الصحافة المغربية في زمن الذكاء الاصطناعي.. تطور حتمي أم تهديد للمهنة؟
في صباح الثامن من شتنبر 2023، بعد ساعات قليلة من زلزال الحوز، انتشرت على فيسبوك صور لمبانٍ مهدمة لا علاقة لها بالمغرب. بعضها كان من زلازل سابقة في تركيا، والبعض الآخر ربما لم يكن حقيقيا أصلا. لم يسأل أحد عن المصدر، لأن الخوارزمية لا تهتم بالمصدر، بل بعدد المشاهدات فقط.
هذا المشهد الصغير يختصر مشكلة كبيرة. المنصات الرقمية لم تعد مجرد وسيلة لتوزيع الأخبار، بل صارت هي من يقرر ماذا يقرأ الناس ومتى. جريدة ورقية تصدر عند السابعة صباحا، بينما “الصفحة الأولى” على فيسبوك أو تيك توك تتغير كل دقيقة، حسب ما يجذب الانتباه، لا حسب ما يستحق النشر فعلا.
الذكاء الاصطناعي زاد الأمر تعقيدا. اليوم يمكن لأي شخص أن يولّد نصا إخباريا كاملا في ثوانٍ، أو يصنع صورة تبدو حقيقية لحدث لم يقع، أو مقطعا صوتيا يُنسب لمسؤول لم يتفوه بكلمة منه. وقعت حالات من هذا النوع في المغرب، خصوصا خلال فترات انتخابية أو أزمات، حيث تنتشر تسجيلات مفبركة في مجموعات واتساب قبل أن يتمكن أي أحد من التحقق منها.
المفارقة أن الصحافة المهنية، تلك التي تتحقق وتراجع وتتحمل مسؤولية ما تنشر، تصبح أبطأ من الشائعة. القارئ المغربي، مثله مثل أي قارئ آخر، يستقبل الخبر أولا من واتساب أو فيسبوك، وبعد ذلك، إن تذكر، يبحث عن مصدر يؤكده. الترتيب انقلب.
هنا يكمن السؤال الأخلاقي الحقيقي. ليس السؤال هل نستعمل الذكاء الاصطناعي في العمل الصحفي، فهذا سيحدث سواء أردنا أم لا، وبعض المواقع المغربية تستعمله فعلا لتلخيص المقالات أو صياغة عناوين. السؤال هو: هل يُخبر القارئ بذلك؟ صحيفة تنشر نصا وُلّد آليا دون أن تذكر ذلك تخون العقد الأساسي مع قارئها، وهو أن ما يقرأه كتبه إنسان يتحمل مسؤوليته.
المجلس الوطني للصحافة أصدر مرارا تذكيرات بميثاق أخلاقيات المهنة، لكن الميثاق كُتب قبل أن تصبح الخوارزمية والذكاء الاصطناعي جزءا من يوميات كل تحرير. ربما حان الوقت لتحيينه، لا لمنع استعمال الأدوات الجديدة، بل لوضع حدود واضحة: التحقق يبقى بشريا، والمصدر يُذكر، وأي محتوى مولّد آليا يُشار إليه صراحة.
لن نستطيع إيقاف الخوارزمية، ولا وقف تطور الذكاء الاصطناعي. لكن يمكن للصحافة المغربية أن تحتفظ بشيء لا تملكه الخوارزمية: الحكم المهني، والمسؤولية، والقدرة على أن تقول “تحققنا من هذا” بضمير مرتاح. في زمن يمكن فيه لأي أحد أن يصنع خبرا مزيفا خلال دقائق، تصبح الثقة هي المنتج الوحيد الذي يستحق أن تُبنى عليه صحيفة.
اترك تعليقاً