المشهد السياسي بالمغرب بين التقاطبات الانتخابية والائتلافات الحكومية
تميز المشهد السياسي بالمغرب منذ عقود بظاهرة مثيرة تتمثل في تقاطبات انتخابية بين حزبين رئيسين، كتلك المواجهة الانتخابية في تشريعيات 2016 بين الأصالة والمعاصرة وبين حزب العدالة والتنمية، أو تلك المواجهة الانتخابية الثنائية التي تمت بين حزب العدالة والتنمية وحزب التجمع الوطني للأحرار في انتخابات 2021، أو التقاطب الحالي بين التجمع الوطني للأحرار وحزب الأصالة والمعاصرة قبيل انتخابات 23 شتنبر 2026، في الوقت الذي يتم عادة تشكيل حكومات ائتلافية تضم على الأقل ثلاثة أحزاب أو أكثر. مما يطرح التساؤل عن مكامن هذه الظاهرة واستجلاء بعض دواعي هذه المفارقة السياسية بين تقاطب انتخابي وائتلافات حكومية؟
1. مساهمة الأحزاب في إنتاج الثنائية الانتخابية
أصبح من الدارج أن معظم الأحزاب لا تستطيع قبل الانتخابات أن تقدم نفسها للرأي العام باعتبارها قادرة فعلياً على الوصول إلى رئاسة الحكومة. فتنشأ عملياً ثلاثة أصناف حزبية متنافسة: أحزاب تتنافس على المرتبة الأولى، وأحزاب تنافس على المرتبة الثانية أو على موقع تفاوضي قوي، وأحزاب تعرف مسبقاً أن وزنها الأساسي سيكون في مفاوضات تشكيل الحكومة. وهكذا يتحول السؤال «من سيفوز بالانتخابات؟» إلى: «من سيحتل المرتبة الأولى ومن سيملك القدرة على تشكيل التحالف الحكومي؟».
كما أن هناك أيضاً «ثنائية شخصية» وليس فقط حزبية. ففي بعض الاستحقاقات تتحول المنافسة إلى مواجهة بين رئيسي حزبين أو زعيمين سياسيين. وهذا يرتبط بضعف قدرة الأحزاب المغربية على بناء هويات أيديولوجية واضحة ومستقرة في ذهن الناخب، مما يفسر جزئياً لماذا تلعب شخصية الأمين العام للحزب دوراً كبيراً في الحملات الانتخابية والتجمعات السياسية لجل الأحزاب.
وقد تفسر هذه الثنائية الشخصية جانباً مهماً من استقطاب فوزي لقجع قبيل انتخابات 23 شتنبر 2026 من طرف قيادة حزب الأصالة والمعاصرة، المنافس الرئيسي للحزب المتصدر للانتخابات التشريعية السابقة. فقد أعلن حزب الأصالة والمعاصرة رسمياً انضمام الوزير المنتدب للميزانية في حكومة أخنوش ورئيس جامعة كرة القدم، السيد فوزي لقجع، إلى مكتبه السياسي في 25 يوليوز 2026، أي قبل الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر بأقل من شهرين.
ولعل السبب يرجع بالأساس إلى المشكلة الانتخابية التي تطرحها القيادة الجماعية للحزب. فهذه القيادة الجماعية التي تقود الحزب برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري لها مزايا تنظيمية، لكنها تواجه مشكلة الوضوح السياسي أمام الناخب. فهي تعني عملياً أن للحزب عدة وجوه، ولكن ليس له بالضرورة وجه انتخابي واحد يستطيع اختزال كل المشروع السياسي للحزب.
وهذا مهم جداً في لحظة الانتخابات، خاصة عندما يتحول التنافس من تعددية حزبية إلى سؤال: «من يستطيع أن يقود الحكومة؟». حيث تكون القيادة الجماعية أقل فعالية من وجود شخصية قادرة على أن تصبح عنواناً للحملة الانتخابية.
وهنا لا يأتي فوزي لقجع فقط كعضو حزبي، بل كـ«شخصية انتخابية». فالحزب لم يكتف باستقطابه إلى عضويته، وإنما أدمجه مباشرة في المكتب السياسي. والمنصوري قدمت هذه الخطوة باعتبارها تعزيزاً للحزب بالكفاءات والخبرات. لكن سياسياً يمكن قراءة ذلك بصورة أوسع: لقجع يمتلك رأسمالاً شخصياً سابقاً على الحزب. أي أن الحزب لا يصنع شعبية لقجع، بل يحاول تحويل شعبية ورمزية موجودة أصلاً إلى رأسمال انتخابي للحزب.
وهذا يختلف جذرياً عن أن يقوم الحزب بإنتاج زعيم من داخل بنيته التنظيمية. وهنا تظهر علاقة هذه الخطوة السياسية بالثنائية الشخصية. فإذا كانت الانتخابات المقبلة ستدفع نحو منافسة بين شخصيات قادرة على تجسيد مشاريع سياسية متنافسة، فإن حزب الأصالة والمعاصرة سيحتاج إلى شخصية يمكن أن تدخل هذه المنافسة.
ففاطمة المنصوري تمثل الحزب تنظيمياً وسياسياً، ومعها قيادات أخرى؛ لكن لقجع يقدم شيئاً مختلفاً: حضوراً وطنياً واسعاً، وصورة مرتبطة بالتدبير والكفاءة، وحضوراً في المجال الرياضي، وتجربة حكومية، وقدرة على مخاطبة فئات تتجاوز القواعد الحزبية التقليدية.
وهكذا يمكن أن يكون الهدف هو إضافة «كاريزما انتخابية» إلى «القيادة التنظيمية الجماعية». وبالتالي، فيمكن قراءة توقيت انضمام فوزي لقجع إلى الحزب على مستويين: المستوى الانتخابي من خلال استقطاب اسم قادر على رفع جاذبية الحزب، والمستوى السياسي من خلال إدخال شخصية يمكن أن تصبح لاحقاً جزءاً من معادلة القيادة الحكومية، إذا أفرزت الانتخابات نتائج تسمح بذلك.
كما أن هناك مؤشراً آخر يجعل هذه القراءة أكثر إثارة ومشروعية، وهي الصراع الذي ظهر لاحقاً بين «البام» و«الأحرار» حول استقطاب الشخصيات، والهجوم الذي نُسب إلى رشيد الطالبي العلمي على لقجع، ثم الأزمة التي دفعت «البام» إلى اجتماع طارئ لمكتبه السياسي، يكشف أن استقطاب لقجع لم يُنظر إليه فقط كإضافة تنظيمية عادية، بل أصبح يحمل وزناً داخل توازنات الأغلبية نفسها.
لأن استقطاب وزير بهذا الحجم من داخل أغلبية حكومية إلى حزب حليف آخر يمكن أن يُقرأ كإعادة ترتيب للنخب قبيل الانتخابات، وليس مجرد توسيع للعضوية الحزبية.
لذا، فإن استقطاب فوزي لقجع في هذا التوقيت قد يكون محاولة من حزب الأصالة والمعاصرة لمعالجة إحدى مشكلات القيادة الجماعية، ليس بمعنى عجزها التنظيمي، وإنما بمعنى محدودية قدرتها على إنتاج «شخصية انتخابية» واحدة قادرة على اختزال الحزب في لحظة تتحول فيها المنافسة السياسية إلى منافسة بين شخصيات قد تقود المرحلة السياسية والحكومية المقبلة.
2. وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي وتضخيم الثنائية الانتخابية
إن طبيعة الإعلام تحتاج دائماً إلى المنافسة والمواجهة. بل أكثر من ذلك، فالشبكات الاجتماعية تحتاج إلى تشخيص رقمي أو مبارزات شخصية لاجتذاب المشاهدة والتتبع من خلال خلق خصوم ومنافسين، وصراع، وانتصار وهزيمة، ووضع ترتيب «من الأول؟» و«من سيقود الحكومة؟».
في حين أن التعدد الحزبي الحقيقي بالمشهد السياسي المغربي هو أكثر تعقيداً. فحتى الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري تتعامل في انتخابات 2026 مع تعددية سياسية واسعة، وقسمت الأحزاب المشاركة إلى مجموعات وفق تمثيلها البرلماني وغيرها من المعايير، وهو ما يعكس الفرق بين التعددية القانونية والوزن السياسي والإعلامي الفعلي.
فالإعلام والمواقع الرقمية لا تكتفي أحياناً بعكس الثنائية الانتخابية الموجودة، وإنما تساهم في إنتاجها وتضخيمها وإعطائها مظهراً من الحسم قبل أن تحسمه صناديق الاقتراع. فالمعطى الأكثر وضوحاً هو أن انتخابات 23 شتنبر 2026 يشارك فيها 27 حزباً، في حين أن التنظيم الإعلامي الرسمي للحملة يقسم الأحزاب إلى ثلاث مجموعات بحسب تمثيلها البرلماني، وليس إلى قطبين. كما أن قواعد التعددية السمعية البصرية تفرض ضمان حضور مختلف الأحزاب خلال الفترة الانتخابية.
وبالتالي، فمن الناحية المؤسساتية والانتخابية، فالمغرب ليس أمام نظام حزبين ولا أمام استقطاب انتخابي ثنائي. لكن الصورة التي يتلقاها المواطن من الإعلام قد تكون مختلفة تماماً. ذلك أن وسائل الإعلام تبحث عن «القصة» وليس عن الخريطة الحزبية كاملة، حيث من الصعب إعلامياً أن يكون العنوان: «27 حزباً تتنافس على 395 مقعداً». أما: «أخنوش في مواجهة لقجع» أو: «البام ينافس الأحرار» أو: «بنكيران يعود لمواجهة أحزاب الأغلبية» فهي عناوين أكثر جاذبية.
وهذا يؤدي إلى اختزال التعددية السياسية في عدد محدود من الشخصيات. فوسائل التواصل الاجتماعي أكثر ميلاً إلى الثنائية، حيث إن الخوارزميات لا تكافئ بالضرورة التحليل الأكثر تعقيداً، وإنما المحتوى الأكثر قدرة على إثارة التفاعل.
لذلك تتحول السياسة إلى صور إعلامية: كأخنوش في مواجهة لقجع، أو لقجع في مواجهة بنكيران، أو البام في مواجهة الأحرار… ومن ثمة يصبح كل تصريح أو صورة أو تجمع انتخابي «حلقة جديدة» في هذه المواجهة. وهذا يخلق ما يمكن تسميته بـ«الاستقطاب المتخيَّل»، أي أن الجمهور يبدأ في تصور أن هناك معركة ثنائية حاسمة، بينما الواقع الانتخابي أكثر تعدداً وتعقيداً.
ولعل حالة انضمام لقجع إلى قيادة حزب الأصالة والمعاصرة لتعكس هذه الظاهرة بشكل بليغ، حيث تحولت هذه الواقعة المحددة: لقجع ينتقل إلى حزب الأصالة والمعاصرة ويترشح في بركان، إلى نقاش إعلامي حول: هل سيقود «البام»؟ هل يمكن أن يصبح رئيساً للحكومة؟ هل ينافس أخنوش؟ هل يغير توازنات الأغلبية؟
بل إن أخنوش نفسه رد على الاستقطاب بالقول إن الانتخابات ليست «ميركاتو رياضي». فالإعلام لم يخترع الواقعة؛ الواقعة حقيقية. لكنه رفع دلالتها من مستوى «استقطاب مرشح» إلى مستوى «إعادة تشكيل القيادة السياسية». وهذا هو بالضبط معنى التضخيم.
ولعل لجوء هذه الوسائل إلى هذا التضخيم السياسي أو الانتخابي يرتبط بعدة دوافع إعلامية، من أهمها أولاً «اقتصاد الانتباه»، حيث إن العنوان المشخصن أكثر جذباً من تحليل البرامج، وثانياً سهولة التفسير: فعنوان «لقجع ضد أخنوش» أسهل للفهم من شرح توزيع المقاعد والدوائر والتحالفات، وثالثاً شعبية الشخصيات السياسية، حيث إن الشخصية السياسية المعروفة توفر للموقع جمهوراً جاهزاً.
بالإضافة إلى صناعة التوقعات، فالموقع يستطيع الحصول على زيارات كثيرة من عناوين مثل «من سيقود الحكومة؟» حتى قبل معرفة نتائج الانتخابات. وهذا ما يفسر مثلاً انتشار فيديوهات وتحليلات تبني منذ الآن سيناريو «لقجع رئيساً للحكومة» رغم أن الانتخابات نفسها لم تُجر بعد.
غير أن الأخطر في هذا السياق الإعلامي هو أن وسائل الإعلام بمختلف أشكالها قد تحول المنافسة السياسية داخل الأغلبية إلى «ثنائية وطنية». فأحزاب «الأحرار» و«البام» و«الاستقلال» شركاء في الحكومة الحالية، لكنهم يتحولون انتخابياً إلى منافسين على المقاعد والمرتبة الأولى، وهذا طبيعي. لكن الإعلام يمكن أن يعيد صياغة ذلك باعتباره: أخنوش ضد البام أو لقجع ضد أخنوش، بينما الحقيقة السياسية أن المسألة قد تكون ببساطة تنافساً انتخابياً بين أحزاب ستعود بعد الانتخابات إلى التفاوض حول الائتلاف الحكومي. وبالتالي، فالانتخابات التي قد تبدو ثنائية إعلامياً، بينما الحكومة ستظل على الأرجح ائتلافية.
والمفارقة أن هذا التضخيم قد يؤثر في الانتخابات نفسها. وهكذا، فعلى سبيل المثال، إذا تكرر يومياً أن الانتخابات هي «معركة بين قطبين»، فقد يبدأ الناخب نفسه في التفكير بمنطق: «لن أصوت للحزب الذي أفضله، بل سأصوت لمنع الآخر من الفوز». وهنا يمكن أن تنشأ موجة تصويت تكتيكي، حتى في غياب استقطاب اجتماعي حقيقي.
لذلك، فـ«الثنائية الانتخابية في المغرب ليست بالضرورة ثنائية حزبية أو أيديولوجية، وإنما تتحول بفعل التغطية الإعلامية والرقمية إلى ثنائية مشخصنة وإدراكية؛ إذ تختزل تعددية حزبية ومجتمعية واسعة في منافسة بين عدد محدود من الشخصيات والأحزاب، فتبدو الانتخابات أكثر استقطاباً مما قد تكشف عنه النتائج الفعلية».
فالإطار الانتخابي والإعلامي الرسمي نفسه يتعامل مع 27 حزباً ويضع قواعد لضمان تعددية التعبير السياسي، وهو ما يختلف كثيراً عن الصورة الثنائية التي قد تنتجها المنصات الرقمية. وبالتالي، فالمشكلة لا تكمن في أن المشهد السياسي بالمغرب يتجه فعلاً نحو «ثنائية انتخابية»، بل في أن الإعلام الرقمي أصبح يؤدي وظيفة شبيهة بالاستطلاع السياسي: يصنع مسبقاً صورة عن المنافسة، ثم يدخل الناخب إلى الانتخابات وهو يحمل هذه الصورة في ذهنه أثناء عملية التصويت.
3. الثنائية الانتخابية والتعددية الحكومية
من إحدى أهم المفارقات في الانتخابات المغربية التي يتم تقديمها إعلامياً وكأنها مباراة بين قطبين انتخابيين، تنتهي النتيجة السياسية إلى حكومة تجمع ثلاثة أحزاب أو أكثر. وبالتالي، فالجواب الأساسي هو أن القطبية الإعلامية والائتلاف الحكومي ينتميان إلى منطقين مختلفين. فالفوز دستورياً في الانتخابات المغربية لا يعني امتلاك الأغلبية. إذ إن الفصل 47 من دستور 2011 يجعل الحزب الذي يتصدر انتخابات مجلس النواب مدخلاً لتعيين رئيس الحكومة، لكنه لا يمنح الحزب المتصدر تلقائياً أغلبية برلمانية تمكنه من الحكم منفرداً.
وهنا تكمن المفارقة: الحزب الأول الذي يفوز بالمرتبة الأولى ليس بالضرورة الحزب الأول الذي يتمتع بأغلبية داخل البرلمان. ففي انتخابات سنة 2021 حصل حزب التجمع الوطني للأحرار على 102 مقعد من أصل 395، أي نحو 26% فقط من المقاعد، وجاء بعده حزب الأصالة والمعاصرة بـ87 وحزب الاستقلال بـ81. وقد انتهت النتيجة إلى حكومة ائتلافية من الأحزاب الثلاثة الأولى.
فهناك 395 مقعداً، والقرار الحكومي يحتاج إلى قاعدة برلمانية واسعة. لذلك فإن الحزب الذي يفوز بالمركز الأول يجد نفسه مضطراً إلى الانتقال من منطق المنافسة إلى منطق التفاوض. إذ إن الانتخابات تنتج «ترتيباً»، وليس بالضرورة «أغلبية»، كما تنتج ترتيباً للقوى السياسية أكثر مما تنتج حزباً حاكماً. فالحزب الأول انتخابياً يحصل على ميزة دستورية وسياسية مهمة تتمثل في أن رئيس الحكومة يأتي من داخله. لكن بعد ذلك يبدأ السؤال: من سيمنحه الأغلبية؟
وهنا تتحول الأحزاب التي كانت قبل الانتخابات خصوماً إلى شركاء محتملين في الحكومة. وهذا ما حدث في انتخابات 2021 بصورة واضحة جداً: الأحرار والأصالة والمعاصرة والاستقلال، الذين كانوا في منافسة انتخابية، أصبحوا فيما بعد أطرافاً في ائتلاف حكومي واحد. لذلك، فالثنائية الانتخابية قصيرة العمر. حيث يمكن التكهن بأن الثنائية الانتخابية التي تتبلور إعلامياً قبل 23 شتنبر 2026 ستختفي في اليوم التالي للانتخابات وبعد الإعلان عن النتائج النهائية لهذه الانتخابات التشريعية.
لذلك يمكن أن يكون الحزب «الخصم الانتخابي» اليوم هو نفسه الشريك الحكومي غداً. ولعل ما يحتم ذلك هو أن النظام الانتخابي يدفع نحو التعددية والائتلاف الحكومي. وقد أظهرت نتائج 2021 ذلك بوضوح: 12 حزباً حصلت على تمثيل في مجلس النواب، وأكبر حزب لم يتجاوز 25.8% من المقاعد. وحتى لو نشأت قطبية بين حزبين كبيرين، يبقى هناك عدد من الأحزاب التي يمكن أن تكون حاسمة في تشكيل الأغلبية الحكومية.
وهذه الأحزاب قد لا تكون مهمة جداً في المنافسة الإعلامية على المرتبة الأولى، لكنها تصبح شديدة الأهمية في حسابات تشكيل الحكومة. فقد يكون لدينا إعلامياً: قطب انتخابي أول وقطب انتخابي ثانٍ، لكن حسابياً قد تكون هناك أحزاب ثالثة ورابعة وخامسة هي التي تحدد من يستطيع تشكيل الأغلبية. وهذا الوضع يجعل بعض الأحزاب التي تبدو ضعيفة أثناء الحملة الانتخابية تصبح قوة تفاوضية بعد ظهور النتائج. ومن هنا يمكن أن نفهم لماذا لا تتطابق بالضرورة شعبية الحزب إعلامياً مع وزنه في مفاوضات تشكيل الحكومة.
كما أن المجتمع المغربي، الذي يبقى مجتمعاً مركباً في تعبير بول باسكون، ليس منقسماً بالضرورة إلى كتلتين سياسيتين واضحتين. فهناك طبقات اجتماعية مختلفة، وتفاوتات بين المدن والقرى، وهرمية سكانية بين الشباب وكبار السن والنساء والرجال، وتراتبية وظيفية تتمثل في أصحاب المهن الحرة والموظفين والحرفيين والعاملين في القطاع غير المهيكل.
بالإضافة إلى الفئات الهشة والطبقة الوسطى والناخبين المتدينين والمحافظين والليبراليين واليساريين وغير المسيسين… في حين أن النظام السياسي والإعلامي يعيد ضغط هذا التعقيد الاجتماعي في قطبين انتخابيين. ومن هنا يمكن أن نطرح فرضية مهمة: القطبية الانتخابية المغربية قد تكون في جانب منها صناعة سياسية وإعلامية أكثر منها انعكاساً لقطبية اجتماعية حقيقية.
كما أن هناك سبباً آخر في هذه التعددية الحكومية يتمثل في أن الحكومة تحتاج إلى الاستقرار. إذ إن الحزب الذي يتصدر الانتخابات يستطيع أن يقول: «أنا الحزب الأول». لكن رئيس الحكومة المكلف يحتاج إلى أن يقول: «أستطيع تشكيل أغلبية». وهذان شيئان مختلفان. فالحكومة تحتاج إلى تمرير برنامجها، والحصول على ثقة مجلس النواب، وتمرير القوانين، والمصادقة على الميزانية، والحفاظ على الانسجام داخل الأغلبية. ولهذا يصبح توسيع الائتلاف الحكومي وسيلة لتأمين الاستقرار البرلماني.
وهكذا، «فالخصومة الانتخابية» لا تمنع «الشراكة الحكومية»، لأن اللعبة السياسية بالمغرب، في ظل التعددية الحزبية، تترك مساحة واسعة للتحالفات بعد الانتخابات. وهذا يعني أن القطبية الانتخابية ليست بالضرورة قطبية أيديولوجية أو اجتماعية. فلو كانت هناك قطبية أيديولوجية عميقة، لكان الانتقال من الخصومة إلى الائتلاف أكثر صعوبة. أما عندما تكون المنافسة أساساً على المقاعد والموقع داخل السلطة الحكومية، فإن التحالف بعد الانتخابات يصبح أكثر سهولة.
وعموماً، فإذا استمرت وسائل الإعلام والمواقع الإلكترونية في تقديم الانتخابات باعتبارها صراعاً شخصياً بين أخنوش ولقجع أو بين الأحرار والبام، فهذا لا يعني بالضرورة أن المغرب يتجه إلى نظام ثنائي. حيث سنكون أمام ظاهرة أكثر تعقيداً: ثنائية في لحظة المنافسة، وتعددية في لحظة الاقتراع، وائتلافية في لحظة الحكم. فالانتخابات تختزل المشهد السياسي، والبرلمان يعيد تعدديته، والحكومة تعيد تركيب التوازنات.
ولهذا فإن السؤال السياسي الحقيقي بالنسبة لانتخابات 23 شتنبر 2026 ليس فقط «من الحزب الذي سيفوز على الآخر؟»، وإنما: «إذا كانت الانتخابات ستُخاض إعلامياً بمنطق القطبية، فهل ستستطيع نتائجها فعلاً إنتاج أغلبية متجانسة، أم أن القطبية ستنتهي مرة أخرى إلى ائتلاف متعدد الأحزاب؟» وهنا تحديداً تصبح نتائج المرتبتين الثانية والثالثة أهم أحياناً من الصراع الإعلامي على المرتبة الأولى.
اترك تعليقاً