منتدى العمق

ملاحظة الانتخابات.. عين على الصندوق وضمير أمام الديمقراطية

ليست الانتخابات مجرد يوم تفتح فيه مكاتب التصويت، وتغلق الصناديق، ثم تعلن النتائج. الانتخابات مسار كامل، يبدأ قبل الاقتراع ويستمر بعده، وتبقى جودته مرتبطة بمدى احترام قواعد المنافسة، وشفافية الإجراءات، وحرية اختيار الناخب، وقدرة مختلف الفاعلين على ضمان احترام القانون، ومن هنا تأتي أهمية ملاحظة الانتخابات باعتبارها إحدى الآليات التي تساهم في تعزيز الثقة في العملية الانتخابية.

فالملاحظة المستقلة والمحايدة ليست مراقبة للناخب، وليست تدخلا في اختياراته، كما أنها ليست وسيلة للحكم المسبق على نتائج الانتخابات. إنها في جوهرها عملية ميدانية تقوم على تتبع سير العمليات الانتخابية، وجمع المعطيات بموضوعية وتجرد وحياد، ثم تقييم ظروف تنظيمها ومدى احترام القواعد الدستورية والقانونية والمعايير ذات الصلة، وهنا تكمن أهمية الملاحظ: أن يرى ما يحدث كما هو، لا كما يريد أن يكون.

فالملاحظ الحقيقي لا يبحث عن اختلالات لإدانة العملية الانتخابية، ولا عن مظاهر إيجابية لتبريرها، وإنما ينطلق من مبدأ أساسي هو الحياد. يسجل الوقائع، يوثق الملاحظات، يجمع المعطيات، ثم يترك للنتائج والتقارير مهمة تقييم الصورة الكاملة.

وقد عمل المغرب منذ دستور 2011 على تأطير هذه الممارسة قانونياً، من خلال القانون رقم 30.11 المتعلق بتحديد شروط وكيفيات الملاحظة المستقلة والمحايدة للانتخابات، والذي نظم عملية الاعتماد وحدد حقوق والتزامات الملاحظين، لكن، ونحن أمام استحقاق انتخابي جديد، فإن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه ليس فقط: هل توجد ملاحظة للانتخابات؟
بل السؤال الأهم هو: هل نستفيد فعلاً من الملاحظة الانتخابية في تطوير الممارسة الديمقراطية؟
لأن قيمة الملاحظة لا تكمن في عدد الملاحظين الذين يجوبون مكاتب التصويت، ولا في عدد التقارير التي يتم إعدادها، وإنما في قدرتها على إنتاج معرفة حقيقية حول العملية الانتخابية، والكشف عن مكامن القوة والضعف، وتقديم توصيات يمكن أن تتحول إلى إجراءات عملية.

كما أن الملاحظة لا ينبغي أن تبدأ صباح يوم الاقتراع وتنتهي بإغلاق الصندوق. فالانتخابات تبدأ قبل ذلك بكثيرمن التسجيل في اللوائح الانتخابية، مروراً بالترشيحات والحملات الانتخابية، ووصولاً إلى يوم الاقتراع والفرز وإعلان النتائج، وهذا ما يجعل مهمة الملاحظ أكثر تعقيداً ومسؤولية.

فالمشهد الانتخابي اليوم لم يعد مقتصراً على ما يحدث داخل مكاتب التصويت، هناك فضاء رقمي واسع، وشبكات التواصل الاجتماعي، وخطاب سياسي متنوع، ومعلومات وأخبار يصعب أحياناً التمييز فيها بين الحقيقة والإشاعة. وبالتالي، فإن مفهوم الملاحظة نفسه أصبح يحتاج إلى قراءة متجددة تواكب التحولات التي تعرفها العملية الانتخابية.

وفي المقابل، لا يمكن تحميل الملاحظ أكثر مما يحتمل فهو ليس قاضياً، وليس إدارة انتخابية، وليس طرفاً سياسياً. مهمته هي الرصد والتوثيق والتقييم، وفق الضوابط التي تؤطر هذه العملية. ولهذا فإن استقلاليته وحياده يظلان الشرط الأساسي لاكتساب ملاحظاته مصداقيتها.

وفي المغرب، تتولى اللجنة الخاصة لاعتماد ملاحظي الانتخابات دراسة طلبات الاعتماد، في إطار المنظومة القانونية المؤطرة للملاحظة المستقلة والمحايدة، كما يتم اعتماد الملاحظين وفق شروط وضوابط محددة، لكن الديمقراطية لا تحتاج فقط إلى قوانين جيدة، وإنما تحتاج أيضاً إلى ثقافة احترام القانون.

فحين يشعر المواطن أن العملية الانتخابية تتم في إطار واضح وشفاف، وأن هناك من يتابع مختلف مراحلها باستقلالية وموضوعية، فإن ذلك يمكن أن يساهم في تعزيز الثقة، وحين يشعر بأن الملاحظات والتقارير لا تبقى مجرد وثائق، وإنما تتحول إلى مدخل لتصحيح الاختلالات وتطوير الممارسة، تصبح الملاحظة أكثر من مجرد إجراء مواكب للانتخابات إن ملاحظة الانتخابات ليست تشكيكا في الديمقراطية، بل يمكن أن تكون إحدى وسائل حمايتها،

وليست مهمتها أن تقول للمواطن لمن يصوت، وإنما أن تساهم في ضمان أن يكون اختياره حراً، وأن تتم المنافسة في إطار يحترم القانون، وأن تكون العملية قابلة للرصد والتقييم.

وفي النهاية، فإن الانتخابات القوية لا تحتاج فقط إلى صناديق اقتراع، وإنما تحتاج إلى مؤسسات تحترم القانون، وأحزاب تتحمل مسؤوليتها، وناخب واع، وإعلام مهني، ومجتمع مدني يقظ، وملاحظ مستقل يعرف أن مهمته ليست صناعة الموقف، وإنما توثيق الواقع.

فالديمقراطية لا تحميها الصناديق وحدها، بل تحميها أيضاً ثقافة الملاحظة، وجرأة التوثيق، واستقلالية التقييم، والإرادة الحقيقية في تصحيح الاختلالات.

وهنا تحديدا تتحول ملاحظة الانتخابات من مجرد حضور على هامش العملية الانتخابية إلى مساهمة فعلية في بناء الثقة وتعزيز المسار الديمقراطي.

بقلم كوثر الجاحظ
باحثة في العلوم السياسية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *