وجهة نظر

زمن الفراقشية: في العياء الإيديولوجي للأحزاب

زمن الفراقشية: في العياء الإيديولوجي للأحزاب

لم تكن السياسة في المغرب، في أكثر مراحلها توترا، خالية من الأفكار. فقد اختلف المهدي بن بركة وعلال الفاسي وعلي يعته وعبد الرحيم بوعبيد وعبد الله إبراهيم وعبد الرحمن اليوسفي وامحمد بوستة والفقيه البصري ومحمد بنسعيد آيت إيدر في المرجعيات والمواقف والتقديرات، لكنهم اشتركوا في شيء أصبح نادرا اليوم: كانوا ينتمون إلى السياسة بوصفها التزاما فكريا وأخلاقيا، ويحمل كل واحد منهم تصورا للدولة والمجتمع.

لم تكن قوة هؤلاء في المناصب التي شغلوها، بل في الأفكار التي دافعوا عنها، وفي قدرتهم على تأطير المجتمع وإنتاج المعنى وصناعة المواقف. كان الحزب مدرسة للتكوين، ومجالا للنقاش، ووسيلة لتنظيم المصالح الاجتماعية والتعبير عنها. وكانت الخلافات السياسية، على حدتها، تدور حول الاستقلال والديمقراطية والاشتراكية والعدالة الاجتماعية وتوزيع السلطة والثروة.

أما اليوم، فيبدو أننا نعيش زمنا مختلفا: زمن الفراقشية. والفراقشية هنا ليس مجرد وصف أخلاقي لأشخاص راكموا ثروات بطرق مشبوهة أو استعملوا السياسة لخدمة مصالحهم، بل هو تعبير عن تحول أعمق أصاب الحقل الحزبي. إنه انتقال السياسة من التنافس بين المشاريع إلى الصراع على المواقع والامتيازات، ومن تمثيل المجتمع إلى إدارة شبكات المصالح، ومن بناء المناضلين إلى استقطاب الأعيان، ومن البحث عن ثقة المواطنين إلى شراء الولاءات الانتخابية.

لقد دخلت الأحزاب السياسية مرحلة من العياء الإيديولوجي. لم تعد قادرة على إنتاج أفكار جديدة، ولا على تجديد قراءتها للمجتمع وتحولاته. وتشابهت برامجها إلى درجة يصعب معها العثور على حدود واضحة تفصل اليمين عن اليسار، والمحافظ عن التقدمي، والمدافع عن الدولة الاجتماعية عن المؤمن بتوسيع منطق السوق. وعندما تفقد الأحزاب أفكارها، تصبح مستعدة لاستعارة أي خطاب، والتحالف مع أي طرف، واستقطاب أي مرشح قادر على ضمان مقعد انتخابي.

لا يعني العياء الإيديولوجي انتهاء الحاجة إلى الأفكار، بل يعني عجز الأحزاب عن إنتاجها والدفاع عنها. فالمواطن ما يزال معنيا بالعدالة الاجتماعية، والتعليم العمومي، والصحة، والشغل، والضرائب، وتوزيع الثروة والسلطة. غير أن هذه القضايا تقدم غالبا في صورة شعارات عامة، من دون ربطها باختيارات اقتصادية واجتماعية واضحة أو بيان من سيؤدي كلفة هذه الاختيارات ومن سيستفيد منها.

في ظل هذا الفراغ، لم تعد التزكية تتويجا لمسار نضالي داخل الحزب، بل تحولت في حالات كثيرة إلى استثمار انتخابي. وأصبح المرشح المثالي هو من يملك المال أو النفوذ أو شبكة من العلاقات المحلية، حتى لو لم تكن له صلة بتاريخ الحزب وأفكاره. وقد ينتقل المرشح نفسه من حزب إلى آخر كما تنتقل سلعة بين الأسواق، لأن الانتماء لم يعد محكوما بالقناعة، بل بحسابات المواقع.

هكذا يتحول الحزب من مؤسسة سياسية إلى مقاولة انتخابية؛ تصبح القيادة فيها مجلسا لتدبير التزكيات، والمرشح مستثمرا، والناخب رقما، والمقعد غنيمة، والانتخابات موسما لإعادة توزيع النفوذ. وبعد انتهاء الموسم، تنقطع الصلة بالمواطنين إلى أن يحين موعد انتخابي جديد.

ولا تقتصر الأزمة على المال الانتخابي. فقد ساهمت الشعبوية بدورها في إفراغ السياسة من مضمونها، حين استبدلت النقاش العمومي الجاد بالعبارات المثيرة والمقاطع القصيرة والخصومات الشخصية. كما ساهمت التقنوقراطية في تصوير القضايا السياسية كأنها مسائل تقنية لا علاقة لها بالقيم والمصالح واختيارات المجتمع. وبين شعبوي يختزل السياسة في الفرجة، وتقنوقراطي يختزلها في الأرقام، يختفي السؤال الجوهري: أي مجتمع نريد، ولصالح من تمارس السلطة؟

وفي هذا السياق تصنع أحيانا ثنائيات حزبية وهمية، ويراد للمواطن أن يعتقد أن التنافس السياسي محصور بين قوتين متواجهتين، بينما لا تكشف الممارسة عن اختلاف جوهري بينهما في تصور الدولة أو الاقتصاد أو العدالة الاجتماعية. إنه صراع على قيادة المرحلة أكثر مما هو تنافس بين مشروعين مجتمعيين. والنتيجة هي تهميش بقية التعبيرات السياسية، وإضعاف التعددية، وتحويل الانتخابات إلى منافسة بين شبكات متشابهة في الوسائل والغايات.

لهذا يجد المغاربة أنفسهم مشدودين إلى مقاطع قديمة لقيادات وطنية من مشارب مختلفة. لا يتعلق الأمر بحنين بسيط إلى الماضي، ولا بالاعتقاد أن أولئك الزعماء كانوا بلا أخطاء. إن التفاعل مع خطب عبد الرحيم بوعبيد وامحمد بوستة ومحمد بنسعيد آيت إيدر وعلي يعته وغيرهم يعبر عن حنين إلى زمن كانت فيه للكلمة السياسية كلفة، وللموقف معنى، وللحزب ذاكرة وهوية.

كان الزعيم السياسي يتقوى بموقفه وبما يمثله داخل المجتمع، لا بحجم ثروته أو قربه من دوائر النفوذ. وكانت الاختلافات بين القيادات حقيقية، لكن حضورها في المجال العام كان يمنح السياسة مضمونا، ويفتح أمام المواطنين إمكانية الاختيار بين اتجاهات واضحة. أما اليوم، فقد أصبح التشابه هو القاعدة، حتى إن تغيير الانتماء الحزبي لا يقتضي من كثيرين تغيير الخطاب أو السلوك.

غير أن الأزمة لا تفسر فقط بغياب الزعماء. فالسياسة التي تنتظر الزعيم المنقذ هي بدورها سياسة مأزومة. المطلوب ليس استنساخ شخصيات الماضي، بل استعادة الوظائف التي جسدها حضورها: إنتاج الأفكار، وتكوين النخب، وتأطير المواطنين، وربط الممارسة بالقيم، وتحمل تبعات الموقف السياسي.

إن استعادة السياسة تبدأ بإعادة الاعتبار إلى الحزب باعتباره حاملا لمشروع مجتمعي، لا دكانا انتخابيا يوضع رهن إشارة الأعيان. وتقتضي دمقرطة التنظيمات من الداخل، وفتح المجال أمام الشباب والنساء والكفاءات، وضمان شفافية التزكيات والتمويل، وتحرير الانتخابات من سلطة المال، وبناء برامج قابلة للتنفيذ والتمويل والمحاسبة.

كما تقتضي أن تستعيد السياسة علاقتها بالمجتمع؛ فلا يمكن للأحزاب أن تظهر في المواسم الانتخابية ثم تختفي، ولا أن تتحدث باسم الفئات الاجتماعية من دون الإنصات إليها وتنظيم مطالبها. فحين تعجز المؤسسات الحزبية عن القيام بوظيفة الوساطة، يلجأ المواطنون إلى الاحتجاجات والتنسيقيات والتعبيرات الفردية والافتراضية، وتتسع الهوة بينهم وبين المؤسسات التمثيلية.

المغرب الذي لا نريده هو مغرب تختزل فيه الديمقراطية في صناديق تتحكم فيها شبكات المال والنفوذ، وتختزل فيه الأحزاب في مقاولات انتخابية، والمواطن في رقم، والمنتخب في وسيط للمصالح. أما المغرب الذي نريده فهو الذي تعود فيه السياسة شأنا عموميا، ويصبح فيه الحزب حاملا لمشروع لا حاملا للأعيان، وتستعيد فيه المؤسسات المنتخبة قدرتها على تمثيل المجتمع ومراقبة السلطة.

إن زمن الفراقشية ليس قدرا محتوما. لكنه سيستمر ما دامت السياسة بلا أفكار، والأحزاب بلا هوية، والانتخابات بلا تنافس حقيقي بين المشاريع. ولن تنتهي ظاهرة الفراقشية بمجرد استبدال وجوه بوجوه، بل باستعادة السياسة نفسها: باعتبارها صراعا ديمقراطيا حول توزيع السلطة والثروة والفرص، والتزاما أخلاقيا تجاه المجتمع، لا طريقا مختصرا نحو النفوذ والامتيازات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *