الصوت الانتخابي بين الحرية والتلاعب: نحو قراءة جنائية للعملية الانتخابية في المغرب
مقدمة:
لا تكتسب الانتخابات مشروعيتها القانونية والسياسية بمجرد انتظام عملية التصويت وفق المواعيد والإجراءات المحددة قانونا، وإنما تستمد مشروعيتها أساسا من مدى تعبيرها عن إرادة انتخابية حرة وغير مشوبة بالتأثير او التلاعب.
فحينما تتعرض إرادة الناخب للتوجيه غير المشروع، او تصبح الأصوات محلا للمساومة، او تتعرض عمليات الاقتراع للتغيير، فإن الامر لا يتعلق بمجرد اخلال بقاعدة إجرائية، وانما بمساس مباشر بالأساس الذي تقوم عليه العملية التمثيلية برمتها.
ولذلك كان من الطبيعي أن يحتل القانون الجنائي الانتخابي موقعا خاصا ضمن السياسة الجنائية للدولة باعتبار ان التدخل الزجري في هذا المجال لا يستهدف حماية مصلحة فردية محضة، وانما يتجه الى حماية الثقة في العملية الانتخابية وسلامة التعبير عن الإرادة الشعبية. ومن هذه الزاوية فإن الجريمة الانتخابية تتميز عن غيرها من الجرائم بيكون محل الاعتداء فيها يتصل بصورة مباشرة أو غير مباشرة بسلامة ممارسة حق سياسي وبذات المؤسسات التي تنبثق عن الاقتراع.
وفي المغرب لم يتجه المشرع إلى جمع الجرائم الانتخابية في قانون جنائي مستقبل وإنما وزع الحماية الجنائية للعمل الانتخابي ضمن النصوص المنظمة لمختلف الاستحقاقات الانتخابية مع حضور بارز للمقتضيات الزجرية في القوانين التنظيمية المتعلقة بمجلس النواب ومجلس المستشارين وانتخاب أعضاء مجالس الجماعات الترابية إلى جانب القواعد العامة للقانون الجنائي متى كان السلوك يشكل جريمة بمقتضى هذا الأخير ويؤكد الموقع الرسمي للأمانة العامة للحكومة وجود نصوص موطدة خاصة بالقانون التنظيمي رقم 11.27 المتعلق بمجلس النواب والقانون التنظيمي رقم 11.28 المتعلق بمجلس المستشارين والقانون التنظيمي رقم 11.59 المتعلق بانتخاب أعضاء مجالس الجماعات الترابية.
ويعكس هذا التوزيع التشريعي خصوصية السياسة الجنائية في المجال الانتخابي، إذ اختار المشرع حماية العملية الانتخابية من خلال نصوص خاصة تراعي طبيعة كل استحقاق، مع إبقاء المجال مفتوحاً لتطبيق القواعد العامة للقانون الجنائي متى توافرت شروطها.
ويكشف هذا الاختيار التشريعي عن سياسة الجنائية ذات طبيعة مركبة فهي لا تقتصر على تجريم الأفراد التي تقع أثناء التصويت بل تمتد إلى مختلف المراحل التي تسبق الاقتراع وتواكبه وتعقبه بما في ذلك التأثير في إرادة الناخيين والإخلال بقواعد الحملة الانتخابية والاعتداء على سير عمليات التصويت والفرز فضلا عن حماية النتائج من كل تغيير غير مشروع. وبذلك لا يقتصر التدخل الجنائي على معاقبة الفعل بعد وقوعه، وإنما يمتد إلى حماية مراحل تكوين الإرادة الانتخابية قبل أن تتحول إلى نتيجة رسمية.
لم تعد هذه الحماية تواجه فقط صورا تقليدية من السلوك الإجرامي والعنف وشراء الاصوات وتلاعب بأوراق التصويت وإنما أصبحت مطالبة بمواجهة بيئية رقمية يمكن أن تتحول فيها وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الإلكترونية وأدوات الذكاء الاصطناعي إلى وسائل للتأثير في العملية الانتخابية. وهو ما انعكس في التعديلات التشريعية الأخيرة التي أدخلها القانون التنظيمي ورقم 53.25 على القانون التنظيمي رقم 11.27.
ومن هنا فإن الإشكال لا يكمن في معرفة ما إذا كان المشرع المغربي قد جرم الأفعال الماسة بنزاهة الانتخابات فهذا أمر ثابت في النص وإنما في الوقوف على طبيعة السياسة الجنائية التي اعتمدها في مواجهة هذه الأفعال ومدى قدرتها على تحقيق توازن بين الوقاية من الجريمة الانتخابية وزجر مرتكبيها في ظل تحولات التي تعرفها الممارسة الانتخابية ووسائل التأثير في الناخبين.
وعليه يطرح الموضوع الإشكالية التالية: إلى أي حد استطاعت السياسة الجنائية المغربية من خلال آلياتها الوقائية والزجرية توفير حماية جنائية فعاله لنزاهة العملية الانتخابية وما مدى ملائمة هذه السياسة للتحولات التي تعرفها الجريمة الانتخابية؟
وتقتضي معالجة هذه الإشكالية الوقوف أولا عند اختيارات المشرع المغربي في مجال الوقاية والتجريم الانتخابي ثم الانتقال إلى حدود التدخل الزجري ومدى فعاليته في مواجهة الجرائم الانتخابية.
أولا: الاختيارات الجنائية للمشرع المغربي في حماية العملية الانتخابية
لا يبدأ التدخل الجنائي في المجال الانتخابي لحظة وقوع الجريمة فقط وإنما تسبقه مجموعة من المقتضيات التي تستهدف تضييق المجال أمام السلوكيات القادرة على التأثير في الإرادة الانتخابية ولذلك فإن السياسة الجنائية المغربية تقوم في جانب منها على إحاطة العملية الانتخابية بسياج من القواعد التي تحدد شروط المشاركة فيها وتضبط وسائل المنافسة الانتخابية وتجرم بعد أشكال التأثير غير المشروع.
1-: حماية حرية الإرادة الانتخابية من التأثير غير المشروع
تقوم حرية الاقتراع على افتراض جوهري مؤداه أن اختيار الناخب يجب أن يصدر عن إرادة مستقلة، لا عن ضغط أو إغراء أو منفعة مادية. وإذا كانت القواعد المنظمة للعملية الانتخابية تضع الإطار العام لممارسة هذا الاختيار، فإن السياسة الجنائية تتدخل عندما يتحول التأثير على الناخب من مجرد ممارسة سياسية مشروعة إلى وسيلة غير مشروعة لتوجيه إرادته.
ومن أبرز صور هذا التدخل تجريم شراء الأصوات. فالمشرع لا ينظر إلى تقديم المال أو الهدايا أو التبرعات أو الوعود بالمنافع مقابل التصويت باعتباره مجرد ممارسة غير أخلاقية في المجال الانتخابي، وإنما يضفي عليه وصفاً جنائياً بالنظر إلى ما ينطوي عليه من إفساد للإرادة الانتخابية. ويعاقب القانون التنظيمي رقم 27.11، في صيغته المحينة، من يحصل أو يحاول الحصول على أصوات الناخبين بواسطة الهدايا أو التبرعات أو الوعود بالمنافع بقصد التأثير في تصويتهم، كما يشمل التجريم استعمال الوسائل نفسها لحمل الناخبين على الامتناع عن التصويت. وتبرز هنا خصوصية التجريم الانتخابي في ارتباط السلوك المادي بقصد التأثير في الإرادة الانتخابية؛ فالعبرة ليست بمجرد تقديم منفعة أو وعد بها، وإنما بالغاية التي يتجه إليها هذا السلوك، أي توجيه التصويت أو حمل الناخب على الامتناع عنه.
ويستشف من ذلك أن المصلحة التي تحظى بالحماية ليست مصلحة المترشح المنافس وحده، وإنما حرية الاختيار الانتخابي في حد ذاتها. فالصوت الانتخابي، من منظور السياسة الجنائية، لا يمثل مجرد موقف فردي يمكن التأثير فيه بأي وسيلة، وإنما يشكل جزءاً من الإرادة الجماعية التي ستترجم في النهاية إلى مؤسسات تمثيلية.
ومن ثم، فإن تجريم الرشوة الانتخابية يعكس انتقال المشرع من حماية العملية الانتخابية بمفهومها الشكلي إلى حماية مضمونها؛ إذ لا تكفي سلامة الصندوق من الناحية المادية إذا كانت الإرادة التي قادت الناخب إليه قد تعرضت للبيع أو الإكراه أو الاستمالة غير المشروعة.
ويظهر البعد الوقائي كذلك من خلال تنظيم الحملة الانتخابية ووضع ضوابط لاستخدام وسائل الدعاية والإعلان. فالمشرع يسعى، من خلال هذه القواعد، إلى منع تحول المنافسة الانتخابية إلى مجال للاستعمال غير المتكافئ للوسائل أو إلى وسيلة لاستعمال موارد ومنافع خارج الإطار الذي يسمح به القانون.
وهنا تبرز خصوصية السياسة الجنائية الانتخابية؛ إذ إن المشرع لا ينتظر دائماً تحقق الضرر النهائي حتى يتدخل، بل يجرم بعض الأفعال بالنظر إلى قدرتها على تهديد نزاهة الاقتراع. وهذا الاختيار يجد تفسيره في الطبيعة الخاصة للمصلحة المحمية، لأن الضرر الناتج عن إفساد الانتخابات قد لا يكون قابلاً للإصلاح بمجرد معاقبة الفاعل، خاصة إذا ترتب عن الفعل تغيير فعلي في نتائج الاقتراع.
إذا كان التأثير غير المشروع في الناخب يمثل اعتداء على مرحلة تكوين الإرادة الانتخابية فإن الاعتداء على عمليات التصويت والفرز يمثل اعتداءً على المرحلة التي تنتقل فيها هذه الإرادة من الاختيار الفردي إلى النتيجة الرسمية.
و لهذا السبب أحاط المشرع عمليات الاقتراع بحماية جنائية مشددة و ميز في العقوبات بحسب طبيعة الفعل وخطورته.
ومن أخطر الأفعال التي جرمها القانون التنظيمي رقم 27.11 تلك التي تستهدف تغيير نتيجة الاقتراع أو انتهاك سريته ككسر صندوق الاقتراع أو فتح أوراق التصويت أو تشتيتها أو أخذها أو إتلافها أو استبدال أوراق تصويت بأخرى أو استعمال أية مناورات أخرى يراد بها تغيير أو محاولة تغيير نتيجة الاقتراع أو انتهاك سرية التصويت و قد قرر المشرع لهذه الأفعال عقوبة السجن من خمس إلى 10 سنوات وغرامة من 50,000 إلى 100,000 درهم. ويكشف تجريم بعض صور المحاولة عن توجه وقائي واضح في السياسة الجنائية الانتخابية، إذ يتدخل المشرع قبل تحقق الأثر النهائي متى بلغ السلوك درجة من الخطورة تهدد سلامة الإرادة أو النتيجة الانتخابية.
صرامة العقوبة هنا تكشف عن تصور تشريعي واضح: كلما اقترب السلوك الإجرامي من النتيجة الانتخابية ذاتها، ازدادت خطورته على المصلحة المحمية، ومن ثم اشتد الرد الجنائي عليه.
كما شدد المشرع العقوبة في بعض الصور التي تتسم بخطورة استثنائية، ومنها ارتكاب بعض الجرائم الانتخابية بناءً على خطة مدبرة متفق على تنفيذها في نطاق ترابي واسع، حيث يمكن أن تصل العقوبة إلى السجن من عشر سنوات إلى عشرين سنة.
ويظهر من ذلك أن السياسة الجنائية المغربية لا تعتمد معياراً واحداً في تقدير الخطورة الإجرامية، وإنما تأخذ بعين الاعتبار طبيعة السلوك والنتيجة المحتملة منه والظروف التي ارتكب فيها. فهناك فرق بين مخالفة قاعدة تنظيمية مرتبطة بالحملة الانتخابية، وبين فعل يستهدف تغيير نتيجة الاقتراع بصورة منظمة ومدبرة.
ويكتسي هذا الاتجاه أهمية خاصة من الناحية العملية، لأن العملية الانتخابية سلسلة مترابطة؛ فإذا نجح الفاعل في التأثير في الناخب أو التلاعب بعملية التصويت أو الفرز، فإن سلامة المراحل الأخرى تصبح عديمة الجدوى. لذلك تبدو الحماية الجنائية موزعة على مختلف حلقات العملية الانتخابية، بما يجعل التدخل الزجري أقرب إلى حماية العملية باعتبارها مساراً متكاملاً لا مجرد واقعة تصويت منفردة.
ثانيا: حدود السياسة الجنائية الزجرية في الجرائم الانتخابية وآفاق تطويرها
إذا كان المشرع المغربي قد أقام حماية جنائية متعددة المستويات للعملية الانتخابية، فإن وجود النص الزجري لا يعني بالضرورة تحقق الحماية المنشودة. فالقانون الجنائي لا يقاس فقط بعدد الأفعال التي يجرمها أو بدرجة العقوبات التي يقررها، وإنما تقاس فعاليته أيضاً بمدى قدرته على اكتشاف الجريمة، وإثبات عناصرها، وتحديد المسؤول عنها، ثم إنزال الجزاء في إطار الضمانات القانونية للمسؤولية الجنائية.
1- فعالية الردع الجنائي وحدود الإثبات في الجرائم الانتخابية
يظهر من المقتضيات الزجرية للقانون التنظيمي رقم 27.11 أن المشرع اعتمد عقوبات متفاوتة، بعضها ذو طبيعة مالية أو حبسية، وبعضها يصل إلى عقوبات سالبة للحرية بالغة الشدة عندما يتعلق الأمر بالاعتداء على جوهر العملية الانتخابية. ويعكس ذلك رغبة في الجمع بين الردع العام والردع الخاص، بحيث يؤدي الجزاء إلى منع الفاعل من تكرار السلوك، وفي الوقت نفسه إلى توجيه رسالة إلى باقي المشاركين في العملية الانتخابية مفادها أن نزاهة الاقتراع محمية بجزاء جنائي.
غير أن الإشكال الذي يطرح نفسه لا يتعلق دائماً بصرامة العقوبة، وإنما بمدى إمكانية تفعيلها. فالجريمة الانتخابية، في عدد من صورها، ترتكب في ظروف تجعل عملية الإثبات أكثر تعقيداً من الجرائم التقليدية. وشراء الأصوات، على سبيل المثال، قد يتم بصورة غير مباشرة، أو بواسطة وسطاء، أو في إطار علاقات يصعب معها تحديد المقابل الانتخابي بصورة مادية واضحة. وتزداد الصعوبة حين يكون الفعل قائماً على اتفاق غير مكتوب أو يتم عبر وسطاء، لأن التحدي لا يتعلق بإثبات وقوع السلوك فحسب، وإنما بإثبات الصلة بين المنفعة المقدمة والغاية الانتخابية المتوخاة منها.
ومن ثم، فإن فعالية النص الزجري تظل مرتبطة بقدرة أجهزة البحث والتحري والقضاء على الانتقال من مجرد الاشتباه في وجود ممارسة انتخابية غير مشروعة إلى إثبات عناصر الجريمة ونسبتها إلى مرتكبها وفقاً للقواعد القانونية للإثبات.
كما أن خصوصية الجريمة الانتخابية تفرض عدم التعامل مع العقوبة باعتبارها غاية في ذاتها. فالهدف النهائي للسياسة الجنائية ليس زيادة العقوبات بقدر ما هو منع السلوك المجرم وحماية المصلحة محل التجريم. ولذلك قد تكون آليات الوقاية والمراقبة أكثر أهمية، في بعض الحالات، من تشديد العقوبة بعد تحقق الضرر.
ويزداد هذا المعطى أهمية إذا استحضرنا أن القانون التنظيمي نفسه يميز بين المسؤولية الجنائية وبين الآثار الانتخابية والقضائية المترتبة عن المخالفات، بما يعني أن حماية نزاهة الانتخابات لا تختزل في الجزاء الجنائي، وإنما تتقاطع مع آليات الطعن والمراقبة الانتخابية. وهذا التكامل بين الحماية الجنائية والرقابة الانتخابية يسمح بالتعامل مع الجريمة من زاويتين: زاوية مساءلة الفاعل، وزاوية حماية النتيجة الانتخابية ذاتها.
افرز التطور التكنولوجي بيئة جديدة لممارسة التأثير السياسي والانتخابي ولم يعد المترشح أو الفاعل الانتخابي يعتمد على التجمعات والملصقات والاتصالات المباشرة بل أصبح بإمكانه الوصول إلى أعداد واسعة من الناخبين خلال فترة وجيزة عبر المنصات الرقمية.
وقد كان من الصعب ان تظل السياسة الجنائية الانتخابية بمعزل عن هذا التحول ولذلك اكتست التعديلات التي أدخلها القانون التنظيمي رقم 53.25 أهمية خاصة بالنظر إلى أنها مست عددا من المقتضيات المتعلقة بالجرائم الانتخابية، في سياق تشريعي حديث يسعى إلى مواكبة تطور الوسائل المستعملة في التأثير على العملية الانتخابية.
ويكتسي هذا التطور أهمية أكبر عندما يتعلق الأمر بشبكات التواصل الاجتماعي وأدوات الذكاء الاصطناعي فهذه الوسائل يمكن أن تستعمل بصورة مشروعة في التواصل السياسي لكنها قد تتحول إلى أدوات للإضرار بنزاهة الاقتراع عندما تستخدم في نشر محتويات مظللة أو اصطناع مواد يصعب على الناخب التحقق من حقيقتها أو توجيه خطاب انتخابي مصمم بصورة تستهدف فئات معينة بطرق يصعب رصدها بالوسائل التقليدية.
ومن هنا فإن التحدي الذي تواجهه السياسة الجنائية لم يعد يتمثل فقط في تحديد الفعل المجرم وإنما كذلك في تحديد حدوده التقنية وإثبات وقوعه وتحديد مصدره والتمييز بين الممارسة السياسية المشروعة والسلوك الإجرامي.
وهنا تبرز إحدى أصعب معادلات السياسة الجنائية الحديثة: كيف يمكن حماية الناخب من التضليل والتأثير غير المشروع دون أن يتحول التجريم إلى وسيلة لتقييد حرية التعبير أو الحد من التنافس السياسي المشروع؟
وهذا الأمر يفرض إعادة التفكير في السياسة الجنائية الانتخابية من منظور لا يجعل التجريم والعقاب محور الحماية الوحيد. فالمواجهة الفعالة للجريمة الانتخابية الرقمية تحتاج إلى آليات تقنية وتكوين متخصص للجهات المكلفة بالبحث، وتعاون مؤسساتي يسمح بسرعة التعامل مع الأدلة الرقمية إلى جانب تطوير الوعي الانتخابي لدى المواطنين.
وفي هذا السياق تبدو الوقاية أكثر أهمية لأن مواجهة المحتوى المظلل بعد انتشاره على نطاق واسع قد تأتي في وقت لم يعد فيه الجزاء اللاحق قادرا على إعادة الارادة الانتخابية إلى وضعها السابق. ومن ثم فإن خصوصية البيئة الرقمية تفرض على السياسة الجنائية الانتقال من منطق التجريم بعد وقوع الفعل إلى منطق أكثر استباقية يقوم على الرصد والوقاية وسرعة التدخل دون أن يؤدي ذلك إلى المساس بحرية التعبير أو التنافس السياسي المشروع.
خاتمة
تكشف دراسة السياسة الجنائية في مجال الجرائم الانتخابية بالمغرب عن أن المشرع لم يتعامل مع نزاهة الاقتراع باعتبارها مسألة تنظيمية محضة، وإنما أضفى عليها حماية جنائية بالنظر إلى اتصالها المباشر بحرية الإرادة الانتخابية وبسلامة المؤسسات المنبثقة عن الانتخابات.
وقد اتخذ هذا التدخل صورا متعددة، تبدأ بضبط بعض السلوكيات السابقة على الاقتراع، مرورا بتجريم التأثير غير المشروع في الناخبين، ووصولا إلى توفير حماية مشددة لعمليات التصويت والفرز والنتائج. كما أن التعديل الأخير للقانون التنظيمي رقم 27.11 بموجب القانون التنظيمي رقم 53.25 يؤكد اتجاه السياسة التشريعية نحو تحيين الحماية الجنائية لمواجهة التحولات الجديدة التي تعرفها العملية الانتخابية.
غير أن القراءة النقدية لهذه السياسة تقود إلى نتيجة أساسية مفادها أن فعالية التجريم لا تقاس بصرامة العقوبة وحدها؛ فالردع الجنائي يظل محدود الأثر متى كانت الجريمة صعبة الكشف أو الإثبات، ومتى لم تواكب النصوصَ آلياتٌ عملية قادرة على رصد الممارسات غير المشروعة، خصوصاً في المجال الرقمي.
ومن ثم، فإن تطوير السياسة الجنائية الانتخابية بالمغرب لا ينبغي أن ينصرف فقط إلى إضافة جرائم جديدة أو تشديد العقوبات القائمة، وإنما يتعين أن يقوم على مقاربة أكثر تكاملاً، تجمع بين الوقاية والتوعية والرقابة والتجريم والزجر، وتمنح أهمية أكبر للخبرة التقنية في مواجهة الأشكال المستحدثة للجريمة الانتخابية.
وعليه، فإن الرهان الحقيقي لا يتمثل في أن تكون للانتخابات حماية جنائية واسعة فحسب، وإنما في أن تكون هذه الحماية قابلة للتفعيل وملائمة لطبيعة المخاطر التي تهدد العملية الانتخابية، وقادرة على تحقيق التوازن بين حماية نزاهة الاقتراع وصون الحقوق والحريات المرتبطة بالممارسة السياسية. فالمشرع حين يتدخل جنائياً في المجال الانتخابي لا يحمي مجرد إجراءات التصويت، وإنما يحمي الثقة في نتيجة الاقتراع، ومن ثم، فإن نجاح السياسة الجنائية في هذا المجال لا يقاس باتساع دائرة التجريم ولا بصرامة العقوبات وحدهما، وإنما بقدرتها على منع السلوك الانتخابي الإجرامي، وكشفه وإثباته، مع الحفاظ في الوقت نفسه على المجال المشروع للمنافسة السياسية، وهي الثقة التي تشكل في نهاية المطاف أحد الشروط الأساسية لشرعية المؤسسات المنتخبة.
تعليقات الزوار
مقال مهم يطرح إشكالية راهنة تتجاوز مجرد استعراض المقتضيات الزجرية، إلى مساءلة مدى فعالية السياسة الجنائية في حماية نزاهة العملية الانتخابية، خصوصًا أمام التحولات الرقمية وتنامي استخدام وسائل التواصل والذكاء الاصطناعي في التأثير على الناخبين. اللافت أيضًا هو التأكيد على أن قوة النص القانوني لا تقاس بصرامة العقوبة وحدها، وإنما بمدى قابليته للتفعيل وقدرته على التوفيق بين حماية نزاهة الاقتراع وصون الحريات السياسية. عمل موفق، وبداية واعدة في الكتابة القانونية والبحث الأكاديمي.