عزوف الشباب عن السياسة بالمغرب.. بين عدم الاقبال عن التسجيل إلى العزوف عن التصويت
إن انخفاض نسبة فئات الشباب 18–24 سنة في لوائح 2026 يضع الأحزاب أمام مفارقة استراتيجية: إما أن تعتبر الشباب غير المسجلين كتلة غير انتخابية وتتجه إلى الناخب التقليدي، وإما أن تعتبرهم أكبر خزان انتخابي مستقبلي وتحاول استعادته إلى السياسة. ويعتبر الخيار الثاني أكثر طموحاً، لكنه يتطلب تغييراً حقيقياً في طريقة عمل الأحزاب واشتغالها. وهنا تحديداً يمكن أن تكون انتخابات 23 شتنبر 2026 اختباراً سياسيا حقيقياً: هل ستتعامل الأحزاب مع الشباب 18–24 سنة باعتبارهم «كتلة انتخابية ضعيفة حالياً»، أم باعتبارهم «الكتلة السياسية التي لم تُكتشف بعد»؟
تراجع نسبة تسجيل الشباب في اللوائح الانتخابية
بلغ مجموع المسجلين في اللوائح الانتخابية 15,801,162 ناخباً، وفق الوضعية المحصورة في 10 يوليوز 2026. وتشير المعطيات المنشورة حول توزيع الهيئة الناخبة حسب العمر إلى أن:

وتؤكد المعطيات المنشورة من خلال هذا الجدول أن فئة 18–24 سنة لا تتجاوز 3% من الهيئة الناخبة المسجلة، أي نحو 474 ألف شاب وشابة، مقابل إمكان انتخابي يقدر بنحو 3.89 ملايين شخص في هذه الفئة العمرية. وبحساب تقريبي، فإن المسجلين من فئة 18–24 سنة يمثلون حوالي 12% فقط من مجموع الشباب الذين يمكن أن يكونوا ضمن هذه الفئة الانتخابية. أي أن نحو 88% من الفئة العمرية 18–24 سنة لا تظهر في اللوائح الانتخابية وفق هذه المقارنة التقديرية. بينما في لوائح انتخابات 2021، تمت الإشارة إلى أن الشباب 18–24 سنة كانوا ممثلين بأقل بكثير من وزنهم الديمغرافي المتوقع؛ إذ قرن وزنهم بحوالي 17% من السكان في سن التصويت، مقابل 8% فقط من المسجلين. الشيء الذي يعكس تراجعا مهما في نسبة تسجيل هذه الفئة من اللوائح الانتخابية : ففي 2021 كانت فئة 18–24 سنة تمثل حوالي 8% من المسجلين، بينما أصبحت في 2026 حوالي 3% وفق المعطيات المحينة. وهذا يعني، إذا صحت قابلية المقارنة بين التصنيفين العمريين، أن الوزن النسبي للشباب الأصغر سناً داخل الهيئة الناخبة المسجلة انخفض بحوالي 5 نقاط مئوية. وبالتالي لم يعد السؤال المطروح لماذا لا يصوت الشباب؟ بل أصبح من الضروري قبل ذلك أن نسأل: لماذا لا يسجل الشباب أنفسهم أصلاً في اللوائح الانتخابية؟ فالمفارقة السياسية المغربية هي أن الدولة والأحزاب رفعت قبيل انتخابات 23 شتنبر 2026 خطاباً قوياً حول «تشبيب السياسة»، وفتحت فعلياً باب التسجيل لفائدة الشباب، ومع ذلك بقيت فئة 18–24 سنة ضعيفة الحضور في اللوائح الانتخابية . من هنا يتم التساؤل حول لماذا لم ينجح خطاب التشبيب وآليات التحسيس في دفع الشباب إلى التسجيل؟
عوامل ضعف إقبال الشباب على التسجيل في اللوائح الانتخابية
إن ضعف إقبال الشباب على التسجيل في اللوائح الانتخابية يمكن تحديد عوامله في الأسباب التالية :
أولا- ضعف الاقتناع بجدوى التسجيل الانتخابي ، فالشاب قد يسمع عشرات المرات: «سجل وصوت»، لكنه يطرح سؤالاً مختلفاً: ماذا سيتغير بالنسبة إلي إذا سجلت؟ فإذا كان لا يرى علاقة مباشرة بين الانتخابات وبين حل مشاكله اليومية خاصة البطالة، والسكن، التعليم، الصحة، …. فإن هذا التسجيل يتحول في نظره إلى إجراء إداري لا يحمل قيمة سياسية. وهنا تكمن المفارقة: الدولة تخاطبه كمواطن انتخابي، بينما هو يريد أن يشعر أولاً بأنه مواطن سياسي له تأثير.
ثانيا- أزمة الثقة في الأحزاب أقوى من خطاب التشبيب، إذ أن هناك فرق بين تشبيب الوجوه وتشبيب السياسة. فيمكن للحزب أن يقدم شاباً في الثلاثين من عمره، أو يضع شباباً في لوائحه، لكن إذا ظل الشاب يشعر أن القرارات السياسية تصنعها النخب الكهلة والمسنة التقليدية، فلن يكون مجرد تغيير الأعمار كافياً.وتشير تحليلات حديثة حول علاقة الجيل الجديد بالسياسة المغربية إلى وجود أزمة ثقة في الأحزاب والنقابات والمؤسسات الوسيطة، وهو ما ظهر أيضاً في احتجاجات «جيل زد 212».وهذا قد يفسر لماذا يمكن أن يكون الشاب شديد الاهتمام بالشأن العام، ولكنه غير مهتم بالتسجيل في اللوائح الانتخابية.
ثالثا- الشباب لم يعد بالضرورة يترجم اهتمامه السياسي إلى سلوك انتخابي. فالجيل الجديد قد يكون: نشطاً على وسائل التواصل الاجتماعي TikTok وInstagram وYouTube؛ و يتابع السياسيين؛ و ينتقد الحكومة؛و يناقش البطالة والتعليم والصحة؛ و يشارك في الحملات الرقمية؛ و ينخرط في الاحتجاجات. ولكن هذا لا يعني تلقائياً أنه سيتحول إلى ناخب مسجل. فقد انتقلت المشاركة السياسية من المجال المؤسساتي إلى المجال الرقمي، بينما ظلت عملية التسجيل الانتخابي مرتبطة بمنطق إداري ومؤسساتي تقليدي.وهذه إحدى أهم الفجوات بين جيل رقمي ونظام انتخابي تقليدي.
رابعا- الخطاب الرسمي حول «الشباب» قد يكون فقد جزءاً من جاذبيته : فمنذ سنوات، أصبحت الأحزاب والدولة تتحدث عن: تمكين الشباب؛ و تشبيب المؤسسات؛ و مشاركة الشباب؛ و إدماج الشباب في مواقع القرار. لكن الشاب قد يقارن هذا الخطاب بما يراه فعلياً في حياته السياسية. فإذا وجد أن القيادات الحزبية الأساسية بقيت في أيدي أجيال أقدم، كبن كيران وبن عبد الله ولشكر بالإضافة إلى رؤساء ما يسمى بالاحزاب الصغرى الذين عادة ما لا يتم تسليط الضوء عليهم … وأن الشباب يظهر بكثافة في الخطاب الانتخابي أكثر مما يظهر في صناعة القرار، فقد يتحول «التشبيب» في نظره إلى مجرد شعار انتخابي موسمي. وقد أشارت تحليلات سابقة أيضاً إلى أن الأحزاب كثيراً ما تستعيد اهتمامها بالشباب مع اقتراب الانتخابات، بعد أن يكون حضور هذه الفئة ضعيفاً خلال الفترات السياسية العادية.
خامسا- الشباب 18–24 سنة يعيش مرحلة انتقالية غير مستقرة. فهذه الفئة 18–24 سنة ليست كتلة متجانسة. فهي تضم: تلاميذ؛ و طلبة؛ و شباباً يبحثون عن العمل؛ و شباباً يعملون بشكل غير مستقر؛ وشباباً انتقلوا من مدنهم إلى مدن جامعية؛ وشباباً يعيشون مع أسرهم؛ وشباباً يفكرون في الهجرة. مما يجعل الانتماء المجالي والانتخابي أقل استقراراً. فالشاب الذي يدرس في مدينة غير مدينته الأصلية قد لا يشعر بأن الجماعة التي يوجد فيها حالياً تمثله، وقد لا يرى أن عملية التسجيل في محل الإقامة ذات أولوية بالنسبة إليه.
سادسا- التسجيل نفسه لا يزال يتطلب «مبادرة» من الشاب، فصحيح أن الإدارة سهلت العملية، بل إن المنصة الرسمية تتيح للشخص التأكد من تسجيله بواسطة رقم البطاقة الوطنية وتاريخ الازدياد.لكن تسهيل الإجراء لا يساوي بالضرورة خلق الرغبة في استعماله. وهنا يمكن التمييز بين: العائق الإداري وهو صعوبة التسجيل. والعائق السياسي وهو عدم الاقتناع بأن التسجيل يستحق القيام به. ويبدو أن المشكلة بالنسبة إلى جزء مهم من الشباب هي الثانية أكثر من الأولى.
سابعا- استمرار اشتراط التسجيل المسبق في اللوائح يجعل البطاقة الوطنية غير كافية وحدها لممارسة حق التصويت.
فالموقع الرسمي للانتخابات يؤكد أن التسجيل في اللوائح شرط للمشاركة، ويوفر في المقابل إمكانية استعمال رقم البطاقة الوطنية للتحقق من التسجيل ومكتب التصويت، وليس للتصويت من دون تسجيل. مما يمكن أن يؤثر ذلك خصوصاً على الشباب انطلاقا من مفارقة نفسية وسياسية مهمة. فالشاب يتعامل يومياً مع البطاقة الوطنية باعتبارها الوثيقة الأساسية التي تثبت هويته ومواطنته. ولذلك قد يبدو له منطقياً أن تكون البطاقة الوطنية كافية يوم الاقتراع: «إذا كانت الدولة تعرفني بالبطاقة الوطنية، فلماذا لا أستطيع التصويت بها مباشرة؟ لماذا يجب أن أسجل نفسي مرة أخرى في لائحة انتخابية؟» هذا السؤال، حتى لو كان التسجيل ضرورياً لأسباب قانونية وتنظيمية، يمكن أن يولد لدى بعض الشباب انطباعاً بأن هناك تعقيداً إدارياً غير ضروري. والأهم أن هذا يمس الفئة 18–24 سنة تحديداً. فالشاب الذي يبلغ 18 سنة حديثاً لا تكون لديه في الغالب ذاكرة انتخابية أو ثقافة انتخابية مستقرة. فإذا كانت أول تجربة له مع السياسة هي: الحصول على البطاقة الوطنية ، ثم اكتشاف أنه يجب عليه التسجيل في اللوائح ، ثم انتظار فترة محددة للتسجيل ، ثم التأكد من قبول طلبه ، ثم البحث عن مكتب التصويت فإن المسار يبدو أكثر تعقيداً مما يتوقعه جيل اعتاد إنجاز كثير من الخدمات رقمياً وبسرعة. وهنا تظهر مفارقة سياسية لافتة : الدولة تقول للشباب: «البطاقة الوطنية هي هويتك.» لكن النظام الانتخابي يقول له عملياً: «هويتك وحدها لا تكفي لكي تصوت؛ يجب أن تكون مسجلاً في اللوائح الانتخابية». لذا فبالنسبة إلى الناخب المتمرس قد لا يمثل هذا مشكلة ، أما بالنسبة إلى شاب يبلغ 18 سنة لأول مرة، فقد يزيد ذلك المسافة بينه وبين العملية الانتخابية. وبالتالي ، فالنموذج الأكثر جاذبية للشباب رقمياً فيمكن أن يكون: بطاقة وطنية إلكترونية موثقة ، تحقق آني من الأهلية تسرع التصويت. وهذا من شأنه إزالة أحد أهم الحواجز النفسية والإدارية أمام الناخب الجديد. والأكثر إثارة للاهتمام في سياق انتخابات 2026 هو أن الإدارة أصبحت قادرة تقنياً على ربط الخدمات الانتخابية بالبطاقة الوطنية والتحقق الرقمي منها؛ فالمنصة الرسمية نفسها تستخدم رقم البطاقة الوطنية للتحقق من وضعية الناخب. ومن هنا يمكن طرح سؤال سياسي مهم جداً: إذا كانت الدولة تستطيع أن تعرف إلكترونياً من هو الناخب وأين يوجد مكتب تصويته، فلماذا لا تنتقل مستقبلاً من «التسجيل الانتخابي» إلى «التسجيل التلقائي» لكل من يبلغ 18 سنة؟
ثامنا- التناقض بين تشبيب الأحزاب وتحديث النظام الانتخابي
يتجلى هذا التناقض السياسي في أن الدولة تقول للشباب: شاركوا، و الأحزاب تقول: انخرطوا وصوتوا. لكن لسان حال الشباب قد يقول: لماذا أشارك في منظومة لا أشعر أنها مصممة وفق طريقة مشاركتي في الحياة العامة؟ ومن هنا يمكن فهم الاهتمام المتزايد بفكرة الحزب الرقمي .فالحزب الرقمي، نظرياً، يستطيع أن يجعل: التسجيل ،و الانخراط ، و النقاش و اختيار المرشحين ، و صياغة البرنامج ، و التصويت سلسلة واحدة داخل بيئة رقمية أقرب إلى الثقافة السياسية للشباب.
وبالتالي، يمكن القول بأننا أمام أزمة تحويل الاهتمام السياسي إلى مشاركة مؤسساتية.فالشاب قد يكون: غاضباً سياسياً و نشطاً رقمياً ، و متابعاً للشأن العام ، و مستعداً للاحتجاج. ولكن في الوقت نفسه: غير مسجل انتخابياً ، و غير منخرط حزبياً ، و غير مستعد للتصويت. وهذا يفسر لماذا لا يكفي تشبيب الأحزاب وحده. بل ربما تحتاج الحياة السياسية بالمغرب إلى الانتقال من: «إعطاء الشباب مكاناً داخل السياسة» إلى: «إعطاء الشباب قدرة فعلية على التأثير في السياسة».
وهنا تصبح نسبة الـ18–24 سنة في اللوائح الانتخابية مؤشراً مهماً جداً على أزمة التمثيل السياسي لجيل جديد، وليس مجرد مشكلة تقنية في التسجيل. فالسؤال الأكثر إثارة في انتخابات 23 شتنبر 2026 هو: هل ستستطيع الأحزاب المغربية تحويل جيل زد الذي يحتج ويتفاعل رقمياً إلى جيل زد الذي يسجل ويصوت ويترشح؟
عزوف الشباب عن التسجيل واستراتيجة الأحزاب الانتخابية
إذا كان الشباب 18–24 سنة يشكلون كتلة اجتماعية كبيرة، لكن لا يمثلون سوى 3% من المسجلين، فإن الأحزاب السياسية قد لا تجد حافزاً انتخابياً قوياً لبناء برامجها وخطابها حول هذه الفئة بالقدر الذي يوحي به وزنها الديمغرافي.
– التركيز على كبار السن من الناخبين و الاعيان كمرشحين
يمكن القول بان هناك فجوة بين خطاب الأحزاب حول التشبيب وبين سلوكها الانتخابي الفعلي. فعندما تقترب الانتخابات، قد تنتصر الحسابات الانتخابية القصيرة المدى على الاعتبارات التنظيمية والاستراتيجية الطويلة المدى. وهكذا فبحث الحزب عن الفوز بأكبر عدد من المقاعد، يجعله مركزا على الناخب الأكبر سناً الذي غالباً ما يكون: أكثر حضوراً في اللوائح؛ و أكثر انتظاماً في التصويت؛و أكثر ارتباطاً بالشبكات المحلية؛و أكثر معرفة بالمرشحين؛وأحياناً أكثر قابلية للتعبئة بواسطة العلاقات الشخصية والعائلية والمهنية والمحلية.بينما فئات الشباب من 18–24 سنة قد تشكل كتلة ديموغرافية كبيرة ولكنها انتخابياً غير مضمونة. لذا يفضل الحزب الناخب الذي يصوت بالفعل على الناخب الذي يتمنى أن يصوت مستقبلاً. وهذا يفسر أهمية «الأعيان» في استراتيجية الأحزاب الانتخابية . فإذا كان الهدف هو الحصول على المقعد، فإن بعض الأحزاب قد تنظر إلى «العين» أو الشخصية المحلية ذات النفوذ باعتبارها وسيطاً انتخابياً جاهزاً. فهو قد يمتلك: شبكة عائلية ، و علاقات محلية ، و حضوراً اجتماعياً ، و موارد انتخابية و معرفة بالناخبين. بينما يحتاج الحزب مع الشباب إلى بناء هذه الشبكة من الصفر. ولهذا قد يحدث ما يمكن تسميته: رفع شعار التشبيب في الخطاب السياسي ، و السلوك التقليدي في اختيار المرشحين. أي أن الحزب يتحدث عن الشباب باعتبارهم مستقبل الديمقراطية، لكنه عندما يصل إلى لحظة اختيار المرشح يبحث عن الشخص الذي يعتقد أنه يستطيع جلب الأصوات . وبالتالي ، يمكن اعتبار التنافس المحموم بين جل الأحزاب قبيل الانتخابات على استقطاب الأعيان مؤشراً مهماً على أولوية المنطق الانتخابي البراغماتي على منطق بناء قاعدة شبابية. فالحزب عملياً يبحث عن «آلة انتخابية جاهزة» بدلاً من استثمار الوقت والموارد في بناء قاعدة تنظيمية جديدة. فالشاب يحتاج إلى أن يبني الحزب معه قاعدة انتخابية؛ أما العين فيأتي غالباً ومعه قاعدة انتخابية جاهزة. وهذا يجعل استقطاب الأعيان مغرياً جداً لحزب يريد الرفع من عدد المقاعد لتصدر الانتخابات وترؤس حكومة المونديال.وهنا تصبح نسبة الشباب المسجلين عاملاً مهماً في حسابات الأحزاب.
الحلقة السياسية المفرغة بين تهميش الشباب والعزوف
إذا كانت فئة 18–24 سنة لا تمثل سوى حوالي 3% من المسجلين في 2026 ، فإن الحزب الذي يفكر بمنطق انتخابي ضيق قد يستنتج: لماذا أضع مرشحاً شاباً وأبني خطاباً سياسياً خاصاً بالشباب، إذا كانت هذه الفئة ضعيفة الحضور في الهيئة الناخبة؟ وهذا قد يؤدي إلى حلقة سياسية مفرغة خطيرة تتمثل فيما يلي : ضعف تسجيل الشباب، يؤدي إلى ضعف وزنهم الانتخابي ، مما يؤدي إلى ضعف اهتمام الأحزاب بهم ، و التركيز أكبر على الناخبين الأكبر سناً والأعيان. و إحساس الشباب بأن الأحزاب لا تمثلهم يزيد من نسبة العزوف عن التسجيل والتصويت. وهكذا يصبح عزوف الشباب سبباً ونتيجة في الوقت نفسه. لكن إلى جانب ذلك فهناك مفارقة سياسية أخرى تتمثل فيما يلي: الأعيان قد يكونون أقوياء انتخابياً وضعفاء سياسياً، حيث قد يكون العين قادراً على تعبئة عدد كبير من الأصوات، لكنه لا يعني بالضرورة أنه قادر على بناء علاقة طويلة المدى بين الحزب والناخبين. فهو قد يجلب للحزب المقعد في دائرة معينة، لكن الحزب لا يحصل بالضرورة على: أعضاء شباب؛ و مناضلين جدد؛ و قاعدة رقمية؛ وصورة حديثة؛ أو ثقة الجيل الجديد. وبالتالي يمكن أن يربح الحزب المقعد ولكنه يخسر المستقبل السياسي.
ولعل هذا الوضع يدفع الأحزاب إلى تبني استراتيجية مزدوجة في انتخابات 2026:
*على مستوى المرشحين: الاعتماد على شخصيات لها وزن انتخابي محلي، بما فيها الأعيان والوجوه المعروفة.
* على مستوى الخطاب: تشبيب الخطاب واستعمال الشباب ووسائل التواصل الاجتماعي.
*على مستوى الحملة: محاولة الوصول إلى الشباب رقمياً دون أن يعني ذلك بالضرورة إعطاؤهم موقعاً مركزياً في صناعة القرار الحزبي.
مما يطرح سؤالاً مهماً حول «التشبيب الحقيقي» الذي لا ينبغي أن يقاس بعدد المرشحين الذين تقل أعمارهم عن 35 سنة فقط. بل يمكن قياسه بثلاثة مستويات:
*على مستوى العضوية : كم عدد الشباب داخل الحزب؟
* على مستوى صناعة القرار: كم عدد الشباب الذين يشاركون فعلياً في اختيار المرشحين والبرامج؟
* على مستوى الترشح : كم عدد الشباب الذين يمنحهم الحزب تزكية حقيقية في دوائر قابلة للفوز؟
ولعل المستوى الثالث هو الأهم انتخابياً. فأن تعطي الحزب شاباً مقعداً غير قابل للفوز ثم تقول إنك «شَبَّبتَ الترشيحات» يختلف كثيراً عن وضع شاب في دائرة يملك فيها فرصة حقيقية للفوز. فهناك فرق بين التشبيب الانتخابي أي وضع شاب أو شابة في لائحة المرشحين ، والتشبيب السياسي أي إعطاء الشباب دوراً حقيقياً في صياغة البرنامج واختيار المرشحين واتخاذ القرار. وهنا تظهر أزمة الحزب التقليدي بوضوح .فهذا النوع من الأحزاب يوجد أمام معادلة صعبة: تتمثل في ضمان مردودية انتخابية سريعة من خلال الاعتماد على الأعيان . بينما الشباب هو استثمار سياسي طويل الأجل وغير مضمون. والحزب الذي يقيس نجاحه بعدد المقاعد في انتخابات واحدة ستكون لديه حوافز قوية لاختيار الأول. أما الحزب الذي يريد إعادة بناء نفسه لعشر أو عشرين سنة قادمة، فقد يضحي بجزء من المكاسب الآنية من أجل بناء قاعدة شبابية. لذلك، فبراغماتية الأحزاب والبحث عن المقاعد يمكن أن تدفعها إلى التركيز على كبار السن من الناخبين وعلى الأعيان والوجوه المحلية ذات القدرة التعبوية، خصوصاً في نظام انتخابي يقوم جزء مهم من منافسته على الدوائر والمرشحين والشبكات المحلية. لكن المفارقة هي أن هذه البراغماتية قد تكون ناجحة انتخابياً على المدى القصير، ومكلفة سياسياً على المدى الطويل.لأن الحزب إذا ظل يبحث عن «من يستطيع أن يجلب الأصوات الآن؟» فقد يجد نفسه بعد سنوات أمام سؤال أصعب: أين ذهب الناخب الشاب الذي لم تتم محاولة إقناعه عندما كان في الثامنة عشرة من عمره؟وهذا بالضبط ما يجعل تراجع تسجيل 18–24 سنة في 2026 أكثر من مجرد رقم انتخابي؛ فهو قد يكشف عن بداية انفصال بين البنية الاجتماعية الجديدة للبلاد وبين المنطق الانتخابي الذي ما زالت بعض الأحزاب تعتمد عليه.وهنا يصبح موضوع الحزب الرقمي بديلا للخروج من هذه المعادلة: فالحزب الرقمي يمكن أن يستهدف تحديداً هؤلاء الشباب غير المنخرطين في التنظيمات الحزبية التقليدية، وأن يحول الحضور الرقمي إلى تسجيل انتخابي ثم إلى مشاركة سياسية. فإذا عجز الحزب التقليدي عن تحويل الشاب من: متابع رقمي ، إلى مواطن سياسي ، ثم إلى ناخب مسجل ،ثم ناخب مصوت ، فقد تظهر فرصة لحزب رقمي يقوم تحديداً بهذه الوظيفة. والحزب الذي ينجح في بناء قاعدة شبابية لا تبدأ من العضوية الحزبية التقليدية، بل من المشاركة الرقمية وصناعة القرار الجماعي، يمكن أن يخاطب فئة 18–24 سنة بطريقة مختلفة تماماً.
وبالتالي ، فإن انخفاض وزن 18–24 سنة في لوائح 2026 سيضع الأحزاب أمام مفارقة استراتيجية:إما أن تعتبر الشباب غير المسجلين كتلة غير انتخابية وتتجه إلى الناخب التقليدي، وإما أن تعتبرهم أكبر خزان انتخابي مستقبلي وتحاول استعادته إلى السياسة. والخيار الثاني أكثر طموحاً، لكنه يتطلب تغييراً حقيقياً في طريقة عمل الحزب. فالمطلوب ليس فقط أن يقول الحزب للشاب:«صوّت لي.» بل أن يقول له أولاً: «سجّل نفسك، شارك، ناقش برنامجنا، انتقدنا، واختر من يستحق صوتك.» .فإذا تحقق ذلك، فإن عملية التسجيل نفسها تصبح مدخلاً لإعادة بناء الثقة بين الشباب والأحزاب، وليس مجرد إجراء إداري سابق ليوم الاقتراع.وهنا تحديداً يمكن أن تكون انتخابات 23 شتنبر 2026 اختباراً سياسي حقيقياً: هل ستتعامل الأحزاب مع الشباب 18–24 سنة باعتبارهم «كتلة انتخابية ضعيفة حالياً»، أم باعتبارهم «الكتلة السياسية التي لم تُكتشف بعد»؟ والتي ينبغي المراهنة على الاستثمار فيها مستقبلا.
اترك تعليقاً