عزيز باقبو.. انطفاء وتر آخر من سلالة صنعت مجد “كناوة” بمراكش
قبل نحو شهرين فقط، كان المعلم عزيز باقبو يجلس في الصويرة مستعيدا رفقة شقيقه أحمد ورفاق الطريق سيرة شقيقهما المعلم مصطفى باقبو. كان ذلك يوم 27 يونيو الماضي، في لقاء خصصه مهرجان كناوة وموسيقى العالم لتكريم أحد أشهر أبناء العائلة، الذي توفي في شتنبر 2025. لم تمض سوى أسابيع حتى صار عزيز نفسه اسما تستعيده أسرة “تاكناويت” بصيغة الوداع.
فمساء الاثنين 31 غشت 2026، غيب الموت المعلم عزيز باقبو بعد معاناة طويلة مع المرض، وفق ما أعلنته نائلة التازي، منتجة ومديرة مهرجان كناوة وموسيقى العالم، وما أكدته جمعية “يرمى كناوة” وفريق المهرجان، لتنتهي بذلك رحلة واحد من أبناء سلالة موسيقية مراكشية لم تكن “كناوة” بالنسبة إليها مجرد فن يُمارس فوق الخشبة، بقدر ما كانت إرثا عائليا ينتقل بين الآباء والأبناء والإخوة.
رحل عزيز قبل أيام قليلة فقط من حلول الذكرى الأولى لوفاة شقيقه مصطفى، الذي توفي يوم 8 شتنبر 2025 عن 72 عاما، لتعيش عائلة باقبو خلال أقل من سنة فقدان اثنين من أبرز معلميها.
يصعب فصل سيرة عزيز باقبو عن اسم العائلة. فوالده هو المعلم العياشي باقبو، أحد الوجوه القديمة في المدرسة الكناوية المراكشية، وفي البيت نفسه نشأ أحمد ومصطفى وعزيز. وتؤكد المصادر التي أرخت لمسار الأسرة أن العياشي كان معلم الأبناء الأول، وأن تقاليد “تاكناويت” انتقلت داخل العائلة من جيل إلى جيل، فيما كان المعلم بوجمعة باقبو بدوره من الأسماء الكبيرة في هذه السلالة.
ويمكن القول إن عائلة باقبو تجسد بصورة شبه حرفية الطريقة التي حافظ بها فن كناوة على استمراريته عبر القرون؛ فاليونسكو، حين أدرجت كناوة سنة 2019 ضمن القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للإنسانية، شددت على أن المعارف والمهارات المرتبطة بهذا الفن تنتقل تقليديا بصورة غير رسمية داخل الأسرة أو الدائرة الاجتماعية القريبة من العائلات الكناوية.
وهكذا لم يكن على عزيز أن يبحث بعيدا عن مدرسته الأولى. كان الإيقاع في البيت، و”الكمبري” في البيت، وأسماء الألوان والأذكار والطقوس والمقامات جزءا من ذاكرة عائلية يومية.
ومن هناك بدأ الطريق إلى لقب “المعلم”، وهو لقب في الثقافة الكناوية أكبر من توصيف لعازف جيد؛ إذ يرتبط بمعرفة الرصيد الموسيقي والطقوسي، وضبط الإيقاعات وتسلسل المقامات وقيادة المجموعة، فضلا عن امتلاك الخبرة التي تسمح بنقل هذا الرصيد إلى من يأتي بعده.
عزيز ومصطفى وأحمد.. ثلاثة إخوة واسم واحد
عندما يُذكر اسم باقبو في تاريخ كناوة الحديث، يصعب الوقوف عند فرد واحد. كان مصطفى واحدا من أشهر أفراد الأسرة وأكثرهم حضورا في تجارب الانفتاح والمزج الموسيقي، وكان أحمد بدوره عازفا بارزا على الكمبري، بينما شق عزيز مساره باعتباره أحد معلمي المدرسة المراكشية وحاملا لجزء من رصيد الأسرة.
لهذا جاء رحيل عزيز مثقلا بدلالة تتجاوز وفاة فنان منفرد. جمعية “يرمى كناوة” وفريق مهرجان الصويرة وصفاه عند نعيه بأنه من حراس التقليد الكناوي ومن ممثلي سلالة باقبو، مشددين على دوره في الحفاظ على هذا التراث ونقله إلى أجيال من الموسيقيين والجمهور.
وكانت المفارقة أن واحدة من المحطات الموثقة الأخيرة لعزيز ارتبطت هي الأخرى باسم شقيقه مصطفى. ففي 27 يونيو الماضي، استضاف “شجر الكلام” بالمعهد الفرنسي في الصويرة لقاء تكريميا لمصطفى باقبو، شارك فيه المعلمان أحمد وعزيز باقبو إلى جانب محمد كويو وعبد السلام عليكان وعبد الكبير مرشان. كان عزيز يومها يستعيد إرث أخيه؛ وبعد شهرين تقريبا أصبحت الأسرة الكناوية تستعيد إرث عزيز نفسه.
لكن اختزال عزيز باقبو في صفة “حافظ التراث” وحدها لا ينصف مساره. فالرجل ينتمي إلى جيل من معلمي كناوة عايش التحول الكبير الذي عرفه هذا الفن: من الليلة والزوايا والفضاءات التقليدية إلى المسارح الكبرى، ومن دائرة المريدين والعارفين بتفاصيل الطقس إلى جمهور عالمي جاء إلى كناوة من أبواب الجاز والبلوز والروك والموسيقى الإفريقية.
وكان عزيز داخل هذه الحركة من المعلمين الذين قبلوا الحوار مع الموسيقات الأخرى دون التخلي عن مركز الثقل الكناوي. في دورة مهرجان الصويرة سنة 2013، جمعته الخشبة بالفنانة ماجدة اليحياوي في تجربة لقاء بين كناوة والملحون، ضمن برنامج جعل من المزج بين المدارس الموسيقية أحد محاوره الأساسية.
وبعد عامين، عاد في الدورة الثامنة عشرة للمهرجان إلى تجربة مختلفة تماما، حين وقف على منصة الشاطئ إلى جانب الموسيقي المغربي جاوك، “الكناوي الأبيض”، في لقاء بين عازف قادم من قلب التقليد الكناوي وموسيقي عُرف منذ سبعينيات القرن الماضي بولعه بالتجريب والانفتاح على أنماط متعددة.
وتكشف هاتان المحطتان وحدهما جانبا مهما من شخصية باقبو الفنية؛ فهو قادر على الانتقال من حوار مع الملحون، أحد أكثر الأنماط المغربية تجذرا في الشعر والغناء التقليدي، إلى مغامرة موسيقية مع فنان تجريبي، بينما يظل “الكمبري” هو نقطة الانطلاق والعودة.
ولم يكن المهرجان بالنسبة إلى عزيز مجرد المنصات المفتوحة وآلاف المتفرجين. ففي دورة 2018، ظهر اسمه ضمن برمجة “الليلة” في زاوية عيساوة بالصويرة، في فضاء أقرب إلى البنية الروحية والطقوسية الأصلية لكناوة، بعيدا عن الشكل الجماهيري للحفلات الكبرى.
وهنا تكمن إحدى سمات جيله: القدرة على الوقوف في ليلتين متقاربتين داخل عالمين مختلفين؛ عالم المسرح المعاصر الذي يستقبل موسيقيين من القارات الخمس، وعالم “الليلة” حيث يستعيد الفن منطقه القديم، بتسلسل ألوانه وإيقاعاته ووظيفته الروحية.
وهذا التداخل بين الديني والدنيوي، وبين الموسيقى والطقس، هو بالضبط ما تعتبره اليونسكو من الخصائص الأساسية لكناوة، التي تصفها باعتبارها مجموعة من الممارسات الموسيقية والأدائية والأخوية والطقوسية التي يلتقي فيها المقدس واليومي.
ترك عزيز باقبو أيضا أثرا مسجلا يمكن الرجوع إليه بعد غياب صاحبه. ففي سنة 2019 صدر ضمن ألبوم Maroc: Mlouk, Festival Gnaoua et musiques du monde تسجيلان باسم Maâlem Aziz Baqbou et ses Kouyous هما “Al Hadya” و”Allal”، إلى جانب تسجيلات لأسماء كناوية أخرى، في إصدار موسيقي حمل فن المهرجان إلى وسيط قابل للحفظ والاستماع خارج زمن الحفل نفسه.
وتكتسب هذه التسجيلات اليوم معنى إضافيا؛ فالفن الشفهي الذي عاش طويلا بالانتقال من صدر إلى صدر ومن يد تمسك الكمبري إلى يد تتعلمه، أصبح يمتلك كذلك ذاكرة صوتية تحفظ أداء بعض معلميه بعد رحيلهم.
“إسعاد الجمهور”.. مهنة المعلم كما رآها عزيز
بعد جائحة كورونا، حين اختار مهرجان كناوة سنة 2022 تنظيم جولة عبر عدد من المدن المغربية، كان عزيز باقبو من بين المعلمين الذين عادوا إلى لقاء الجمهور.
وفي الرباط، أحيا حفلا في سينما النهضة إلى جانب المعلم عبد القادر أمليل، ضمن محطة اختتمت جولة شملت الصويرة ومراكش والدار البيضاء والعاصمة. وأمام وكالة المغرب العربي للأنباء، عبّر باقبو حينها عن افتخاره بالمشاركة، رابطا عمل الفنان بفكرة بسيطة: إسعاد الجمهور بمختلف فئاته، ومعتبرا تفاعله وتشجيعه حافزا لمواصلة الطريق في الفن الكناوي.
وفي السنة نفسها، وخلال مهرجان “Gnaoua Show pour le Monde” بمراكش، كان حديثه يتجه إلى قضية لازمته طويلا: ضرورة استمرار التظاهرات التي تحفظ هذا الفن وتعيد إحياءه، معتبرا أن وصول كناوة إلى الشهرة العالمية كان ثمرة عمل معلمين وفنانين كرسوا حياتهم لصيانته والتعريف به.
ولعل تلك الكلمات تختصر جانبا كبيرا من مساره هو نفسه. فباقبو لم يكن صاحب مشروع فردي منفصل عن كناوة، ولم يُقدَّم باعتباره نجما يسعى إلى إخراج نفسه من الجماعة؛ ظل اسمه مرتبطا بالسلالة، وفرقته بـ”الكوية”، وصوته بالكمبري والقراقب، ومساره بتاريخ جماعي أكبر منه.
رحيل المعلم.. وبقاء السلالة
يأتي رحيل عزيز باقبو في زمن مختلف تماما عن الزمن الذي بدأت فيه رحلة عائلته مع “تاكناويت”. فكناوة التي تلقاها أبناء العياشي باقبو داخل الأسرة أصبحت اليوم تراثا مسجلا باسم المغرب لدى اليونسكو، ولها مهرجانات دولية، وتلتقي على منصاتها مع الجاز والأفروبيت والبلوز وموسيقات العالم، ويأتي جمهور من الخارج للاستماع إلى آلة كان صوتها في زمن سابق ملازما أساسا لليالي والطقوس والفضاءات الخاصة. وقد أدرجت اليونسكو هذا التراث رسميا ضمن قائمتها التمثيلية سنة 2019.
لكن خلف كل هذا الحضور العالمي توجد قصص أكثر بساطة: أب يضع آلة بين يدي أبنائه، وأخ يتعلم إلى جانب أخيه، ومعلم يحفظ ما أخذه عمن سبقه قبل أن يسلمه لمن سيأتي بعده. عزيز باقبو كان واحدا من هؤلاء.
وفي أقل من عام، فقدت العائلة مصطفى ثم عزيز. بقي أحمد، وبقي أبناء وتلامذة وأسماء أخرى تحمل أجزاء من الذاكرة. أما ذلك البيت المراكشي الذي خرج منه أكثر من معلم، فقد أصبح بدوره جزءا من حكاية أوسع عن الطريقة التي قاوم بها فن شفهي هشاشة الزمن؛ بأن ظل ينتقل من يد إلى أخرى، حتى صار صوت الكمبري الذي بدأ داخل العائلة مسموعا في العالم كله.
اترك تعليقاً