منتدى العمق

الشرطة القضائية في ظل المسطرة الجنائية الجديدة.. إعادة هندسة الاختصاص وحدود السلطة ومشروعية الدليل

تُشكّل الشرطة القضائية إحدى الآليات الإجرائية المركزية في منظومة العدالة الجنائية، بالنظر إلى اتصال اختصاصاتها بالمرحلة التي تسبق المحاكمة، والتي يتم خلالها التثبت من وقوع الجريمة، وجمع الأدلة، وتحديد الأشخاص المحتمل ارتباطهم بالفعل الجرمي، وضبط الأشياء والآثار، وإنجاز المحاضر، وتنفيذ بعض الأوامر والإنابات القضائية. ومن ثم، فإن موقعها داخل البناء الإجرائي يظل بالغ الحساسية، لأن أعمالها قد تنصرف إلى تقييد حرية الأشخاص، أو المساس بحرمة مساكنهم، أو الوصول إلى معطياتهم الرقمية والمالية، وهي مجالات جعلها المشرع محكومة بقيود وضمانات تختلف باختلاف طبيعة الإجراء وخطورته.

وقد جاء القانون رقم 03.23 المغيّر والمتمم لقانون المسطرة الجنائية في سياق تحديث المنظومة الإجرائية، مستجيباً بدرجات متفاوتة للتحولات التي طرأت على الجريمة ووسائل ارتكابها وإخفاء آثارها. فلم تعد الجريمة المعاصرة محصورة في المجال المادي، وإنما أصبحت تمتد إلى الفضاء الإلكتروني، والشبكات الرقمية، والمعاملات المالية، والاتصالات الحديثة، الأمر الذي استدعى تطوير وسائل البحث والتحري.

وعليه، فإن دراسة مهام الشرطة القضائية في ظل هذا القانون تثير إشكالية مركزية مؤداها: إلى أي حد أعاد القانون 03.23 تنظيم اختصاصات الشرطة القضائية بما يضمن فعالية البحث الجنائي ومواجهة الجريمة الحديثة، مع المحافظة على مقتضيات الشرعية الإجرائية وحماية الحقوق والحريات الفردية؟

ويتفرع عن هذه الإشكالية عدد من التساؤلات؛ ما حدود الاختصاص الجديد للشرطة القضائية؟ وما طبيعة الوسائل التقنية والمالية التي أصبحت متاحة لها؟ وكيف نظم المشرع التفتيش الرقمي والحراسة النظرية وتقنيات البحث الخاصة؟ وما مدى كفاية الرقابة القضائية لضمان عدم الانحراف في استعمال هذه الصلاحيات؟

أولا: الأساس القانوني للشرطة القضائية وتحديد مجال اختصاصها

يجد عمل الشرطة القضائية أساسه الدستوري في الفصل 128 من دستور 2011، الذي يجعلها تعمل تحت سلطة النيابة العامة وقضاة التحقيق في كل ما يتعلق بالأبحاث والتحريات الضرورية بشأن الجرائم وضبط مرتكبيها وإثبات الحقيقة.

أما المادة 18 من قانون المسطرة الجنائية، فتحدد جوهر الوظيفة في التثبت من وقوع الجرائم وجمع الأدلة عنها والبحث عن مرتكبيها.

ويترتب عن ذلك أن الشرطة القضائية تمارس اختصاصاً استدلالياً وبحثياً، بينما تمارس النيابة العامة اختصاصات التوجيه والإشراف وتحريك الدعوى العمومية وفق ما يقرره القانون.

وقد أعاد القانون 03.23 ترتيب بعض جوانب صفة ضباط الشرطة القضائية، خصوصاً من خلال المادة 20، كما حددت المادة 25 فئات أعوان الشرطة القضائية.

وتكمن أهمية هذا التنظيم في أن الصفة القانونية تشكل مصدر الاختصاص، وبالتالي فإن مباشرة إجراء يمس حقوق الأفراد من طرف شخص لا تتوافر فيه الصفة أو يتجاوز حدودها قد تثير إشكالات تتعلق بشرعية الإجراء وقيمته القانونية.

ومن ثم، فإن السؤال حول الشرطة القضائية يبدأ من سؤال أبسط وأعمق: من يملك سلطة القيام بالإجراء؟ لأن الاختصاص في القانون الإجرائي سابق على صحة الإجراء وشرط من شروطها.

ثانيا: البحث التمهيدي بين المبادرة الذاتية وتعليمات النيابة العامة

يشكل البحث التمهيدي المجال الطبيعي لممارسة الشرطة القضائية لاختصاصاتها الاستدلالية.

وتتجسد مهامها في تلقي الشكايات والوشايات، والاستماع إلى المشتبه فيهم والمصرحين، والانتقال إلى أماكن الوقائع، وإجراء المعاينات، وحجز الأشياء والوثائق، والاستعانة بالخبرات والوسائل التقنية، فضلاً عن اتخاذ الإجراءات التي يجيزها القانون لإظهار الحقيقة.

وقد حملت المادة 21 مستجدات مهمة، خصوصاً فيما يتعلق بالوشايات مجهولة المصدر، حيث أصبحت مباشرة البحث بشأنها مرتبطة بإذن النيابة العامة.

ويثير هذا المقتضى إشكالاً مزدوجاً؛ فمن جهة، تظل الوشاية المجهولة وسيلة محتملة للكشف المبكر عن جرائم قد يصعب اكتشافها بالوسائل التقليدية، ومن جهة أخرى يمكن أن تتحول إلى وسيلة للإضرار بالأشخاص من خلال بلاغات كيدية أو انتقامية.

لذلك فإن الإذن القضائي هنا يؤدي وظيفة تصفية أولية للمعلومة قبل تحويلها إلى بحث رسمي.

كما أتاح القانون لضابط الشرطة القضائية الاستعانة بضباط وموظفين ذوي اختصاص، وطلب معطيات من الإدارات والأشخاص الاعتباريين وفق الشروط القانونية.

وهذا يعكس انتقال البحث من نموذج يعتمد على الوسائل الشرطية التقليدية إلى نموذج متعدد التخصصات، تصبح فيه المعلومة التقنية والمالية والإدارية جزءاً من البنية الاستدلالية للبحث.

ثالثا: المحضر الإلكتروني وإشكالية سلامة الدليل

أعادت المادة 24 تنظيم مفهوم المحضر، فأصبح من الممكن تحريره على دعامة ورقية أو إلكترونية، مع إمكانية التوقيع الإلكتروني أو الرقمي وفق الشروط المحددة قانوناً.

ويشكل هذا المستجد نتيجة طبيعية لرقمنة الإدارة والعدالة ووسائل الاتصال.

غير أن الإشكال القانوني لا يتعلق بمجرد اعتماد الوسيط الإلكتروني، وإنما يرتبط بضمان سلامة الوثيقة ومصدرها ومحتواها وسلسلة حفظها.

فالمحرر الإلكتروني يحتاج إلى ضمانات تتعلق بالتوثيق، وإثبات هوية محرره، ومنع التغيير غير المشروع، وإمكانية التحقق من البيانات والتوقيعات، فضلاً عن حفظه بطريقة تضمن قابليته للاعتماد أمام القضاء.

ومن ثم، فإن رقمنة المحضر تستلزم انتقالاً موازياً في ثقافة التوثيق القضائي؛ لأن الوثيقة الرقمية لا تُكتسب حجيتها بمجرد وجودها داخل نظام معلوماتي، وإنما من خلال سلامة المسار الذي أنتجها وحفظها ونقلها.

رابعا: البحث المالي الموازي وتوسيع مجال التحري
يُعد البحث المالي الموازي من أبرز المستجدات التي تعكس تحول السياسة الجنائية نحو استهداف البنية الاقتصادية للجريمة.

فالمواد 40-1 و49-1 و57 تتيح إجراء أبحاث مالية لتحديد الأموال والممتلكات والمتحصلات ومصادرها وعلاقتها بالجريمة.

كما تسمح المقتضيات ذات الصلة بالحجز على العائدات الإجرامية وفق الشروط القانونية، مع مراعاة حقوق الغير حسن النية.

وهنا يطرح سؤال جوهري حول مدى امتداد البحث المالي: هل يظل مرتبطاً حصراً بالأموال التي توجد صلة موضوعية بينها وبين الجريمة، أم يمكن أن يتحول إلى بحث واسع في الوضعية المالية للمشتبه فيه؟

فالقاعدة الإجرائية تقتضي وجود علاقة بين الإجراء وموضوع البحث، ولذلك ينبغي أن يظل البحث المالي محكوماً بمبدأي الضرورة والتناسب، وألا يتحول إلى فحص شامل للذمة المالية خارج نطاق الجريمة موضوع البحث.

والأمر هنا يتعلق بتحول مهم في فلسفة البحث الجنائي: ملاحقة الجريمة من خلال عائداتها المالية، مع ضرورة منع تحول تتبع المال إلى غاية مستقلة عن الفعل الجرمي.

خامسا: التفتيش الرقمي واتساع مفهوم الدليل

نظم القانون 03.23 التفتيش بصورة تستجيب لطبيعة البيئة الرقمية، خصوصاً من خلال المادة 59.

فأصبح نطاق التفتيش يشمل المعطيات والبرامج المعلوماتية، مع إمكانية حجز البيانات والأدلة الإلكترونية والآثار الرقمية، بما فيها المعطيات التي جرى حذفها ثم استرجاعها، وإحالة الأجهزة المحجوزة على مختبرات متخصصة لتحليلها وفق الضوابط القانونية.

كما حافظت المادة 62 على القاعدة المتعلقة بالتوقيت القانوني للتفتيش، مع الاستثناءات التي يقررها القانون.

غير أن التفتيش الرقمي يثير إشكالاً يتجاوز المسألة التقنية، يتعلق بنطاق الاطلاع على البيانات.

فالهاتف أو الحاسوب قد يتضمن كمية ضخمة من المعطيات الشخصية التي تتجاوز بكثير الجريمة موضوع البحث؛ وبالتالي، فإن الوصول المشروع إلى الجهاز لا يعني بالضرورة أن كل ما يوجد داخله مرتبط بالجريمة.

ومن هنا تبرز ضرورة تحديد نطاق البحث الرقمي، وفرز البيانات ذات الصلة، وحماية المعطيات التي لا علاقة لها بالجريمة، وضمان سلامة الدليل المستخرج.

إن التحدي الحقيقي أمام الشرطة القضائية لم يعد مجرد الوصول إلى الدليل، وإنما تمييز الدليل المشروع عن المعطى الذي تم الوصول إليه خارج النطاق القانوني للبحث.

سادسا: الحراسة النظرية بين مقتضيات البحث وضمانات الحرية

تظل الحراسة النظرية أكثر الإجراءات اتصالاً بالحرية الفردية، ولذلك أحاطها القانون بضمانات موضوعية وشكلية.

وقد أعادت المادة 66 وما يليها تنظيم مبررات اللجوء إليها، وربطتها بضرورات محددة، من بينها الحفاظ على الأدلة، وإنجاز إجراءات البحث، ومنع الفرار، ومنع الضغط على الشهود والضحايا، والحيلولة دون التواطؤ، ووضع حد للاضطراب الناتج عن الجريمة.

كما عزز القانون حقوق الشخص الموضوع تحت الحراسة النظرية، ومن بينها الاتصال بالمحامي ابتداء من الساعة الأولى وفق الشروط القانونية، وإشعار العائلة أو الشخص الذي يعينه، والاستفادة من الفحص الطبي عند الاقتضاء، فضلاً عن التسجيل السمعي البصري في الحالات المحددة قانوناً.

كما أصبح تمديد مدة الحراسة النظرية مرتبطاً بإذن كتابي معلل من النيابة العامة.

ويكشف هذا التنظيم عن انتقال مهم من تصور الحراسة النظرية كإجراء أمني إلى تصورها كإجراء قضائي شديد الحساسية، يخضع للضرورة والتعليل والرقابة.

وتبقى الإشكالية الأساسية مرتبطة بالتطبيق العملي: هل تكفي الضمانات التشريعية وحدها، أم أن فعاليتها الحقيقية تتوقف على جودة الممارسة، ودقة المحاضر، وصرامة الرقابة القضائية؟

سابعا: تقنيات البحث الخاصة… اتساع مجال المعرفة وتحدي الحياة الخاصة

أدخل القانون 03.23 تقنيات بحث ذات طبيعة استثنائية، من بينها الاختراق وفق المواد 82-3-1 إلى 82-3-6، والتحقق من الهوية وفق المواد 82-3-7 إلى 82-3-11، فضلاً عن التقاط وتثبيت وتسجيل الأصوات والصور وتحديد المواقع بموجب المواد 116-1 إلى 116-6.

وتتميز هذه التقنيات بقدرتها العالية على الوصول إلى معلومات يصعب تحصيلها بالوسائل التقليدية.

غير أن هذه القدرة تثير إشكالات دستورية وقانونية مرتبطة بالخصوصية والحياة الخاصة وحرية التواصل والتنقل.

ومن ثم، فإن مشروعية هذه الوسائل ترتبط باحترام شروط اللجوء إليها، وطبيعة الجرائم المشمولة بها، ومدة استعمالها، والجهة الآذنة بها، ونطاق المعلومات التي يمكن جمعها.

فكلما ارتفعت قدرة الدولة على الوصول إلى المعلومات، ارتفعت الحاجة إلى إحكام القيود التي تمنع استعمال هذه القدرة خارج الغاية التي أقرها القانون.

ثامنا: الإنابة القضائية… تنفيذ الإجراء ضمن حدود التفويض
تضطلع الشرطة القضائية بتنفيذ عدد من الإنابات القضائية وفق المواد 189 إلى 193، عندما يتعذر على قاضي التحقيق أو الجهة القضائية المختصة إنجاز بعض الإجراءات بنفسها.

غير أن الإنابة القضائية لا تمنح الضابط المنتدب اختصاصاً مطلقاً، وإنما تحدد له الإجراء المطلوب، ونطاقه، وشروط تنفيذه.

ومن ثم، فإن احترام حدود الإنابة يمثل شرطاً جوهرياً في سلامة الإجراء، كما تظل الأعمال المنجزة خاضعة لرقابة الجهة القضائية المنيبة.

وتتضح هنا قاعدة أساسية في القانون الإجرائي: الإنابة تنقل مهمة التنفيذ، ولا تنقل أصل الاختصاص.

خاتمة: قوة الشرطة القضائية تقاس بمشروعية وسائلها

أعاد القانون رقم 03.23 تشكيل جانب مهم من منظومة عمل الشرطة القضائية، سواء من خلال تطوير الأبحاث المالية، أو إدماج الوسائل الرقمية، أو تنظيم التفتيش الإلكتروني، أو توسيع تقنيات البحث الخاصة، أو إعادة ضبط الحراسة النظرية وضماناتها.

وهذا التطور يعكس محاولة تشريعية لمسايرة جريمة أصبحت أكثر تعقيداً، وأكثر قدرة على استعمال التكنولوجيا والمال والاتصال الحديث لإخفاء آثارها.

غير أن اتساع الاختصاصات يفرض بالضرورة ارتفاع مستوى المسؤولية؛ فكل صلاحية جديدة تحتاج إلى تأطير قانوني، وكل وسيلة تقنية تحتاج إلى ضمانة، وكل تقييد للحرية يحتاج إلى ضرورة وتناسب ورقابة.

وعليه، فإن جوهر المسطرة الجنائية الجديدة لا يكمن في منح الشرطة القضائية أدوات أكثر فحسب، وإنما في بناء منظومة تجعل النجاعة والشرعية متلازمتين، والبحث والدليل متكاملين، والسلطة والمسؤولية متقابلتين.

فالشرطة القضائية الناجعة ليست التي تجمع أكبر قدر من المعطيات، وإنما التي تستطيع تحويل المعطى إلى دليل، والدليل إلى حجة، والحجة إلى نتيجة قضائية، دون أن تهدر في الطريق ضمانات الشخص وحرمة القانون… لأن الحقيقة التي تُستخرج بإجراء معيب قد تفقد قيمتها لحظة وقوفها أمام القضاء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *