وجهة نظر

الائتلاف الحكومي في المغرب.. حين تتحول هندسة الحقائب إلى هندسة للنفوذ

في الأنظمة السياسية ذات التعددية الحزبية لا تبدأ معركة تشكيل الحكومة يوم إعلان أعضائها وإنما تبدأ منذ ظهور نتائج الانتخابات وما تفرزه من موازين جديدة للقوة السياسية. ففي تلك اللحظة تنتقل الأحزاب من منطق التنافس الانتخابي إلى منطق التفاوض الائتلافي ومن الدفاع عن البرامج الخاصة إلى البحث عن أرضية مشتركة تسمح بتشكيل أغلبية قادرة على ممارسة الحكم.

وفي الحالة المغربية تكتسي هذه المرحلة أهمية خاصة لأن تشكيل الحكومة لا يتعلق بمجرد جمع عدد كاف من المقاعد داخل البرلمان وإنما يتعلق أيضاً ببناء هندسة سياسية ومؤسساتية قادرة على تحويل الأغلبية الانتخابية إلى أغلبية حكومية وتحويل هذه الأخيرة إلى قدرة فعلية على إنتاج السياسات العمومية والبرامج الانتخابية.

ومن هنا فإن السؤال الذي يستحق أن يطرح ليس فقط: من سيدخل الحكومة؟ ومن سيحصل على هذه الوزارة أو تلك؟ وإنما سؤال أكثر عمقا: كيف تهندس السلطة التنفيذية داخل الائتلاف؟ وهل يتم توزيع الحقائب وفق منطق البرامج والكفاءة، أم وفق منطق التوازنات ومراكز النفوذ؟

أولا: الائتلاف ليس مجرد جمع للأحزاب

غالبا ما يختزل الائتلاف الحكومي في عدد الأحزاب المشاركة فيه وكأن قوة الحكومة تقاس بحجم الأغلبية التي تقف وراءها غير أن هذا التصور وإن كان مهماً من الناحية العددية، لا يكفي لفهم طبيعة السلطة التنفيذية. فقد تكون الحكومة مكونة من عدة أحزاب لكنها تعمل بمنطق سياسي واحد، وقد تكون مكونة من عدد محدود من الأحزاب لكنها تعاني من تعدد مراكز القرار وتضارب الأولويات.

وهنا ينبغي التمييز بين الأغلبية العددية والأغلبية البرنامجية.

الأغلبية العددية تجيب عن سؤال: هل تمتلك الحكومة ما يكفي من الدعم البرلماني؟

أما الأغلبية البرنامجية فتجيب عن سؤال أكثر أهمية: هل تستطيع هذه الأحزاب أن تتفق على تصور موحد لتدبير المرحلة الحكومية؟

والفارق بين السؤالين هو الفارق بين حكومة تستطيع الحصول على الثقة وحكومة تستطيع ممارسة الحكم بانسجام. فالائتلاف الناجح ليس بالضرورة ذلك الذي يجمع أكبر عدد من الأحزاب، وإنما ذلك الذي يستطيع تحويل اختلافاته السياسية إلى توافقات برنامجية قابلة للتنفيذ.

ثانيا: من البرنامج إلى الحقيبة

في المنطق الديمقراطي يفترض أن يكون البرنامج الحكومي هو نقطة الانطلاق في توزيع المسؤوليات لا نتيجة جانبية للتفاوض حول المناصب فالأحزاب تدخل الانتخابات ببرامج مختلفة وقد تكون بينها اختلافات في الرؤية الاقتصادية والاجتماعية والمؤسساتية لكن عندما تدخل في مفاوضات تشكيل الحكومة يصبح مطلوبا منها أن تنتقل من البرنامج الحزبي إلى برنامج حكومي مشترك وهنا ينبغي أن يتغير منطق التفاوض وموقع التفاوض وحاجيات التفاوض.

فبدلا من أن يبدأ السؤال بـ”ما هي الوزارة التي سيحصل عليها كل حزب؟”و ينبغي أن يبدأ بـ”ما هي الأولويات التي ستلتزم بها الحكومة؟” ثم يأتي السؤال الثاني: ما هي القطاعات والمؤسسات اللازمة لتنفيذ هذه الأولويات؟ ثم السؤال الثالث: من يمتلك الكفاءة والقدرة السياسية والتدبيرية لتحمل مسؤولية تنفيذها؟

وبذلك تصبح المعادلة:

البرنامج يحدد الأولوية والأولوية تحدد المسؤولية والمسؤولية تحدد الوزارة والكفاءة تحدد الشخص.

أما إذا انعكست المعادلة وأصبحت الوزارة هي نقطة البداية فقد تتحول الحكومة إلى مجرد نتيجة للتفاوض الحزبي بدل أن تكون أداة لتنفيذ برنامج سياسي.

ثالثا: الحقيبة الوزارية ليست متساوية في القيمة السياسية

قد يبدو توزيع الحقائب الوزارية مسألة عددية لكن التحليل السياسي يكشف أن قيمة الوزارة لا تقاس بعددها وإنما بحجم الموارد والصلاحيات التي تملكها فوزارة تدير ميزانية ضخمة ليست كوزارة محدودة الموارد ووزارة ترتبط مباشرة بالاستثمار أو الاقتصاد أو المالية ليست كوزارة ذات مجال تدبيري أضيق كما أن بعض القطاعات تمتلك قدرة أكبر على التأثير في القرار الاقتصادي والاجتماعي والترابي بينما تمتلك قطاعات أخرى تأثيرا أكبر في إنتاج الرمزية السياسية أو إدارة العلاقات مع الفاعلين الاجتماعيين.

ولهذا فإن السؤال السياسي لا ينبغي أن يكون:

كم حقيبة حصل عليها الحزب؟

بل:

ما هي الحقائب التي حصل عليها؟ وما حجم الموارد والصلاحيات التي تتيحها؟ وأين يوجد الحزب داخل خريطة صناعة القرار الحكومي؟

وهنا ننتقل من مفهوم توزيع الحقائب إلى مفهوم أكثر دقة هو هندسة النفوذ داخل السلطة التنفيذية.

رابعا: الوزارة: مسؤولية وليست مكافأة

الوزارة في الدولة الحديثة ليست موقعا بروتوكوليا ولا جائزة سياسية للحزب الذي يدخل الائتلاف إنها مسؤولية عمومية ترتبط بقطاع محدد وميزانية وموارد بشرية وبرامج والتزامات أمام البرلمان والرأي العام، ومن ثم فإن إسناد الوزارة ينبغي أن يخضع لمعادلة تجمع بين التمثيلية السياسية والكفاءة والقدرة على التنفيذ.

فالوزير وإن جاء من حزب سياسي لا يصبح وزيرا للحزب وحده وإنما يصبح عضوا في حكومة يفترض أن تعمل بمنطق التضامن والمسؤولية الجماعية وهنا يظهر أحد أهم اختبارات الائتلاف الحكومي: هل يستطيع الوزير أن ينتقل من تمثيل البرنامج الحزبي إلى تحمل المسؤولية الحكومية؟

خامسا: الوزارة المنتدبة: تخصص أم إعادة توزيع للنفوذ؟

تطرح الوزارة المنتدبة بدورها سؤالا مؤسساتيا مهما فهي قد تكون أداة ضرورية عندما يكون القطاع واسعا ومتعدد الاختصاصات أو عندما يحتاج ملف استراتيجي إلى مسؤولية سياسية أكثر تخصصا ولكنها قد تصبح مصدر إشكال عندما تتداخل الاختصاصات بين الوزير والوزير المنتدب فالتخصص الإداري مطلو، لكن التخصص لا ينبغي أن ينتج ازدواجية في القرار ومن هنا فإن إنشاء وزارة منتدبة ينبغي أن يرتبط بحاجات حقيقية في السياسة العمومية لا بمجرد الرغبة في استيعاب توازنات الائتلاف.

فالقاعدة التي ينبغي أن تحكمها هي:

اختصاص واضح مهمة محددة مسؤولية قابلة للقياس.

سادسا: الوزير بحقيبة والوزير بدون حقيبة

أما مفهوم الوزير بدون حقيبة فيمكن أن يكون أداة مؤسساتية ذات أهمية عندما يرتبط بملف أفقي أو بمهمة تنسيقية تتجاوز حدود وزارة واحدة فالسياسات العمومية الحديثة لم تعد دائما قابلة للتقسيم الصارم بين القطاعات فالتحول الرقمي على سبيل المثال يتقاطع مع الإدارة والاقتصاد والتعليم والصحة والمالية، كما أن السياسات الاجتماعية تتطلب تنسيقا بين عدة قطاعات ومن هنا يمكن أن تكون المسؤولية الوزارية بدون حقيبة ذات قيمة عندما تستجيب لوظيفة حكومية واضحة،ولكن الإشكال يبدأ عندما يتحول المنصب إلى الية للتوازن السياسي أو لتعويض حزب عن حقيبة لم يحصل عليها  وفي هذه الحالة يصبح المنصب أقرب إلى هندسة سياسية منه إلى هندسة إدارية.

لذلك ينبغي أن يكون لكل مسؤول حكومي بحقيبة أو بدون حقيبة ملف واضح اختصاص محدد وأهداف قابلة للتقييم.

سابعا: التفاوض الحزبي: ضرورة أم محاصصة؟

لا يمكن تصور حكومة ائتلافية دون تفاوض فالتفاوض جزء أصيل من السياسة، والاختلاف بين الأحزاب يجعل التوافق ضرورة وليس استثناء لكن المشكلة ليست في التفاوض، وإنما في موضوع التفاوض غير ان هناك فرق بين أن تتفاوض الأحزاب حول كيفية تنفيذ برنامج مشترك وبين أن تتفاوض حول عدد المناصب التي سيحصل عليها كل طرف.

  • في الحالة الأولى نحن أمام تفاوض على المسؤولية.
  • وفي الحالة الثانية نقترب من تفاوض على النفوذ.
  • والفرق بينهما ليس لغويا وإنما مؤسساتي وسياسي.
  • فالائتلاف الذي يتفاوض على البرامج يضع الحكومة أمام المواطنين.

أما الائتلاف الذي يتفاوض على المناصب فقط فقد يجعل الحكومة أسيرة التوازنات الداخلية بين مكوناتها.

ثامنا: رئيس الحكومة ومهمة هندسة الائتلاف

هنا تبرز أهمية موقع رئيس الحكومة باعتباره ليس فقط رئيساً للجهاز التنفيذي وإنما أيضا مهندسا للتوازنات داخل الأغلبية فنجاح رئيس الحكومة لا يقاس فقط بقدرته على تشكيل الحكومة وإنما بقدرته على إدارة الاختلاف داخله ومنع تحول القطاعات الوزارية إلى مراكز نفوذ منفصلة فالحكومة لا يمكن أن تكون مجموعة وزارات تعمل كل واحدة منها بمنطقها الخاص هناك حاجة إلى مركز سياسي قادر على تحديد الأولويات وتنسيق السياسات وحسم التداخلات وضمان انسجام القرار العمومي وبقدر ما يستطيع رئيس الحكومة تحقيق هذا الانسجام تتحول الأغلبية من مجرد ائتلاف انتخابي إلى فريق حكومي قادر على الحكم.

تاسعا: بين الولاء الحزبي والتضامن الحكومي

يواجه الوزير داخل الحكومة معادلة سياسية دقيقة فهو من جهة ينتمي إلى حزب له برنامج وهوية وقاعدة انتخابية ومن جهة أخرى أصبح جزءا من حكومة لها برنامج مشترك ومن هنا يظهر التوتر بين:

  • الالتزام الحزبي بالبرنامج الانتخابي
  • الالتزام الحكومي بالبرنامج المشترك

ولا يمكن حل هذا التوتر بإلغاء الهوية الحزبية وإنما من خلال بناء قواعد واضحة للائتلاف فالحزب يحتفظ بهويته، لكنه يلتزم بالبرنامج الذي وافق عليه عندما دخل الحكومة والوزير يحتفظ بانتمائه السياسي، لكنه يتحمل في الوقت ذاته مسؤولية القرار الحكومي الجماعي وهذه هي قاعدة التضامن الحكومي التي تمنع تحول الحكومة إلى مجموعة جزر سياسية.

عاشرا: من المحاصصة إلى عقلنة السلطة التنفيذية

إن النقاش حول تشكيل الحكومة ينبغي ألا ينحصر في عدد الوزارات أو أسماء الوزراء إنه في جوهره نقاش حول كيفية عقلنة السلطة التنفيذية فكل وزارة تعني جهازا إداريا وميزانية وموارد بشرية واختصاصات وكل تداخل في الاختصاصات يمكن أن ينتج كلفة إضافية في القرار العمومي لذلك فإن الحكومة الفعالة ليست الحكومة الأكثر عددا وإنما الحكومة التي تتلاءم بنيتها مع وظائفها.

وهذا يقتضي طرح سؤال بسيط لكنه حاسم: هل نحتاج فعلا إلى هذه الوزارة؟ ثم: هل نحتاج إلى وزارة منتدبة؟ ثم: هل توجد مهمة حقيقية تبرر وجود وزير بدون حقيبة؟

إذا كانت الإجابة نعم فينبغي أن تكون الوظيفة محددة والنتيجة قابلة للقياس، أما إذا كان الدافع الوحيد هو استكمال التوازنات السياسية فإن هندسة الحكومة قد تتحول إلى عبء على الحكامة بدل أن تكون أداة لتحسينها.

أحد عشر: نحو ائتلاف تفاوضي مشروط

لذلك ربما يكون النموذج الأكثر واقعية للمشهد المغربي هو الائتلاف التفاوضي المشروط لا يتعلق الأمر بإلغاء التفاوض السياسي، وإنما بجعله أكثر مؤسساتية ويبدأ ذلك من اتفاق الأحزاب على الأولويات الوطنية ثم توحيد البرامج ثم تحديد الإصلاحات الكبرى وبعد ذلك توزيع المسؤوليات والحقائب وفقا للقدرة على التنفيذ.

وبذلك يصبح التفاوض قائما على خمسة مستويات:

  • أولا التوافق على الرؤية.
  • ثانيا: التوافق على البرنامج.
  • ثالثا: التوافق على توزيع الاختصاصات.
  • رابعا: اختيار الكفاءات لتحمل المسؤوليات.
  • خامسا: ربط المسؤولية بالنتائج والمحاسبة.

وهذا النموذج يسمح بالحفاظ على التعددية الحزبية دون تحويل الحكومة إلى فضاء للمساومة المستمرة.

اثنا عشر: السؤال الحقيقي: من يحكم أم كيف يُحكم؟

في نهاية المطاف لا تكمن قيمة الائتلاف الحكومي في عدد الأحزاب التي تشكله ولا في عدد الوزارات التي يتم توزيعها بينها القيمة الحقيقية تكمن في القدرة على تحويل التوافق السياسي إلى قدرة على الحكم، فالمواطن لا يصوت من أجل أن يرى خريطة جديدة للحقائب الوزارية، وإنما من أجل أن يرى أثرا ملموسا للسياسات العمومية على حياته اليومية ومن ثم ينبغي أن يحكم النقاش السياسي ليس:

من سيأخذ الحقيبة؟ وإنما: ماذا سيفعل بهذه الحقيبة؟ وليس: كم وزارة سيحصل عليها كل حزب؟ وإنما: ما حجم المسؤولية التي سيتحملها كل حزب تجاه البرنامج الحكومي؟

وهنا يتحول الائتلاف من مجرد عملية حسابية للأغلبية إلى هندسة سياسية للقرار العمومي.

إن المغرب لا يحتاج فقط إلى حكومة تستطيع جمع الأصوات داخل البرلمان، وإنما إلى حكومة تستطيع جمع السياسات داخل رؤية واحدة وتنسيق القطاعات داخل استراتيجية مشتركة وربط السلطة بالمسؤولية والقرار بالنتيجة. فالوزارة ليست ملكا للحزب والحقيبة ليست مكافأة انتخابية والوزارة المنتدبة ليست مساحة إضافية للمحاصصة والوزير بدون حقيبة ليس مجرد رقم في تركيبة الحكومة.

كل موقع حكومي هو تفويض مؤسساتي وكل تفويض مسؤولية وكل مسؤولية ينبغي أن تكون قابلة للتقييم والمحاسبة.

ومن هنا فإن معيار نجاح أي ائتلاف حكومي لا ينبغي أن يكون مقدار ما حصل عليه من الحقائب، بل مقدار ما استطاع أن يحققه من نتائج.

وهذه هي النقلة التي يحتاجها التفكير في الائتلاف الحكومي: الانتقال من هندسة المناصب إلى هندسة المسؤوليات ومن توزيع النفوذ إلى صناعة القرار ومن التوافق على من يحكم إلى التوافق على كيف يحكم.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *