منتدى العمق

ترحال المنتخبين بحثا عن الكلأ السياسي

في السياسة المغربية، لا يحرك اقتراب الانتخابات الناخبين وحدهم، بل يحرك الانتماءات أيضا. فكلما اقترب موعد الاستحقاقات، بدأت الخريطة الحزبية تعرف حركة متزايدة: أسماء تغادر أحزابها، وأخرى تلتحق بأحزاب منافسة، ومنتخبون يعيدون ترتيب مواقعهم، وأحزاب تبحث بدورها عن أسماء قادرة على تعزيز حظوظها الانتخابية.

قبل أيام، كان نائب برلماني وقيادي حزبي بارز حاضرا في نشاط سياسي كبير لحزبه، وسط شعارات التنظيم وألوانه ومناضليه. وبعد فترة قصيرة، أعلن مغادرة الحزب والالتحاق بحزب منافس. قد تكون وراء هذا القرار خلافات سياسية أو تنظيمية حقيقية، ولا يمكن اختزال أي انتقال سياسي في تفسير واحد. لكن توقيت مثل هذه التحولات، مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، يعيد طرح سؤال يتجاوز الأشخاص والحالات الفردية: لماذا تصبح الانتماءات السياسية أكثر حركة كلما اقتربت الانتخابات؟

لفهم هذا السؤال، يمكن العودة إلى صورة تبدو بعيدة عن عالم السياسة: صورة البدو الرحل. فالترحال الرعوي لا يقوم على الحركة من أجل الحركة، بل على البحث عن شروط الاستمرار. حين يتراجع الكلأ أو يقل الماء في مكان ما، يصبح الانتقال إلى مجال آخر أكثر خصوبة جزءا من منطق الحياة الرعوية.

ومن هذه الصورة انتقل مفهوم الترحال إلى المجال السياسي. وهنا يظهر مفهوم الترحال السياسي، La transhumance politique، بوصفه انتقالا بين المواقع والانتماءات والتموقعات السياسية. ولا يعني استعمال هذا المفهوم أن السياسة تشبه الترحال الرعوي حرفيا، وإنما هو استعارة تساعد على فهم منطق الانتقال عندما تتغير خريطة القوة والفرص.

في هذا السياق يمكن الحديث، بصورة رمزية، عن “الكلأ السياسي”. والمقصود به المجال الذي يبدو، في لحظة سياسية معينة، أكثر توفيرا للفرص: حزب قوي في دائرة انتخابية، تنظيم قادر على منح التزكية، تحالف جديد، أو موقع سياسي يوفر حظوظا أكبر في المنافسة. فالكلأ السياسي ليس حزبا محددا، بل هو مجموع الشروط التي تجعل الانتقال إلى موقع سياسي آخر يبدو أكثر جاذبية.

ومن هنا يمكن التمييز بين الترحال السياسي بوصفه مفهوما عاما، وبين ترحال المنتخبين، Le nomadisme des élus، بوصفه حالة أكثر تحديدا. فالترحال السياسي قد يشمل القيادات الحزبية والفاعلين السياسيين والمنتخبين المحليين وغيرهم. أما ترحال المنتخبين فيتعلق تحديدا بمن وصلوا إلى المؤسسات التمثيلية تحت اسم حزب معين ثم أصبحوا موضوعا لانتقال أو إعادة تموقع بين الانتماءات الحزبية.

وتكمن حساسية هذه الظاهرة في طبيعة المقعد التمثيلي نفسه. فالمنتخب لا يصل إلى البرلمان باسمه فقط، بل أيضا تحت رمز حزب وبرنامج وانتماء سياسي. ولذلك يطرح انتقال المنتخب سؤالا أساسيا: إلى أي حد يمكن الفصل بين الشخص الذي انتخبه المواطن والحزب الذي قدمه إليه؟

هذا السؤال ليس جديدا في المغرب. فقد عرفت الحياة البرلمانية المغربية نقاشا طويلا حول انتقال المنتخبين بين الأحزاب، وبرزت الظاهرة بشكل واضح خلال مراحل سياسية مختلفة، خاصة بعد انتخابات 2007. ففي تلك الفترة، لم تعد نتائج صناديق الاقتراع وحدها هي التي تحدد موازين القوى داخل البرلمان، إذ ساهم انتقال بعض المنتخبين في إعادة ترتيب الخريطة السياسية التي أفرزتها الانتخابات.

وهنا ظهرت مفارقة ديمقراطية مهمة: الناخب يرسم موازين القوى يوم الاقتراع، لكن تغير الانتماءات السياسية يمكن أن يعدل هذه الموازين لاحقا دون العودة إلى صناديق الاقتراع. ولهذا تحول ترحال المنتخبين إلى قضية تتجاوز حرية الفرد في تغيير انتمائه، لتشمل أيضا سؤال استقرار التمثيل السياسي واحترام العلاقة بين الناخب والاختيار الذي قام به.

وقد ساهم هذا النقاش في إدراج مقتضيات دستورية وقانونية تهدف إلى الحد من الترحال البرلماني. فجاء دستور 2011 بمقتضيات تربط التخلي عن الانتماء السياسي الذي ترشح باسمه عضو البرلمان بعواقب قانونية ودستورية. وكان ذلك محاولة لحماية الاستقرار السياسي ومنع تغيير الخريطة التي أنتجتها الانتخابات من داخل المؤسسة البرلمانية.

لكن الحد من انتقال البرلماني خلال ولايته لم ينه بالضرورة منطق إعادة التموضع السياسي. فقد تغير شكل الظاهرة أكثر مما اختفى جوهرها. وإذا كان الانتقال بعد الفوز بالمقعد أصبح مقيدا، فإن المرحلة السابقة للانتخابات تظل مجالا مفتوحا للحركة بين الأحزاب.

وهنا يصبح موسم الانتخابات لحظة لإعادة تقييم المواقع. الأحزاب تعيد النظر في مرشحيها، والفاعلون السياسيون يعيدون النظر في قدرتهم على الفوز داخل أحزابهم. وتتغير موازين القوة داخل الدوائر، وتظهر تحالفات جديدة، ويصبح الحصول على التزكية موضوعا مركزيا.

في هذه اللحظة، تصبح استعارة “الكلأ السياسي” أكثر وضوحا. فالفرص الانتخابية، مثل الموارد في المجال الرعوي، ليست ثابتة في مكان واحد. الحزب الذي كان قويا في مرحلة معينة قد تتراجع حظوظه، والحزب الذي كان محدود الحضور قد يصبح أكثر جاذبية. ومع تغير هذه الظروف، تتحرك الحسابات السياسية.

 

ولا يعني ذلك أن كل انتقال بين الأحزاب هو انتقال انتهازي. فالسياسة الديمقراطية تقوم أيضا على حرية الاختيار، وقد يغادر السياسي حزبه بسبب خلاف حقيقي أو تحول في القناعة أو رفض لتوجهات تنظيمية معينة. لذلك فإن الحكم على الظاهرة لا ينبغي أن يقوم على مجرد وقوع الانتقال، بل على سياقه ومعناه وتوقيته.

لكن عندما يتكرر الانتقال في لحظات انتخابية محددة، وعندما لا يصاحبه اختلاف واضح في المشروع السياسي بين الحزب القديم والجديد، يصبح من المشروع التساؤل عن طبيعة الدافع الحقيقي وراءه. هل يتعلق الأمر بتحول سياسي وفكري؟ أم بإعادة تموضع تفرضها خريطة الانتخابات؟

هنا يظهر أحد أخطر التحولات الممكنة في الحياة الحزبية: تحول الحزب من إطار للانتماء السياسي إلى وسيلة للمرور نحو المؤسسة. ففي الحالة الأولى، يكون الحزب مشروعا يدافع عنه أعضاؤه، ويصبح المقعد وسيلة لتنفيذ ذلك المشروع. أما في الحالة الثانية، فقد يصبح المقعد هو الهدف الثابت، بينما يصبح الحزب الإطار الذي يمكن تغييره بحسب الظروف.

ومع اقتراب الاستحقاقات التشريعية لسنة 2026، عاد موضوع الترحال السياسي إلى واجهة النقاش في المغرب. فالتحركات الأخيرة بين الأحزاب، وما رافق بعضها من سجال سياسي، تعكس أن المرحلة الانتخابية ليست فقط مرحلة لتنافس البرامج، بل هي أيضا مرحلة لإعادة تشكيل المواقع والتحالفات والرهانات.

في هذه المرحلة، تبحث الأحزاب عن مرشحين يمتلكون حضورا محليا وقدرة انتخابية، بينما يبحث المرشحون والمنتخبون عن الإطار الذي يمنحهم أفضل شروط المنافسة. وهذه العلاقة ليست في ذاتها أمرا غير مشروع، فالانتخابات تقوم على التنافس، والأحزاب تحتاج إلى مرشحين قادرين على الفوز. غير أن المشكلة تظهر عندما يصبح معيار الفوز وحده هو الذي يحدد الانتماء، بينما يتراجع السؤال المتعلق بالهوية السياسية والمشروع والبرنامج.

عندها يمكن أن يتحول الحزب من “بيت سياسي” إلى “محطة سياسية”. يدخل إليها الفاعل في مرحلة، ويغادرها في مرحلة أخرى، بحسب تغير موقعها داخل الخريطة الانتخابية. وليس الخطر في الحركة ذاتها، بل في فقدان الانتماء السياسي لاستمراريته ومعناه.

وهذا ما يجعل الترحال السياسي مرتبطا أيضا بمسألة الثقة. فالناخب يحتاج إلى أن يعرف ما الذي تمثله الأحزاب ومن الذي يمثل اختياره داخل المؤسسات. وكلما بدا الانتقال بين الانتماءات أمرا عاديا ومتكررا، ازدادت صعوبة التمييز بين انتقال يقوم على القناعة وانتقال تحكمه الحسابات الانتخابية.

ربما لهذا لا تكمن المشكلة الأساسية في عدد الأحزاب التي ينتقل بينها السياسي، بل في السؤال الذي يرافق هذا الانتقال.

هل انتقل إلى موقع سياسي جديد لأنه وجد فيه مشروعا أقرب إلى قناعاته؟ أم انتقل لأن خريطة الفرص تغيرت؟

ومن هنا يمكن اختصار الفكرة التي تربط بين الترحال الرعوي والترحال السياسي وترحال المنتخبين في مسار واحد: ينتقل البدوي بحثا عن الكلأ الذي يسمح بالاستمرار، وينتقل الفاعل السياسي، في بعض الحالات، بحثا عن المجال الذي يوفر شروطا أفضل لاستمرار مساره السياسي.

إنها ليست مقارنة بين الأشخاص، بل بين منطقين للحركة. ففي المجال الرعوي، يغير الإنسان مكانه عندما تتغير الموارد. وفي المجال السياسي، قد يغير بعض الفاعلين مواقعهم عندما تتغير الفرص.

ومن هنا تأتي فكرة “الكلأ السياسي” بوصفها استعارة عن اللحظة التي يتحول فيها البحث عن الموقع السياسي الأكثر ملاءمة إلى عنصر أقوى من الاستمرار في الانتماء إلى مشروع سياسي معين.

وفي النهاية، يبقى السؤال الذي يختصر النقاش كله:

هل ينتقل السياسي إلى الحزب الذي يشبه أفكاره، أم إلى الحزب الذي يشبه فرصه؟

ففي الجواب عن هذا السؤال وحده يمكن التمييز بين انتقال سياسي تفرضه القناعة، وترحال سياسي تحكمه خريطة الكراسي والفرص

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *