منتدى العمق

الذكاء الاصطناعي.. بين مكاسب العصر والتوقعات المخيفة

صورة الكاتب عبد الله شخمان

لا شك أن قدرة العقل البشري لا حدود لها في إيجاد حلول جديدة للمشكلات المعقدة و مشروعاً مفتوحاً للصمود، و فهم التحديات المطروحة أمامه. فقد اقتحم العلم وارتاد فضاءات جديدة هائلة منها الفضاء التاريخي والحضاري، فكما استطاعت الجيولوجيا وبواسطة الكربون 14 وعن طريق (استنطاق) حلقات الشجر التي تعمر القرون الطويلة، لتعرف ماذا حدث في الكون منذ قرون عفا عليها الزمن واندثرت مع اندثار الذاكرة البشرية(د.خالص جلبي، الطب محراب للإيمان)، فكذلك، وعن طريق الأركيولوجيا (علم الآثار) تم إعادة بناء أنماط حياة وفهم تطور الحضارات، (باستخدام تقنيات حديثة مثل الكربون المشع، التحليل الكيميائي..)

و لم يتوان عقل الإنسان عن محاولته تسخير كل ما أتيح له في الطبيعة لخدمة الإنسانية، بل استطاع أن يبدع أنظمة تحاكي الذكاء البشري أو ما يصطلح عليه بالذكاء الاصطناعي،الذي أصبح من ابرز المحركات الأساسية للتغيير في مختلف القطاعات الاقتصادية والاجتماعية والصحية.. و….بل بفرض نفسه بقوة في ظل التحولات الرقمية المتسارعة التي يشهدها العالم اليوم.

ويمكن القول أنّ بدايات الذكاء الاصطناعي (AI) ظهرت في خمسينيات القرن الماضي، وبالتحديد في عام 1950، عندما قام العالم آلان ماتيسون تورينج· بتقديم اختبار تورينج الذي يقوم بتقييم الذكاء لجهاز الحاسب (الكمبيوتر)، إلا أن المصطلح بدأ رسمياً كمفهوم علمي في عام 1956 في كلية “دارتموث” في هانوفر بالولايات المتحدة الأمريكية، ومع مرور السنوات أخذ المفهوم بالانتشار مجددًا وانبثق عنه العديد من التقنيات والعلوم وأصبحت له القدرة الفائقة على تحليل وفهم المعلومات وحل المشكلات البشرية في أي لغة وترجمتها. بل وموجودا في كل مكان ليغزو كل مفاصل حياتنا اليومية ويمتلك القدرة على تغيير عاداتنا اليومية ونظرتنا للواقع الاجتماعي… ويؤثر على مستقبل حياتنا؟

و من وجهة نظر خبراء في هذا المجال فإن البشرية ستنقسم إلى فئتين، واحدة تكون ممن سيتحكمون في تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي وأخرى تضم من سيكونون خارج هذه الدائرة. لكن هل الأمر كذلك أم أن قضية النكنولوجيا لها وجه آخر.. ؟ ففي القطاع الصحي مثلا تعتبر الرعاية الصحية،(في المستشفيات أو العيادات)، سلسلة معقدة ومتعدّدة الأوجه، من العمليات الداخلية مثل الموارد البشرية، إلى التعامل مع مطالبات التأمين لأخذ بيانات المريض من موفري الخدمات الآخرين. ودائماً ما تتدفق البيانات للداخل والخارج لعمليات الرعاية الصحية. ومنذ عقود مضت كان هناك الكثير من الصفحات الورقية والمكالمات الهاتفية، والآن اندمجت في رسائل البريد الإلكتروني والملفات، وكذلك في قواعد البيانات السحابية والتطبيقات المخصصة.

وقد أدى استخدام الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية إلى إنشاء عدد من ميزات إدارة البيانات، تتيح للمؤسسات التخطيط للمستقبل، وضمان حصول مجتمعاتها على رعاية أفضل.
ولكن التكنولوجيا هي سيف ذو حدين ؛ قد تمكن من انتهاك الخصوصية التي تعتبر حق من حقوق الإنسان، فخرق الخصوصية للفرد والمجتمع، باستغلال قدرات الذكاء الاصطناعي يمكن أن يسبب ضرراً شخصياً واجتماعياً دون وعي لحجم الكارثة التي تحيط بنا. ففي معظم الأوقات نكشف عن غير قصد عن بياناتنا الخاصة مثل العمر، والموقع، والتفصيلات وما إلى ذلك ( كما قال أحد الظرفاء: هواتف ذكية بيد عقول غبية). كما يمكن لشركات التتبّع بيع بياناتنا الخاصة إلى مؤسسات وكيانات أخرى دون علمنا أو موافقتنا، حيث بات من السهل جداً معرفة جميع اهتمامات وأنشطة المستخدمين من محادثاتهم أثناء الجلوس في البيت أو البحث عن منتج لزيارة مطعم وما شابه ذلك. وإلى جانب هذا الكشف اللا واعي عن البيانات الشخصية، هناك نوع من البيانات التي نقوم بتحميلها بأنفسنا على منصات التواصل الاجتماعي، حيث يتم نقل هذه البيانات إلى أجهزة الحواسيب التي عززت بشكلٍ كبيرٍ احتمال تتبع هذه المعلومات الشخصية ومعالجتها، وجمع البيانات حيث تستطيع معرفة أنشطتك اليومية وميولك النفسية والاجتماعية والسياسية من خلال تصفح مواقع الويب على الانترنت، ثم بيعها بمقابل، وقد يتيح ذلك سوء استغلالها لممارسات لا أخلاقية كالتشهير بالأشخاص وابتزازهم( ملفات ج. إبستين كنموذج..) و انتشار جرائم النصب والاحتيال والقرصنة الالكترونية…وعلى العموم فمخاطر الاختراق تؤدي إلى تهديد الأمن الرقمي.

وحسب خبراء ومنظرين (جاك أتالي)، قريبا ستسمح هذه التكنولوجيا باختراق أو استشىراف مستقبلنا (البيولوجي والفزيولوجي)، وبشكل موثوق، بعض ملامح مصير كل فرض، سيكون بإمكاننا معرفة احتمالات الإصابة بالأمراض والتاريخ المحتمل للموت وأسبابه للمولودين الجدد.

لن نعرف شيئا عن ذكاء المولود و قدراته الإبداعية، لكن سنعلم كل شيء عن مصيره الفيزيائي الذي سيرتبط بالمعلومات التي ستحصل عليها من تحليل المعطيات الجنينية والاجتماعية والأيكلوجية والعائلية لكل فرد. طبعا لن يقف الأمر عند المعطيات التي يتيحها علم المورثات (la génétique) أو علم التخلق (l’épigénétique)) و إنما من تكاثف عوامل أخرى عديدة، ولن يمثل الأمر سوى نتيجة إحصائية لن تمنع إمكانية الوفاة نتيجة أي سبب أخر.

كيف نتعامل مع هذه الثورة المرتقبة؟ هل يجب إخبار الآباء بهذه المعلومات عند الولادة ؟ هل سيحق لكل فرد معرفة ما ينتظره بناء على تلك المعلومات حتى و إن كانت الأمراض التي ستصيبه من المحتمل لا تزال بلا علاج؟ هل سيكون من حق كل شريك معرفة الخريطة التوقعية لشريكه العاطفي؟ لأطفاله؟ هل سيحق لرب العمل الاطلاع على هذه المعلومات قبل اتخاذ قرار التوظيف؟هل ستكون الدولة على علم بهذه المعطيات؟ هل سيحق لها جمعها؟ وهل ستأخذها بعين الاعتبار في نفقاتها الخاصة بالصحة؟ وهل يحق لشركات صناعة الأدوية الحصول على هذه المعطيات، والاستفادة منها في أبحاثها ؟وهل ستحصل عليها شركات التأمين والأبناك في تحديد علاوات التأمين الخاصة بكل فرد؟

وفي حال كان الأمر كذلك، كيف سيكون بالإمكان الحفاظ على التعاضد في المخاطر وعلى التضامن بين المواطنين بالبلد الواحد؟

يجب فتح النقاش بشأن هذه الثورة التكنولوجية المقبلة وبسرعة ونطرح أسئلة عديدة حولها، فقريبا ستتحول هذه التكنولوجيا إلى واقع. كما يمكن لهذه المعطيات أن تساهم في تعيير المواطنين، و تعمل الصين حالياً على تطوير نظام ائتمان اجتماعي يجبر الذكاء الاصطناعي على منح جميع المواطنين الصينيين نقاطاً بناءً على سلوكهم. قد يكون ذلك مثلا من خلال عدم دفع القروض، أو الوقوف في أماكن غير مصرح بها، أو التدخين في أماكن لغير المدخنين، أو في وسائل…
وكما سيكون لها القدرة على الولوج إلى هذه المعطيات لكن لن تفتح باب الولوج إليها أمام مواطنيها الذين يطالبون بذلك..ولا أمام شركات التأمين، مما سيدفعها لسن طرق خاصة لإجبار المؤمنين على تقديم تلك المعطيات.

في الدول الديمقراطية ستشكل الشركات الخاصة العملاقة التي تضم شركات التواصل الاجتماعي شركات إدارة المعطيات وشركات التأمين وشركات صناعة الدواء في ما بينها وبنكا من المعطيات وعلى المستوى المجتمعي سينقسم الناس بين المستويات من يرغبون في المعلومات الخاصة بحياتهم ومن يرفضون ذلك وقد يعرف من لا يرغب في التوقعات الخاصة به ، رغما عنه، عن طريق أفراد الأسرة الذين يقتسم معهم المورثات الجينية، في أقل من خمسين عاما سيعرف كل فرد حتى إن لم يرغب فيه, ما يجب عليه فعله ليعيش مدة أطول.
هنا يجب أن نتساءل كيف سيكون رد فعل المجتمعات التي ستشهد هذه الثورة؟ من المرجح أن تختار البشرية مرة أخرى أن تجهل مصيرها وتتبنى سياسة النعامة وأن تنغمس في المتع الأكثر تطرفا كالمحذرات …

ومن المرجح أن يحدث ذلك إلا إذا ولدت مجتمعات أكثر وضوحا مع نفسها حيث لا يشكل لها الموت موضوعا “محظورا ” كما هي اليوم، وإنما قضية يكمن الحديث عنها منذ الطفولة…؟ و في نفس السياق، فقد قام أحد الأساتذة المحاضرين(“ستيفن كوفي” كتابه العادات السبع للناس الأكثر فعالية) بطرح سؤال على طلبته بتخيل الموت بعد ثلاثة أشهر..؟ ليصل إلى نتيجة أن كل تصرفاتنا تنبع من تصوراتنا، وتأمل الموت هو أداة قوية لتغيير هذه التصورات نحو الأفضل. و ليست دعوة للتشاؤم، بل هو دعوة لاستثمار الحياة، وفهم أن الدنيا ليست هي الهدف الأسمى، بل الاستجابة المثلى هي عيش كل يوم بأفضل نسخة من النفس.
قد يحدث ذلك إذا خرجت مجتمعات ترغب في التفكير في مصيرها عن بعد والطريقة التي قد تؤثر بها على الآخرين وعلى الكوكب. ربما سنعلم علم يقين بأنه ممكن أن نموت جراء تلوث الهواء أو الحر سنولي اهتماما اكبر للمسألة.

سيشهد العالم ما يسمى بالتحول التكنولوجي الحيوي، بدمج الآلة في جسد الإنسان، مما ينتج “إنساناً فائقاً” (Transhumanism) و لكن بنمط حياة استهلاكي بحت يغيب فيه الجوهر الإنساني، بل”مجتمعات افتراضية” تلغي الهوية الوطنية والاجتماعية و إلغاء الروابط التقليدية ( دين أو أسرة)، لتحويل البشر إلى “عبيد” للرصيد الرقمي، حيث تصبح القيم مادية فقط.
و لسيطرة صناع القرار في العالم، على السكان وتنشيط تجارة الأدوية يتم اصطناع أوبئة (مثل كورونا…) كأداة لإعادة هيكلة المجتمعات والتخلص من فائض البشر( كما زعمت نظرية توماس مالتوس (1798)، التشاؤمية التي تفترض أن عدد السكان ينمو “هندسياً” بينما يزيد إنتاج الغذاء “حسابياً” ، مما يؤدي حتماً إلى فجوة بين السكان والموارد، مما يسبب اكتظاظاً سكانياً.وينتج عنها مجاعات، أوبئة، وحروب. لكن مع التطور التكنولوجي في الزراعة، وتحسن وسائل الإنتاج تم تجاوز هذه التوقعات(فلا توجد دول فقيرة، بل حكومات فاشلة وهي الفاسدة والمستبدة..؟) .أما الأسواق الحرة فستعرف فوضى، إذا لم يتم ضبطها، ستخلق فوارق اجتماعية مرعبة، حيث يصبح معظم البشر “زائدين عن الحاجة” (Superfluous) اقتصادياً. في مجال الشغل، يهدد استبدال البشر بالآلات (روبوتات)، ملايين الوظائف بالمقاولات والشركات عبر العالم. و كان في البداية مقدر لهذه التكنولوجيا أن تصل مستوى الذكاء البشري في سنة 2100 لكن بعد مرور ألف يوم على إطلاق “Chat GPT” تمت مراجعة هذا الاعتقاد أو التقدير ليتحدد في عام 2032.. !؟

بسبب هذه التكنولوجيا نشهد حروبا سيبرانية ( بنقرة واحدة) بهدف التخريب، التجسس…. وتستخدم أساليب كالبرمجيات الخبيثة، والتصيد الاحتيالي،
هذه الحروب السيبرانية أصبحت جزء أساسي في استراتيجية الدفاع العسكرية للدول…والحرب الدائرة في الخليج( 2026)تعطينا صورة أوضح ..فقد تمكنت إيران من استهداف المواقع الأمريكية بدقة، بفضل الأقمار الصناعية الصينية (نظام بيدو ) متجاوزة نطاق التشويش الأمريكي على نظام ج.ب.س (GPS). وتم تعطيل الخدمات السحابية ببعض دول الخليج لأسابيع بفعل استهداف مراكز تابعة لشركة “أمازون”….

وفي مجال الطب، سيكون ممكنا تشخيص المرض لدى الإنسان ووصف الدواء المناسب بهامش خطأ اقل من الطبيب. ويتم تطوير شركات ناشئة لتطوير الأدوية وبروتوكولات علاجية جديدة . وفي بضع سنوات سيصبح بالإمكان إجراء الجراحة عن بعد ( حسب أيلون ماسك، روبوتات اوبيتموس) سيشهد انقلابا جذريا في مهنة الطب.؟ سنكون عندها دخلنا عصر “الذكاء الاصطناعي الخارق” ويجب حتما، إعادة النظر في طرق وبرامج التدريس في كل المستويات لكي نستطيع مواكبة هذه الثورة.
ولمواجهة السيناريوهات المخيفة ومخاطر الذكاء الاصطناعي، لا سبيل إلا باعتماد استراتيجية شاملة محورها الإنسان، المحرك الحقيقي للتنمية ، و مواكبة التحولات بالتأقلم والاندماج، بهدف تحقيق توازن بين الابتكار التكنولوجي والتنظيم في عالم رقمي لا محيد عنه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *