خارج الحدود

“مزايدات شعبوية فارغة”.. مشروع اليمين المتطرف لمعاقبة المحجبات يثير عاصفة انتقادات في فرنسا

أثار مقترح حزب التجمع الوطني الفرنسي اليميني المتطرف فرض غرامات مالية على النساء اللواتي يرتدين الحجاب في الأماكن العامة، في حال وصوله إلى السلطة بعد الانتخابات الرئاسية المقررة عام 2027، عاصفة من الانتقادات السياسية والحقوقية، وسط تحذيرات من تداعياته الدستورية وصعوبة تطبيقه عمليًا، فيما اعتبر منتقدون أن الخطوة لا تعدو أن تكون “مزايدة شعبوية ووعودًا فارغة” توظف قضية الحجاب في الصراع الانتخابي الفرنسي.

ولم تتوقف تداعيات المقترح عند حدود الإعلان الحزبي، إذ سرعان ما تحول إلى موضوع سجال سياسي وقانوني واسع، في ظل تساؤلات حول مدى انسجام فرض غرامات على ارتداء الحجاب في الفضاءات العامة مع المبادئ الدستورية الفرنسية، فضلًا عن الصعوبات التي قد تعترض تطبيقه ميدانيًا.

كما أثار المقترح انتقادات من أطراف سياسية مختلفة، اعتبرت أن جعل لباس النساء محورًا للأجندة الانتخابية لا يعكس بالضرورة أولويات الفرنسيين في ظل التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه البلاد.

وتتجاوز تداعيات هذا الجدل حدود الخلاف بين اليمين المتطرف وخصومه، بعدما دخلت الحكومة ونقابات الشرطة والمجلس الفرنسي للديانة الإسلامية على خط النقاش، كل من موقعه.

وبينما يتمسك التجمع الوطني بطرح القضية باعتبارها جزءًا من معركته ضد ما يسميه «الأيديولوجية الإسلامية»، يرى معارضوه أن استهداف الحجاب تحديدًا يفتح الباب أمام تمييز ديني ويضع حرية المعتقد والاختيار الفردي أمام اختبار جديد، في وقت تبدو فيه فرص تمرير مثل هذا المقترح شبه منعدمة.

غرامات للمحجبات في حال فوز لوبان

وأعلن النائب الفرنسي جان فيليب تانغي، أحد أبرز مساعدي زعيمة التجمع الوطني مارين لوبان في السباق الرئاسي، أن حزبه يعتزم فرض غرامات مالية على النساء اللواتي يرتدين الحجاب الإسلامي في الأماكن العامة، في حال فوز لوبان بالانتخابات الرئاسية لعام 2027.

وقال تانغي، في تصريحات لقناة BFMTV يوم الأحد 30 غشت، إن الحزب يعتزم «فرض غرامة» على ارتداء الحجاب في الأماكن العامة، موضحًا أن المقترح نوقش لفترة طويلة داخل هياكل التجمع الوطني قبل أن ينتهي الحزب إلى اعتماده رسميًا.

وأضاف النائب أن الحزب سيعمل على مواجهة ما وصفه بـ«الأيديولوجية الإسلامية»، قائلاً إن ارتداء الحجاب سيخضع للعقوبة، مبررًا ذلك بما اعتبره تضامنًا مع النساء في مختلف أنحاء العالم اللواتي «يُجبرن على ارتدائه» ويناضلن من أجل الحرية.

ويأتي هذا الموقف في سياق استمرار وضع حظر الحجاب في الأماكن العامة ضمن الوعود السياسية للتجمع الوطني، إذ سبق لمارين لوبان أن جعلت القضية جزءًا من برامجها خلال سباقات رئاسية سابقة، ما يعكس استمرار حضور الملف ضمن تصور الحزب للهوية والعلمانية في فرنسا.

انتقادات من داخل المعسكر السياسي

ولم يمر إعلان التجمع الوطني دون ردود سياسية حادة، إذ تصاعدت الانتقادات من قوى سياسية مختلفة، بما في ذلك شخصيات تنتمي إلى تيارات لا تتقاطع بالضرورة في مواقفها السياسية.

ورد جان لوك ميلانشون، زعيم حزب «فرنسا الأبية»، على المقترح بانتقاد شديد، معتبرًا أن التجمع الوطني «يثبت مرة أخرى أنه لم يتغير»، ومتهمًا الحزب بإعادة إنتاج ما وصفها بـ«هواجسه الجنسية والمعادية للإسلام».

ودافع ميلانشون عن اعتبار ارتداء الرموز الدينية في الفضاء العام خيارًا فرديًا، مشيرًا إلى الحجاب والقلنسوة اليهودية والصلبان، ومؤكدًا أن العلمانية، وفق تصوره، ينبغي أن تكون «قانونًا للحرية ووحدة الشعب»، لا أداة لمنع الأفراد من التعبير عن خياراتهم الدينية.

كما ندد الفريق البرلماني لحزب «فرنسا الأبية» بالمقترح، معتبرًا أنه يعكس، بحسب تعبيره، «تطبيع الخطابات المعادية للإسلام»، في موقف يعكس عمق الخلاف بين الحزبين بشأن مفهوم العلمانية وحدود تدخل الدولة في الممارسات الدينية الفردية.

ولم تقتصر الانتقادات على اليسار، إذ أبدى برونو روتايو، من اليمين الحاكم، اعتراضه على الخطوة، معتبرًا أنها تندرج ضمن نوع من المسايرة الشعبوية.

كما عبّر كريستيان سانتان، عن حزب «اليمين الحاكم»، عن رفضه للمقترح، ما أظهر أن فكرة فرض عقوبات على ارتداء الحجاب لا تحظى بإجماع حتى داخل التيارات المحافظة واليمينية.

الحكومة الفرنسية تتحفظ على المقترح

وفي مواجهة المقترح، لم تركز السلطة التنفيذية الفرنسية على البعد السياسي فقط، بل أثارت أيضًا أسئلة تتعلق بدستورية الإجراء وقابليته للتطبيق على أرض الواقع.

وأبدت المتحدثة باسم الحكومة تحفظات واضحة بشأن إمكانية تطبيق مشروع من هذا النوع، خصوصًا في ظل الإشكالات القانونية والدستورية التي قد يطرحها فرض حظر عام على ارتداء رمز ديني شخصي في الفضاءات العامة.

كما برزت مسألة المساواة في التعامل مع الرموز الدينية، إذ أشارت الحكومة إلى أن أي إعادة فتح للنقاش ينبغي ألا تستهدف الحجاب وحده، الأمر الذي قد يفرض على المشرّع بحث كيفية التعامل مع مختلف الرموز الدينية وفق قواعد موحدة.

وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة في حال انتقل المقترح من كونه وعدًا انتخابيًا إلى مشروع قانون، إذ سيكون أمام سلسلة من المراحل التشريعية والقانونية، فضلًا عن احتمال خضوعه لرقابة الجهات الدستورية المختصة.

 الشرطة تشكك في جدوى المقترح

وامتدت الانتقادات إلى أوساط نقابات الشرطة، حيث شكك عضو بارز وناطق باسم إحدى النقابات في أولوية فرض مثل هذه الإجراءات وإمكانية التعامل معها ميدانيًا.

وقال إن هناك قضايا «أكثر أهمية بكثير» من ارتداء الحجاب في الأماكن العامة من قبل الفتيات الشابات، في موقف يعكس التساؤلات التي قد يطرحها تطبيق قرار كهذا على قوات الأمن المكلفة بمراقبة احترام القانون.

ويطرح المقترح، في حال اعتماده، أسئلة عملية واسعة بشأن كيفية تحديد المخالفات ومراقبة ارتداء الحجاب في الفضاءات العامة، وما إذا كانت أجهزة الشرطة والدرك ستُكلف فعليًا بالتدخل لمراقبة ملابس النساء وتحرير المخالفات.

المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية: الدولة مطالبة بحماية حرية المرأة

من جانبه، دعا المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية الدولة الفرنسية إلى حماية حق المرأة في اختيار ارتداء الحجاب، مندّدًا بتصريحات سياسيين من التجمع الوطني ووصفها بأنها «تمييزية» وتستهدف المسلمين.

وقال المجلس، في بيان صدر الثلاثاء، إن هذه التصريحات «غير مسؤولة إلى حد كبير في الظروف الراهنة»، معتبرًا أنها تساهم في تشويه صورة نساء يتعرضن بالفعل، بحسب تعبيره، للإهانات والتهديدات والترهيب والتمييز، وأحيانًا للاعتداءات في مختلف أنحاء فرنسا.

وشدد المجلس على ضرورة أن تحمي الدولة المرأة التي تختار ارتداء الحجاب، كما تحمي المرأة التي تختار عدم ارتدائه، مؤكدًا أن حرية المرأة وخيارها ينبغي أن يحظيا بالاحترام في إطار قوانين الجمهورية.

وانتقد المجلس أيضًا جعل مراقبة ملابس النساء أولوية سياسية، متسائلًا عن جدوى تكليف الشرطة والدرك بمراقبة لباس النساء في الأماكن العامة، في وقت تواجه فيه فرنسا ملفات اجتماعية واقتصادية وأمنية متعددة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *