نقابات التجار والمهنيين تضع مطالبها وأولوياتها التشريعية على طاولة البرامج الانتخابية
تزامنا مع الاقتراب التدريجي للاستحقاقات الانتخابية المقبلة، تسارع الهيئات النقابية وممثلو قطاع التجارة الداخلية والمهنيين، عبر مختلف الآليات المتاحة، إلى الترافع بشأن ملفاتهم العاجلة، ووضع أولوياتهم التشريعية في صلب البرامج الانتخابية للأحزاب السياسية.
وتأتي حماية تجارة القرب والمحلات الصغرى على رأس قائمة الأولويات والتحذيرات التي يرفعها الاتحاد المغربي للتجار والمهنيين، المنضوي تحت لواء الاتحاد المغربي للشغل؛ إذ يرى نائب كاتبه العام، محمد هلالي، أن هذه التجارة باتت تسير نحو الانقراض، جراء المنافسة غير المتكافئة والانتشار المكثف للمتاجر العصرية التابعة لعلامات كبرى داخل الأحياء والأزقة، في غياب تام لدراسات جدوى مسبقة.
وأشار هلالي إلى جملة من الملفات المستعجلة، تتصل في معظمها بغياب الدعم والتحفيزات الضريبية، وضعف تمويل القطاع، علاوة على الحرمان من التغطية الصحية ونظام التقاعد.
وفي السياق ذاته، سجل المتحدث ضعف التنسيق بين وزارة التجارة ووزارة الداخلية، ممثلة في القياد والباشوات، بشأن موضوع التراخيص، مضيفا: “طالبنا بإلغاء التراخيص الخاصة بمزاولة المهن منخفضة الخطورة، والاكتفاء بتصريح المهنيين عبر بوابة إلكترونية”، وهو ملف لا يزال عالقا، “رغم اعتراف وزير التجارة نفسه، خلال المنتدى الوطني للتجارة الذي انعقد بمراكش، بأن تجار القرب ومن هم على شاكلتهم لا يحتاجون إلى مثل هذه التراخيص لمزاولة أنشطتهم”.
وفي هذا الصدد، ذكر هلالي أن مراسلة النقابة لوزارة التجارة وبنك المغرب بشأن الارتفاع الكبير في تكاليف الأداء الإلكتروني لم تحظ إلا بتفاعل جزئي، تمثل في خفض طفيف لنسب الاقتطاع، وهو ما يعتبره “غير كاف لتشجيع التجار الصغار على الانخراط المكثف في ورش الرقمنة”.
وفي سياق الترافع الميداني، صرح محمد هلالي لجريدة “العمق” بأن جميع اللقاءات التي عقدتها النقابة مع الفرق البرلمانية خلال الولاية الحالية جاءت بمبادرة منها، وأن عموم القوى الحزبية، باستثناء قلة منها كحزبي التجمع الوطني للأحرار والتقدم والاشتراكية، لم تكلف نفسها “عناء التواصل” مع ممثلي المهنيين، لا سيما المقاولات الصغرى والتجار، لمعرفة مطالبهم والإنصات إلى مقترحاتهم قبل إعداد برامجها الانتخابية.
وأكد المتحدث ذاته استعداد نقابته التام للقاء قادة وممثلي الأحزاب السياسية، خاصة تلك التي تسعى إلى تصدر المشهد الانتخابي المقبل، من أجل بسط وجهة نظرها بشأن مختلف الملفات المستعجلة، واقتراح حلول إجرائية لها، موجها رسالة مباشرة إلى الأحزاب: “نحن على استعداد.. الكرة في مرمى الأحزاب”.
من جهته، يضع محمد الجرايفي، رئيس المجلس الوطني للنقابة الوطنية للتجار والمهنيين، هذه الانتظارات “الكثيرة والمتنوعة” في سياقها الاقتصادي الوطني، مبرزا أن قطاع التجارة الداخلية والتوزيع، بوصفه مجالا نشطا، يحتل المركز الأول في خلق فرص الشغل بالوسط الحضري، ويأتي في المرتبة الثانية من حيث مساهمته في الناتج الداخلي الخام.
ويؤكد الجرايفي أن هذا النشاط الاقتصادي يتحقق “دون أن يكلف الدولة سنتيما واحدا”، باعتباره قطاعا جالبا للاستثمارات بطبيعته. ومن هذا المنطلق، يشدد القيادي النقابي على أن قطاعا بهذه القوة الاقتصادية من الطبيعي أن تقترن به انتظارات عاجلة ومطالب كثيرة ومتنوعة.
وأوضح الجرايفي أنه، إذا استثنيت الملفات المرتبطة بالجانب الضريبي، الذي قال إنه أنهى جانبا من معاناة التجار والمهنيين بفعل تنزيل المساهمة المهنية الموحدة، إلى جانب التغطية الصحية التي باتت تعتمد نسب اشتراكات “حازت رضى الجميع”، فإن عصرنة القطاع وتحديثه يظلان مطلبين راهنين لا محيد عنهما.
وأضاف أن أهمية هذا الورش تزداد في ظل إقبال المغرب على احتضان تظاهرات عالمية، ما يستدعي، بحسبه، تهيئة المناخ الملائم لإدماج التجار وتأهيلهم لمواكبة المستجدات ومسايرة المشاريع السياحية الكبرى التي تشرف عليها الدولة.
ومع أن لغة العصر الحديث هي “لغة رقمية” بامتياز، كما أوضح المتحدث، فإن القطاع ما يزال يشهد نقصا كبيرا على مستوى الرقمنة. ولأجل ذلك، يرى الجرايفي ضرورة دعم التجار وتكوينهم وتمكينهم من الآليات والوسائل اللوجستية والرقمية، بما يتيح لهم تحويل التحديات إلى فرص واعدة، مؤكدا أن التعامل مع التقنيات الحديثة أضحى “لازمة وضرورة ملحة”.
كما يرى أن الواقع الحالي يقتضي الانفتاح على خدمات الأداء الإلكتروني، مع جعلها مجانية، بهدف تقليص الاعتماد على التبادلات النقدية التقليدية “الكاش”، مشيرا إلى أن النقابة تبلور، خلال كل فترة من فترات إعداد مشروع قانون المالية، ملفا مطلبيا توزعه على الفرق البرلمانية داخل المؤسسة التشريعية، مستدركا: “لكن، وبكل صدق، وإذا استثنينا بعض القوى الحزبية التي مكنتنا من عرض مطالبنا، فإن الاستجابة تظل ضعيفة، ولا تحظى باكتراث كافة التشكيلات الحزبية”.
وأعرب المتحدث عن أمله في أن تكون لدى الأحزاب السياسية التي ستشكل الحكومة المقبلة “رغبة حقيقية”، وأن تتجه استراتيجيتها نحو دعم القطاع والإصغاء إلى مختلف الفئات المعنية، قصد إيجاد حلول للمشاكل المطروحة، داعيا كذلك إلى تعميم الآليات الإدارية المرنة، كتلك التي جرى اعتمادها في مدينة الرباط وأثبتت نجاعتها.
وحذر الجرايفي، في ختام تصريحه، من أن تجاهل هذه المطالب قد يؤدي، في نهاية المطاف، إلى تنزيل مجموعة من القرارات والقوانين والإجراءات الإدارية التي قد تكون لها آثار كارثية على القطاع، وإلى تعقيدات بيروقراطية لا داعي لها تحول بين التجار ومصالحهم، مؤكدا في المقابل، أن المقاربة التشاركية، واعتماد لغة الحوار والتواصل المباشر مع ممثلي القطاع، يظلان الطريق الأنسب لبلوغ الغاية المنشودة.
اترك تعليقاً