وجهة نظر

الاستحقاقات الانتخابية وسؤال التحول من منطق الوعود إلى منطق التقييم وتقديم الحساب

الاستحقاقات الانتخابية وسؤال التحول من منطق الوعود إلى منطق التقييم وتقديم الحساب

مع اقتراب موعد الاستحقاقات الانتخابية، بدأت ملامح الخطاب الانتخابي تتشكل، وبدأنا نسمع مواقف وخطابات جديدة من بعض الأحزاب التي تتحمل مسؤولية تدبير الشأن الحكومي.

والمثير للانتباه أن بعض مكونات الأغلبية، التي ظلت إلى وقت قريب تؤكد انسجامها وتقدم هذا الانسجام باعتباره أحد عناصر قوة التجربة الحكومية، تبدو اليوم وكأنها بصدد إعادة ترتيب خريطة المسؤوليات. فكلما تم رصد تعثر أو إخفاق في قطاع من القطاعات، ارتفعت أصوات من هذا المكون لتحميل المسؤولية للمكون الحكومي الآخر، رغم أن الجميع ينتمي إلى نفس الحكومة ،ونفس الأغلبية التي يحكمها سياسيا وأخلاقيا ميثاق واحد، على أساسه تتحمل مسؤولية قراراتها واختياراتها.

لقد ظلت مكونات الأغلبية، طوال الولاية الحكومية، تقدم الحصيلة باعتبارها حصيلة مشتركة، بل وتؤكد أنها حققت ما لم تحققه حكومات سابقة. لكن مع اقتراب موعد الانتخابات تغيرت نبرة الخطاب؛ فأصبح البعض ينسب لنفسه ما تحقق من إيجابيات، بينما يسعى إلى إسناد مواطن القصور إلى مكونات أخرى من الأغلبية.

والسؤال الذي يطرح في هذا المقام هو التالي :
هل نحن أمام خطاب انتخابي جديد، أم أمام محاولة لإعادة توزيع المسؤولية السياسية قبل التوجه إلى صناديق الاقتراع؟
من المؤكد ،أن المحطات الانتخابية في مختلف الدول الديمقراطية، تشكل مناسبة ،ليس لاستمالة الناخبين وتوزيع الوعود بالجملة ،وربما توزيع بعض المنافع الظرفية ،ولكن مناسبة حقيقية لفتح نقاش عمومي واسع ،من أجل التعرف على الانتظارات الحقيقية ،ومن ثمة صياغة البرامج الواقعية والموضوعية والقابلة للتنفيذ ،وفق تعاقد صريح لاوعد طوباوي عابر وحالم.

على هذا الأساس ، كان حريا بالتحالف الحكومي عرض خطاب سياسي انتخابي واقعي ومنطقي وموضوعي؛ خطاب يضع الحصيلة تحت مجهر النقد، ورصد مكامن الخلل والإشكالات التي لم تنجح الحكومة في حلحلتها ومعالجتها، والاعتراف الصريح بما ارتبط بعجز أو قصور في الأجرأة والتنفيذ، ثم اقتراح بدائل واضحة وقابلة للتطبيق.

فالانتخابات، في الديمقراطيات الراسخة، ليست مناسبة لتسويق الأحلام أو لإغراق الناخب في وعود عامة، وإنما هي قبل كل شيء لحظة للمساءلة السياسية، من خلال أسئلة بسيطة نظير: ماذا تحقق؟ ومالذي لم يتحقق؟ ولماذا لم يتحقق؟ ومن يتحمل المسؤولية؟ وماهي الاقتراحات الكفيلة بتجاوز الاختلالات؟

من هذا المنطلق، كان من اللياقة أو اللباقة السياسية أن يستند هذا الخطاب على الصراحة والمكاشفة ،وذلك في أفق نقاش جماعي مسؤول حول عدد من القضايا التي تشغل المواطن المغربي.

مثلا :كيف نفسر ارتفاع معدل البطالة، إلى أكثر من 13 في المائة، رغم أن التشغيل كان في صلب الالتزامات الحكومية؟
وكيف نفسر ارتفاع عدد الأشخاص في وضعية الفقر ، وفق معطيات المندوبية الساميةللتخطيط؟
وكيف يمكن تقييم الالتزام المتعلق بإحداث مليون فرصة شغل، في ضوء حصيلة سوق الشغل خلال الولاية الحكومية؟
ولماذا ظلت التفاوتات الاجتماعية والمجالية قائمة، رغم أن تقليصها كان من بين الأهداف الكبرى المعلنة؟

ولماذا ظلت أسعار عدد من المواد الأساسية، ومنها اللحوم الحمراء، في مستويات مرتفعة، وصلت في فترات معينة إلى ما بين 110 و150 درهما للكيلوغرام؟وزد عليها أسعار المحروقات والأسماك والعقار،وغيرها …
ولماذا تراجع التمكين الاقتصادي للنساء بدل أن يرتفع ؟
ولماذا لم تتخذ الحكومة إجراءات جذرية وحقيقية وملموسة لتحسين المعاشات الهزيلة في ظل الارتفاعات المجحفة للأسعار وتدني القدرة الشرائية؟

الأمر نفسه ينطبق على التعليم. فالحكومة التزمت بالارتقاء بموقع المغرب في المؤشرات الدولية للتعليم، ومن بين الأهداف المعلنة الوصول إلى قائمة أفضل 60 دولة. وفي المقابل، وضع أحد التصنيفات الدولية المغرب في المرتبة 154 سنة 2024.
وبغض النظر عن المنهجية المعتمدة في هذا التصنيف، فإن السؤال السياسي المشروع يظل قائما:
أين نحن اليوم من الوعود التي قدمت في بداية الولاية؟
ذلك أن تقييم السياسات العمومية لا ينبغي أن يقوم فقط على ما ننجح في تقديمه باعتباره إنجازا، وإنما أيضا على المسافة بين الأهداف المعلنة والنتائج المحققة.

والأمر ذاته بالنسبة إلى محاربة الفساد ،من خلال طرح السؤال الأعمق التالي: هل المستوى الذي بلغه المغرب في مؤشر إدراك الفساد ينسجم مع طموح الإصلاحات المعلنة، ومع تطلعات المغاربة إلى إدارة أكثر شفافية ونزاهة وفعالية؟
إن طرح هذه الأسئلة لا يعني إنكار ما تحقق من مكتسبات، ولا التقليل من أهمية الأوراش التي أطلقتها الدولة،وهي على كل حال، إنجازات عابرة للزمن الحكومي والبرلماني باعتبارها وليدة سياسات عامة وتراكمات مؤسساتية ،لكنه يعني ببساطة أن الحصيلة الحكومية لولاية بعينها، يجب أن تقرأ كاملة: بإيجابياتها وسلبياتها، بنجاحاتها وإخفاقاتها، وبما تحقق وبما لم يتحقق.

وهنا تكمن إحدى أهم الإشكالات التي يطرحها الخطاب الانتخابي المرتقب.
فإذا كانت الحكومة واحدة، والأغلبية واحدة، والبرنامج الحكومي واحدا، فكيف يمكن أن تصبح الإنجازات ملكا لهذا الحزب أو ذاك، بينما تتحول الإخفاقات إلى مسؤولية طرف آخر؟

قد تختلف الاختصاصات القطاعية، وقد تتباين المسؤوليات المباشرة داخل الحكومة، لكن ذلك لا يلغي مبدأ المسؤولية السياسية المشتركة عن الاختيارات الكبرى للحكومة وعن نتائجها العامة، على اعتبار أن الإنجاز مشترك، والمسؤولية عن الإخفاق كذلك مشتركة.
ومن هنا، فإن الخطاب الانتخابي الذي نحتاجه اليوم ليس خطابا انتخابويا يراهن على الذاكرة القصيرة للناخب، وإنما خطاب سياسي مسؤول يملك الشجاعة للاعتراف بالاختلالات، ويقدم أجوبة واضحة عنها.

فالمطلوب لايكمن في تقديم الأحزاب لبرامج انتخابية مثالية في شكلها، أو وثائق أنيقة الصياغة يمكن أن تكون قد أعدتها مكاتب دراسات أو ساهمت في صياغتها أدوات الذكاء الاصطناعي؛ بل المطلوب شعبيا يتمثل في برنامج قابل للتنفيذ، محدد الأولويات، واضح الكلفة والتمويل، مرقم الالتزامات، محدد الآجال،وهذا بالطبع من صميم احترام ذكاء المواطن،الذي لايكتفي بطرح السؤال للأحزاب التي دبرت الشأن العام خلال ولاية حكومية عن ماذا ستفعل غدا؟ولكن أيضا عن ماذا فعلت عندما دبرت الشأن العام؟ على الرغم من أغلبيتها المريحة ليس على مستوى البرلمان، بل أيضا على مستوى الجهات والعمالات والاقاليم وباقي الجماعات الترابية.

الأكيد أن عددا من القضايا التي ظلت مثار نقاش مجتمعي وسياسي كان على الحكومة تصفية ذمتها السياسية في شأنها ، قبل عرض الوعود والبرامج، من خلال تقييمات موضوعية ومستقلة ومحايدة، حتى يعرف الرأي العام حقيقة ما جرى، وما تحقق، وما تعذر تحقيقه، ومن يتحمل المسؤولية، وما الذي ينبغي تصحيحه.
فالشفافية السياسية لا تعني فقط نشر الحصيلة، وإنما تعني أيضا إخضاعها للنقاش والمساءلة.

إن أخطر ما يمكن أن ينتج عن خطاب انتخابوي قائم على تبادل المسؤوليات والاتهامات أحيانا، هو فقدان الثقة في العملية الديمقراطية برمتها.
وأعتقد بأن سلك سبيل المكاشفة والصراحة، من شأنه الرفع من منسوب الاحترام الشعبي لسالكه،وأيضا رفع جرعة الثقة في اختيارنا الديمقراطي.
فماذا سيضير مدبري الشأن العام إذا قالوا بجرأة وشجاعة:؟
هذه حصيلتنا، هذه نجاحاتنا، هذه إخفاقاتنا وتعثراتنا، هذه أسبابها، وهذه مسؤولياتنا، وهذه بدائلنا، وهذا ما سننجزه، وهذا مالانستطيع إنجازه، وهذا هو الأجل الذي نلتزم به…
أما التبشير بمستقبل مثالي، وتوزيع الإنجازات على الذات والإخفاقات على الآخرين، فلا يمكن أن يكون بديلا عن المصارحة السياسية.
إن الرهان الحقيقي في الاستحقاقات المقبلة لايجب أن يختزل فقط في :من سيحتل الصدارة؟ ومن سيقود حكومة المونديال؟
بل ينبغي أن يكون السؤال الأهم:
أي حكومة نريد؟ وأي نموذج تنموي نريد؟ وماهو سقف التجاوب والتفاعل مع انتظارات وتطلعات المغاربة ،من خلال سياسات عمومية قادرة فعلا على تحقيق العدالة الاجتماعية والمجالية، وخلق فرص الشغل، وتحسين القدرة الشرائية، واستعادة الثقة؟
تلك هي الأسئلة التي ينبغي أن يتصدرها الخطاب الانتخابي.
أما تحويل الانتخابات إلى مناسبة لإعادة توزيع المسؤوليات، أو لتجميل الحصيلة، أو لتقديم وعود بلا مؤشرات قياس ولا آجال ولا التزامات واضحة، فمن شأنه أن يجعل من الخطاب الانتخابي مجرد خطاب انتخابوي، وقد تكون كلفته الأكبر هي المزيد من إضعاف الثقة في السياسة وفي العملية الانتخابية نفسها.

في المقابل ،فإن أحزاب المعارضة معنية بدورها بالمساءلة في حدود الاختصاصات التي خولها إياها الدستور ،أي ماهي حصيلتها الكمية والنوعية في مجالات المراقبة والتشريع وتقييم السياسات العمومية؟ هل قامت بمبادرات رقابية لتطويق الأزمات ؟ هل نبهت الى مواطن الخلل والقصور ؟ والأهم من هذا هو هل تجاوبت الأغلبية مع مبادرات المعارضة التشريعية والرقابية وفي مجال تقييم السياسات العمومية؟ أم استعملت سلاحها العددي لتقويض كل مبادرة نظير لجان تقصي الحقائق أو وأد كل بديل مقترح في المهد رغم وجاهته؟

إن الانتخابات ليست في الحقيقة موسم الوعود “والزرود”؛ بل محطة لتقديم الحساب وفرصة للتناوب في التداول بناء على برامج وبدائل مبتكرة، بشخوص قادرة بالطبع على الإبداع والابتكار، مشبعة بروح وطنية عالية وبتوجهات ورؤى قريبة من المواطن ،يحذوها هاجس المصلحة العامة بتواضع سياسي ينأى عن تضحيم الأنا وتضارب المصالح وخدمة لوبيات أو مصالح ضيقة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تعليقات الزوار

  • فردوس
    منذ شهر واحد

    مقال رائع فعلا وجب على كل طرف تحمل مسؤوليته الخالصة نتمنى أن تكون الانتخابات القادمة فرصة جديدة للتغيير الايجابي