات التالية:
أولا : البنية الداخلية للأحزاب وتمركز السلطة إذ أن غياب التداول الحقيقي على السلطة داخل الأحزاب، حيث تستمر بعض القيادات في مناصبها لعقود، أدى إلى ربط هوية الحزب بشخص رئيسه، و إضعاف آليات الديمقراطية الداخلية التي سهلت اتخاذ القرارات المصيرية وتزكية المرشحين للانتخابات بشكل فوقي من طرف القائد، مما زاد من تهميش القواعد والمؤسسات الحزبية التقريرية. كما أن غياب البرامج الإيديولوجية الواضحة و غياب الفوارق الجوهرية والتمايز الإيديولوجي بين الهيئات السياسية، دفع الناخب والمتابع إلى التمييز بينها بناءً على كاريزما الأشخاص وليس البرامج السياسية . كما سهل انتقال الأعيان والسياسيين بين الأحزاب إلى تنامي ظاهرة الترحال السياسي ، التي تتغذى من أن الوزن السياسي يكمن في الشخص بما يملكه من نفوذ ومال وليس في التنظيم الحزبي.

ثانيا : إفراغ الأحزاب من وظيفتها وصناعة “الفراغ المؤسساتي”. فعندما تحولت الأحزاب المغربية من تنظيمات قائمة على أفكار وبرامج واضحة إلى “أحزاب قادة وأشخاص” يتغير تموقعها بتغير مصالح زعمائها، فقدت هذه التنظيمات الحزبية هويتها وسقطت في الابتذال. فقد جعل هذا “الفراغ البرنامجي” القواعد الانتخابية والمواطنين يزهدون في المؤسسات الحزبية، ويبحثون عن “مخلص فردي” أو “زعيم منقذ” يملك كاريزما خطابية قادرة على التعبير عن همومهم، وهو الجوهر الأساسي لولادة الشعبوية.

ثالثا : شخصنة الصراعات وتمهيد الطريق لخطاب “الطهرانية” ، حيث ساهمت الشخصنة في تحويل الصراع السياسي بالمغرب من نقاش حول السياسات العمومية (الصحة، التعليم، التشغيل) إلى صراعات شخصية وتراشق بالاتهامات بين قادة الأحزاب. فقد استغلت الشعبوية هذا التراشق الشخصي لتسويق خطابها المفضل و تصوير كل النخب السياسية الحزبية ككتلة واحدة فاسدة ومصلحية، مقابل تقديم الزعيم الشعبوي لنفسه كمتحدث باسم “الشعب المظلوم” والوحيد القادر على مواجهة هؤلاء الأشخاص . كما أدى ذلك إلى ابتذال القاموس السياسي، حيث أصبح العديد من القادة الحزبيين أو الفاعلين السياسيين يعتمد على أساليب شعبوية عبر المهرجانات الخطابية، حيث تحولت “التعبئة السياسية” إلى “تجييش عاطفي” يعتمد على توجيه تهم الفساد للخصوم بدل النقاش العميق للسياسات العمومية و العمل على شيطنة الخصم والنخبة ، حيث يُستخدم الخطاب الشعبوي لاستهداف طبقات محددة وتصوير الممارسات الحزبية على أساس تنافس “طهراني” في مواجهة “الفساد المطلق” للآخرين.

رابعا : منصات التواصل الاجتماعي و الشخصنة الرقمية ، حيث شجعت الثقافة الرقمية القادة السياسيين على بناء “بروفايلات” شخصية قوية على منصات التواصل الاجتماعي (فيسبوك، تيك توك، يوتيوب) بعيداً عن القنوات الرسمية لأحزابهم. و تحولت هذه الشخصنة الرقمية سريعاً إلى آلية شعبوية؛ حيث صار القائد أو “المؤثر السياسي” يوجه خطابات مباشرة وعاطفية للمواطنين، مستعملاً لغة دارجة بسيطة، ومقدماً حلولاً سحرية وتبسيطية لأعقد المشاكل السوسيو-اقتصادية للمملكة، لكسب التعاطف الجماهيري السريع . في حين ساهمت المنصات الرقمية ومن يديرها بحثا عن المشاهدات إلى تركيز التغطيات الإعلامية وصناعة المحتوى الرقمي ، على زلات وتصريحات، وخلافات القادة الشخصية بدل مناقشة السياسات العمومية. كما لجأ العديد من الفاعلين السياسيين إلى منصات التواصل الاجتماعي لبناء قواعد جماهيرية شخصية مستقلة عن قنوات الحزب الرسمية والبحث عن صناعة “البوز” السياسي والإعلامي .
وبالتالي ، فقد أدى تخليد الزعامات والشخصنة داخل الأحزاب إلى انسداد الأفق أمام الطاقات الشابة، مما أفقد قنوات الوساطة التقليدية مصداقيتها بالكامل لدى الشارع. حيث نتج عن غياب الوسائط الحزبية الموثوقة تنامي شعبوية احتجاجية قادتها حركات مطلبية ميدانية أو حملات مقاطعة افتراضية، تُدار بواسطة “قادة ميدانيين” أو “مؤثرين” يرفضون الحوار مع الأحزاب والمؤسسات، ويعتمدون خطاباً شعبوياً مباشراً يرتكز على الهوية أو المظلومية الاقتصادية.

مساهمة الشخصنة والشعبوية في تنامي ظاهرة العزوف السياسي

ساهمت الشخصنة وانتشار الشعبوية في إضعاف الأحزاب والنقابات التاريخية وفقدانها لدورها كصلة وصل فاعلة بين الدولة والمجتمع. الشيء الذي انعكس بشكل مباشر على نسب المشاركة السياسية والعزوف الانتخابي، بالإضافة إلى لجوء المغاربة إلى حركات اجتماعية بديلة للتعبير عن مطالبهم الاقتصادية والاجتماعية. فقد أدت المزاوجة بين الشخصنة السياسية والشعبوية في المغرب إلى تعميق أزمة الثقة بين المواطنين والمؤسسات، مما جعل العزوف السياسي والانتخابي يتحول من مجرد “سلوك سلبي” إلى موقف سياسي احتجاجي صامت يعكس رفض شريحة واسعة من المغاربة لآليات المشهد السياسي الحالي.

ويمكن تلخيص أبرز آليات هذه المساهمة في االمظاهر التالية:
– إفراغ الانتخابات من رهانها البرامجي بسبب الشخصنة وغياب البدائل الحقيقية ، حيث أدى تمركز الأحزاب حول قادتها وأعيانها إلى تشابه البرامج السياسية وغياب التمايز الفكري أو المذهبي؛ مما رسخ لدى الناخب المغربي قناعة بأن التصويت لن يغير السياسات العمومية، بل سيعيد فقط توزيع المناصب على نفس الأشخاص.

-الترحال السياسي حيث تسبب ارتباط المقاعد الانتخابية بنفوذ الأشخاص والوجهاء وليس بالحزب في ظاهرة الانتقال السريع للمرشحين بين الأحزاب عشية كل استحقاق؛ مما أفقد العملية الانتخابية تعاقدها الأخلاقي، ودفع المواطن إلى العزوف كنوع من التعفف عن “سوق التزكيات”. ولعل “حرب التزكيات” والاستقطابات الحزبية بالمغرب التي يعرفها المشهد السياسي قبيل الانتخابات التشريعية المقررة يوم الأربعاء 23 شتنبر 2026، لتعكس بشكل كبير ترسخ هذه الظاهرة . حيث دخلت مكونات المشهد الحزبي في “معركة تكسير عظام” حقيقية لاستقطاب وجوه الأعيان وضمان المقاعد الانتخابية المضمونة.

– ابتذال الخطاب السياسي ، حيث اعتمدت التيارات الشعبوية لسنوات على دغدغة العواطف واستهداف “الفساد والنخب”، لكن بمجرد وصول هذه القيادات الشعبوية إلى تدبير الشأن الحكومي والاصطدام بالإكراهات البنيوية، عجزت عن الوفاء بوعودها؛ مما أحدث صدمة وخيبة أمل كبرى لدى الكتلة الناخبة. فقد غير عبد الإله بنكيران طبيعة خطابه السياسي بشكل لافت بعد توليه رئاسة الحكومة ، حيث انتقل من خطاب “المعارضة الشرسة” إلى خطاب هجين يمزج بين “مسؤولية الدولة” و”المظلومية الشعبوية”، محققاً ما وُصف بـ”المزاوجة بين الحُكم والمعارضة في آن واحد”.ويمكن رصد أبرز التحولات التي طرأت على خطابه في ابتكار خطاب “المعارضة من داخل الحكومة”، و استبدل بنكيران شعار الحراك “محاربة الفساد والاستبداد” بمصطلحات مبهمة مثل “التماسيح والعفاريت” والجيوب المقاومة للاصلاح؛ لتبرير العجز عن تنفيذ بعض الوعود وتوجيه لوم التقصير نحو “جهات غير معلومة” دون الاصطدام المباشر بالنواة الصلبة للدولة. محاولا الحفاظ على تعاطف قواعده من خلال تسويق فكرة أنه يقود حكومة محاصرة من طرف “الدولة العميقة” والخصوم، مستعملاً عبارات شهيرة في المهرجانات الخطابية مثل “نحن حكومة معارضة”.و تحول خطابه تجاه المؤسسة الملكية من طابع نقدي ومطالب بإصلاحات دستورية واسعة (قبل 2011) إلى خطاب “حماية الاستقرار والملكية” وضمان استمرارية الدولة. حيث جاهر صراحة برفضه لطرح الملكية البرلمانية التي تسحب الصلاحيات من الملك، معتبراً أن استقرار المغرب رهين بقوة وإمارة المؤمنين ومحذراً من إضعاف العرش. في حين انتقل من “الوعود الطهرانية” إلى “الواقعية النيوليبرالية و”تبرير القرارات القاسية حيث تراجع القاموس الاجتماعي لخطابه الذي كان يدافع عن المستضعفين؛ ليتحول إلى لغة تقشفية تبرر إصلاح صندوق المقاصة، ورفع الدعم عن المحروقات، وإصلاح التقاعد. محاولا إقناع المواطنين بأن هذه القرارات الصعبة هي لـ”إنقاذ توازنات مالية الدولة”، مضحياً بشعاراته الانتخابية السابقة مقابل تبرير الإكراهات التدبيرية والمحافظة على ود صندوق النقد الدولي. وبالمقابل لم يتخل بنكيران عن أسلوبه الشعبوي، بل طوره داخل البرلمان وجلسات المساءلة الشهرية عبر توظيف طقوس الوعظ، النكت، والأمثال الشعبية. مركزا تواصله حول “ذاته الكاريزمية” بدلاً من حصيلة المؤسسة الحكومية ككل، مما رسخ أسلوب “الشعبوية ” التي تحوّل الأزمات الهيكلية للبلاد إلى مادة للجدل اللغوي والملاسنات اليومية مع المعارضة.

-النفور من تدني لغة النقاش: حيث تحول المشهد السياسي عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي إلى حلبة للملاسنات، وتبادل التهم الشخصية، و”صناعة البوز”. فقد استمر عبد الإله بنكيران في توظيف قاموسه الشعبوي المثير للجدل بعد عودته لقيادة حزب العدالة والتنمية، حيث استخدم مصطلحات وصفت بالقاسية والنابية لقصف خصومه السياسيين والجهات الخارجية. حيث برز مصطلح “الميكروب” كأحدث حلقات هذا المعجم الهجومي، مستهدفاً به فئات متعددة. فقد فجر بنكيران نقاشاً وطنياً حاداً خلال احتفالات عيد الشغل، حينما هاجم الفئات التي رفعت شعار “تازة قبل غزة” واصفا إياها ب”الميكروبات والحمير”، معتبراً أن الحيوانات تملك أدواراً مفيدة بينما هؤلاء مجرد نكرات. مما موجة غضب عارمة بالشارع المغربي ومنصات التواصل، واعتبره منتقدوه “انحداراً أخلاقياً ولفظياً” غير مسبوق من رئيس حكومة أسبق . ولعل هذا الابتذال اللغوي دفع فئات واسعة خاصة النخب المثقفة والطبقة المتوسطة إلى النفور والانسحاب التام من الفضاء السياسي.

وهكذا ساهم احتكار القيادات التاريخية أو الأعيان للقرار الحزبي في تهميش الأطر الشابة والكفاءات؛ مما جعل الشباب ينظرون إلى الأحزاب كـ”كائنات مغلقة” لا تتيح إمكانية التغيير من الداخل، فيفضلون العزوف الحزبي والاضراب عن الانخراط في مختلف الأحزاب للبحث عن فضاءات بديلة. فبدلاً من الانخراط في قنوات الوساطة المؤسساتية (الأحزاب والنقابات) التي أضعفتها الشخصنة والشعبوية، نقل الشباب المغربي ديناميتهم الاحتجاجية والتعبيرية إلى فضاءات بديلة خارج الصناديق، مثل منصات التواصل الاجتماعي، والتنسيقيات الفئوية، وحملات المقاطعة الرقمية. كما أنه عندما تروج الشعبوية بأن كل الحلول سحرية وبسيطة، ثم يصطدم المواطن في واقعه اليومي (بقطاعات الصحة، التعليم، والتشغيل) بنفس المشاكل الهيكلية، يتولد لديه وعي سلبي مفاده أن العمل السياسي والانتخابي برمته مجرد مسرحية عديمة الجدوى، مما يدفعه إلى مقاطعة صناديق الاقتراع بشكل كلي. إذ أدت الشعبوية بشكل مباشر إلى تعميق ظاهرة المقاطعة الانتخابية بالمغرب .فرغم أن الخطاب الشعبوي ينجح في البداية بتعبئة الجماهير عاطفياً، إلا أنه ينتهي بصناعة إحباط جماعي يدفع المواطنين إلى مقاطعة صناديق الاقتراع كخيار احتجاجي صامت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *