حكاية لا يراها أحد

كان صباح السابع عشر من غشت مختلفًا عن كل صباح. استيقظنا أنا وزوجتي ونحن نحمل في داخلنا خوفًا لم نعشه من قبل؛ ابنتنا الصغيرة مقبلة على عملية جراحية صباح الثلاثاء، وكان علينا أن نصل إلى الدار البيضاء في الوقت المناسب. قبل أن نغادر البيت، قالت لي زوجتي إنها لا تستطيع النهوض، شعرت وكأن حجرًا ثقيلاً يجثم على صدرها، فحاولت أن أواسيها قدر الإمكان، وأن أبدو أمامها أكثر قوة مما أشعر به في داخلي، بينما كنت أردد في نفسي: الله يسمح لينا من الوالدين. لم نكن نعرف كيف ستكون الساعات القادمة، ولم نكن نملك سوى الدعاء وبعض الكلمات التي نحاول بها أن نطمئن بعضنا بعضًا. فكرنا في الذهاب بالسيارة، لكننا خفنا من زحام الدار البيضاء، فاخترنا القطار. قلنا إن الرحلة ستكون أسهل وأسرع، فاتجهنا إلى محطة الجديدة وقطعنا تذكرتين. في البداية بدا كل شيء عاديًا، سألنا عن القطار، فأخبرتنا الموظفة أنه يمكننا الصعود، وأنه ليس ضروريًا أن ننتظر الوقت المحدد في التذكرة. شرحت لها وضعنا، وقلت إن ابنتنا لديها عملية وإن علينا الوصول في الوقت المناسب. لم أكن أطلب امتيازًا، ولم أكن أبحث عن معاملة خاصة، كنت فقط أبًا يحاول أن يصل إلى ابنته في الوقت الذي تحتاجه فيه أكثر من أي وقت مضى.
لكن عندما وصلنا إلى باب العبور، أوقفنا أحد المستخدمين وأخبرنا أن القطار ممتلئ، وأن علينا الانتظار. حاولت أن أشرح له وضعنا، وكررت أن الأمر يتعلق بعملية جراحية لابنتنا، وأن التأخر قد يضعنا في موقف صعب. شرحت له ما قيل لنا عند قطع التذاكر، وما قيل لنا قبل الوصول إلى باب العبور، لكن شيئًا لم يتغير. كان القطار ممتلئًا، وكنا نحن عالقين بين تذكرة في أيدينا وموعد طبي لا نستطيع أن نغامر به. ذهبت إلى رئيس المحطة، وأنا أعتقد أن المسؤول، حين يسمع أن الأمر يتعلق بطفلة ستخضع لعملية جراحية، سيحاول على الأقل أن يجد لنا حلًا. دخلت عنده وشرحت له ما حدث، لكنه ظل جالسًا في مكانه دون أن ينهض أو يتحرك. قلت له: «جد لي حلًا، تحدث مع المستخدمين، حاول أن تفعل شيئًا». كنت أتكلم معه وأنا أنتظر منه أن يتصرف كمسؤول، لا أن يمنحني امتيازًا، وإنما أن يحاول فقط مساعدتنا في إيجاد مخرج. لكنه لم يبد أي اهتمام، وظل جالسًا وكأن الأمر لا يعنيه، ثم قال لي: «قدم شكايتك، ولكن ليس لي». شعرت في تلك اللحظة أنه لا يريد حتى أن يتحمل مسؤولية الاستماع إلى مشكلتنا، فكلما شرحت له شيئًا أعاد الأمر إلى غيره، وكأن المسؤولية لا تخصه. حاولت أن أشرح له مرة أخرى أن ابنتي لديها عملية، وأننا لا نبحث عن شيء خارج القانون، وأن كل ما أريده هو أن يتحدث مع المستخدمين ويجد لنا حلًا، لكنه تحدث معنا ببرود ودون اعتبار لحالتنا، وعندما اشتد بي القهر قلت له: «أنت مسؤول أمام الله أيضًا، ولا ينبغي أن يغيب عن الإنسان الجانب الإنساني». لكن كلامي لم يجد طريقًا إلى اهتمامه، وبقي على موقفه، فخرجت من عنده وأنا أشعر أن الأمر لم يعد مجرد مشكلة قطار ممتلئ. فالقطار قد يمتلئ، وهذا أمر يمكن أن يحدث، لكن ما يؤلم الإنسان حقًا هو أن يمتلئ المكان بالناس وتفرغ القلوب من أبسط معاني الرحمة.
وفي وسط كل ذلك، كانت صورة ابنتي لا تفارقني. كانت الصغيرة تلعب مع طفلة أكبر منها، تقترب منها وتقبلها وتحاول حملها، تنظر في عينيها وتلمس خديها، وتتلمس إكسسواراتها الصغيرة بفضول وبراءة، ثم تعود فتقبلها مرة أخرى. كانت الطفلة الأخرى تلعب معها دون أن تعرف أن هذه الصغيرة التي تحملها وتقبلها ستدخل صباح الثلاثاء إلى غرفة العمليات، وأنها ستخضع لعملية جراحية. لم تكن تعرف أن أمها كانت قبل ساعات تقول إنها لا تستطيع النهوض من شدة الخوف، ولم تكن تعرف أن أباها كان يحاول أن يبدو قويًا وهو يخفي في داخله قلقًا لا يستطيع وصفه. كم هو غريب هذا العالم؛ وجوه كثيرة تراك، لكنها لا تعرف ما يؤلمك. قد يراني أحدهم في محطة القطار فيظن أنني مجرد مسافر مستعجل، ولا يعرف أنني أب أحاول الوصول إلى ابنته قبل موعد عملية. وقد يرى زوجتي فيظن أنها امرأة متعبة من السفر، ولا يعرف أنها أم تحاول أن تمنع نفسها من الانهيار. وقد يرى طفلة تضحك وتلعب، ولا يعرف أن خلف تلك الضحكة عائلة كاملة تعيش الخوف. نحن نرى الوجوه ولا نرى الحكايات، نرى المسافر ولا نرى ما يحمله في قلبه، ونرى الأب واقفًا ولا نعرف كم مرة انهار داخله قبل أن يصل إلى ذلك المكان.
ندمت كثيرًا لأنني لم آتِ بسيارتي. قلت في نفسي: تبا للزحام، وتبًا لهذه السيارة المهترئة التي جعلتنا نبحث عن وسيلة أخرى. لكنني سرعان ما أدركت أن السيارة لم تكن هي المشكلة وحدها، فالزحام يمكن احتماله، والسيارة يمكن إصلاحها، والقطار يمكن أن يمتلئ، لكن الأصعب هو أن تحتاج إلى مساعدة بسيطة فلا تجد من يحاول أن يساعدك. تذكرت أيضًا مؤسسة محمد السادس للأعمال الاجتماعية، فقد سبق أن تواصلت معها من أجل النقل، وطلبوا مني موعدًا مكتوبًا، وشرحت لهم أنني توصلت فقط بجزء من الوثيقة، لكنني في النهاية وجدت نفسي مضطرًا إلى تدبير الأمر وحدي. وهنا ظل سؤال واحد يطاردني: لماذا نشعر أن المؤسسات قريبة منا حين تقتطع من أجورنا، وبعيدة عنا حين نحتاج إليها؟ نحن نساهم كل شهر، ونؤدي ما علينا، وعندما نحتاج إلى خدمة لا نبحث عن امتياز ولا عن معاملة خاصة، وإنما نبحث عن حق، وعن مساعدة، وعن قليل من الإنسانية. كنت أريد فقط أن أسمع من المسؤول كلمة بسيطة: «دعني أرى ماذا يمكن أن أفعل». كنت أريد أن ينهض من مكانه، أن يتحدث مع المستخدمين، أن يحاول إيجاد حل، لكن حتى هذه المحاولة الصغيرة لم أجدها.
ركبنا القطار أخيرًا، واتجهنا إلى الدرجة الأولى، لا بحثًا عن رفاهية زائدة، وإنما لأننا كنا نريد قليلًا من الهواء البارد في ذلك الصيف الثقيل، فقد كان القطار ممتلئًا والوجوه كثيرة، وكل واحد يحمل في صمته حكاية لا يعرفها الآخرون. جلست إلى جانب زوجتي، أحاول أن أشتت عنها وعن نفسي ثقل الطريق، وأخذت أتصفح الوجوه من حولي، فإذا بي ألتقط حكاية من بين الحكايات؛ كانت هناك امرأة تتحدث إلى أخرى عن حياتها في إيطاليا، عن زوج تنكر لها بعد سنوات، وعن أبناء تغيروا حتى صاروا غرباء عنها. كانت تقول إن زوجها في البداية كان رجلًا مسالمًا، لطيفًا، حنونًا، ثم تغير مع الأيام، وإنها هي التي ربت أبناءها بعرق كتفيها، وحملت عنهم تعب الحياة، وضربت تمرا عليهم، كما نقول، حتى كبروا، لكنها اليوم لا تجد منهم إلا الجحود والتنكر. كانت تحكي وكأنها تفتح صندوقًا قديمًا امتلأ بالوجع، وكلما أخرجت منه ذكرى ازداد صوتها اختناقًا، حتى توقفت فجأة وانهمرت في بكاء طويل. حاولت المرأة التي كانت تجلس إلى جانبها أن تواسيها، تمسح عنها حزنها بكلمات قليلة، لكن الحزن كان أوسع من الكلمات، وما هي إلا لحظات حتى انطلقتا معًا في بكاء لا يكاد يتوقف، وكأن كل واحدة منهما وجدت في دموع الأخرى مرآة لشيء تخفيه في داخلها. التفتُّ إلى زوجتي، وحاولت أن أخفف عنها، فقلت لها مازحًا: «ولماذا لا تلتحقين بهن؟ أنت أيضًا تحتاجين إلى ذلك». ضحكنا لبرهة، ضحكة قصيرة خرجت من بين التعب والخوف، لكننا سرعان ما تذكرنا ابنتنا، فعادت تلك الضحكة إلى مكانها الصامت، وعاد القلق ليجلس بيننا. كان القطار يمضي، والنساء يبكين، والوجوه صامتة، وكل واحد منا يحمل عالمًا كاملًا في داخله، ولا أحد يعرف شيئًا عن عالم الآخر. وصلنا أخيرًا إلى سيدي معروف، نزلنا من القطار وانتظرنا سيارة الأجرة، وكانت الشمس لا تزال ترسل حرارتها الثقيلة، بينما كنا نحمل معنا تذكرتين، وحقائب قليلة، وخوفًا كبيرًا، وأملًا واحدًا: أن نصل إلى ابنتنا، وأن تمر عمليتها بسلام.
استيقظت يوم العملية منذ السادسة صباحًا، وكأن الليل لم يكن قد غادرنا تمامًا، حملنا خوفنا وصمتنا واتجهنا بسيارة أجرة نحو المستشفى، ووصلنا مبكرين، ثم جلسنا ننتظر في ذلك الفراغ الثقيل الذي يجعل الدقائق أطول من أعمارها، لا نملك إلا الدعاء، نطلب من الله أن تمر الأمور بخير وأن تعود ابنتنا إلينا سالمة. كانت الصغيرة تبكي بلا انقطاع، ربما من الجوع، وربما من خوف لا تستطيع أن تسميه، وكنا نحن أيضًا في حيرة أمام بكائها، نحملها تارة ونحاول تهدئتها تارة أخرى، بينما كانت أمها تبكي بصمت وتنتظر. وحين جاءت اللحظة التي كان قلبي يخشاها، لحظة تسليمها للممرضة، انفجرت أمها في البكاء، احتضنت دمية ابنتها الصغيرة وضمتها إلى صدرها كأنها تستعيد بها شيئًا من حضن ابنتها، ثم غلبتها دموعها. لم أستطع البقاء هناك، انسحبت إلى باحة الاستقبال، وجلست وحيدًا مع خوفي، أرفع يدي إلى الله وأرجوه أن يمر كل شيء بسلام، لكن الخوف كان أقوى من قدرتي على طرده؛ مر في ذاكرتي أسوأ ما يمكن أن يفكر فيه أب: ماذا لو حدث لابنتي شيء؟ ماذا سأقول لزوجتي؟ كيف سأواجهها؟ ثم كنت أقطع ذلك الخاطر كمن يقطع سكينًا من قلبه وأقول لنفسي: لا، لن يحدث شيء، الأمور ستمر بخير، ستخرج ابنتي وسنعود بها إلى البيت. كانت حيرة لم أعرفها من قبل، حيرة الإنسان حين يصبح عاجزًا عن فعل أي شيء سوى الانتظار.
ثم خرجت الصغيرة أخيرًا من غرفة العملية، متعبة، يثقلها الألم وتغشاها الدوخة، وأخبرتنا الممرضة أن عليها أن تنتظر ساعة ونصف قبل أن تتناول الحليب. اقتربت منها، تحسست جسدها الصغير، أتتبع ملامحها وحركاتها وأحاول أن أقرأ الألم في وجهها، وهي ابنتي التي لم يكن يعرف خوفها ذلك الرجل الجالس في محطة الجديدة، ولا الوجوه الكثيرة التي مررنا بها، ولا النساء اللواتي بكين في القطار، ولا أحد من أولئك الذين عبروا أمامنا دون أن يعرفوا أن وراء هذه الطفلة الصغيرة حكاية من الخوف والانتظار. ومع ذلك، بدأت تحرك رجليها الصغيرتين، ثم ابتسمت، فابتسمت أمها، وكانت ابتسامتها أشبه بنافذة انفتح منها الضوء بعد عتمة طويلة، كأن الحياة تقول لنا إن كل ذلك الخوف يمكن أن ينحني أمام ابتسامة طفلة. وفي خضم هذا كله، اتصلت مرة أخرى بمؤسسة محمد السادس للأعمال الاجتماعية من أجل مساعدتنا في نقل ابنتي، فلم أجد جوابًا يطمئن القلب؛ قيل لي إنهم لا يستطيعون مساعدتي قبل أن يتصلوا بالطبيب ليتأكدوا هل تحتاج ابنتي إلى نقل بواسطة سيارة إسعاف أم لا. توقفت عند الكلام طويلًا، وتساءلت في داخلي: في البداية قيل لي إن عليّ أن أتوفر على موعد مكتوب، والآن أصبح لا بد من الرجوع إلى الطبيب، فلماذا كل هذا التعقيد؟ لماذا لا تكون هناك ثقة بمنخرطي المؤسسة، خصوصًا في لحظة كهذه؟ شعرت يومها أنني بلا سند، وأنني رخيص أمام منظومة لا ترى في خوفي إلا ملفًا يحتاج إلى وثيقة، وفي حاجة ابنتي إلا إجراء يحتاج إلى موافقة، بينما كنت أنا لا أطلب امتيازًا ولا معاملة خاصة، كنت فقط أبًا يريد أن يعيد ابنته الصغيرة إلى بيتها بعد العملية، أبًا كان يكفيه أن يسمع كلمة واحدة: لا تقلق، نحن معك. لكن تلك الكلمة لم تأت، وبقيت إلى جانب ابنتي أراقبها وهي تحرك رجليها رغم الألم وتبتسم لأمها، وأحمد الله في سري لأنها خرجت، وأقول لنفسي إن كل ما عدا ذلك يهون؛ يهون القطار، وتزول قسوة المحطة، وينسى الإنسان الكلمات التي جرحته، وتصبح الإجراءات كلها تفاصيل باهتة أمام نعمة واحدة: أن تبقى ابنتي هنا، أمام عيني، تبتسم.
اترك تعليقاً