أدب وفنون

الروخ: معالجة اختلالات السينما شرط لبناء صناعة حقيقية.. وتطوير القطاع استثمار سيادي

يرى حسن الروخ، أستاذ التعليم العالي بجامعة محمد الخامس بالرباط والفاعل الجمعوي في المجال الثقافي والفني، أن المغرب يقف أمام منعطف جديد في مسار بناء صناعة سينمائية وطنية متكاملة، مع دخول القانون رقم 18.23 المتعلق بالصناعة السينمائية وإعادة تنظيم المركز السينمائي المغربي حيز التنفيذ، مؤكدا أن تحويل هذا الإطار التشريعي إلى صناعة حقيقية يظل رهينا بتجاوز اختلالات هيكلية مرتبطة بالتمويل والتوزيع والتكوين والحكامة.

وقال الروخ إن الساحة الثقافية المغربية تشهد تحولا يهدف إلى إعادة ترتيب البيت السينمائي الوطني وفق منطق “اقتصاديات الفن الحديث”، موضحا أن المقاربة السينمائية لم تعد -في نظره- تتوقف عند تنظيم المهرجانات أو إنتاج أفلام تستفيد من الدعم العمومي، وإنما أصبحت الحاجة ملحة إلى بناء “منظومة سينمائية وثقافية مندمجة” تسهم في الناتج المحلي الإجمالي، وتخلق فرص شغل مستدامة، وتعزز القوة الثقافية والإبداعية للمغرب.

وأضاف الروخ في تصريح لجريدة “العمق”، أن دخول القانون 18.23 حيز التنفيذ يمثل إحدى اللبنات التشريعية لهذا التحول، غير أن نجاحه يتطلب -بحسبه- مطابقة دقيقة للمعايير الإجرائية وتجاوز الاختلالات التي طبعت القطاع السينمائي لعقود، خصوصا في مجالات التمويل والتوزيع والحكامة.

تنظيم المهنة وضبط سوق الإنتاج

يضع حسن الروخ تنظيم المهنة وتأطيرها في مقدمة الشروط الضرورية لبناء صناعة سينمائية حقيقية، معتبرا أن السوق لم يعد يحتمل العشوائية التي طبعت جزءا من سوق الإنتاج.

وأشار إلى أن الإطار القانوني الجديد يشترط حدا أدنى لرأسمال شركات الإنتاج الوطنية، يصل إلى 300 ألف درهم بالنسبة للشركات ذات المسؤولية المحدودة و500 ألف درهم بالنسبة لشركات المساهمة، معتبرا أن هذا المقتضى لا ينبغي النظر إليه باعتباره عائقا أمام الشركات الصغرى، وإنما كآلية لغربلة السوق وتأسيس كيانات اقتصادية ذات مصداقية مالية قادرة على تدبير ميزانيات إنتاج مهمة.

وعلى مستوى العنصر البشري، اعتبر الروخ أن ضبط الحصول على البطاقة المهنية في القطاع السينمائي يشكل آلية لضمان حقوق الممارسين والمهنيين الحقيقيين، وإدماجهم في منظومة التغطية الاجتماعية والحماية المهنية.

كما توقف عند المقتضيات المرتبطة بأطقم العمل الأجنبية والمحلية، مشيرا إلى أن إلزام شركات الإنتاج بنسب محددة من التقنيين والمتدربين المغاربة يمكن أن يساهم في نقل الخبرات الدولية وبناء كفاءات محلية قادرة على المنافسة في السوق الدولية.

التمويل.. من الدعم العمومي إلى الاستثمار

وفي ما يتعلق بتمويل الإنتاج السينمائي، يرى الروخ أن السينما الوطنية تعتمد بشكل كبير على آلية “التسبيقات على المداخيل” التي يقدمها المركز السينمائي المغربي، وهي آلية -بحسبه- تحافظ على الرصيد الفني للسينما المغربية، لكنها “غير كافية وغير مجدية” لوحدها في بناء صناعة مستدامة.

ودعا في هذا السياق إلى تعزيز آليات التمويل بضوابط أكثر شفافية واستقلالية، مع إشراك الفاعلين الاقتصاديين والمهنيين والمؤسسات الشريكة، بما يسمح بتأسيس نموذج تمويلي قادر على الانتقال بالسينما من منطق الدعم إلى منطق الاستثمار.

ويقترح الروخ، ضمن هذا التصور، نموذجا تمويليا هجينا يقوم على مسارين، يتعلق الأول بالإنتاج المحلي، من خلال ربط الدعم العمومي بمعايير الحكامة والجودة الفنية والالتزام بجدول توزيع واضح ومحدد مسبقا، إلى جانب البحث عن صناديق استثمار خاصة ورعايات من القطاع البنكي، بما يجعل السينما مجالا استثماريا وترويجيا قابلا للحياة.

أما المسار الثاني، فيرتبط بالاستقطاب الدولي، حيث دعا إلى استثمار آلية التحفيز المالي المعروفة بـ”Cash Rebate”، والتي تصل نسبة الاسترجاع فيها إلى 30 في المائة من الاستثمارات الأجنبية المنجزة بالمغرب.

ويرى أن هذا التوجه لا يقتصر على جلب العملة الصعبة، بل يساهم أيضا في رفع الجاهزية التقنية لشركات تنفيذ الإنتاج المحلية، وتحويل مدن مثل ورزازات والداخلة وطنجة إلى منصات تصوير عالمية دائمة.

أزمة القاعات والتوزيع تهدد دورة الإنتاج

يعتبر الروخ أن البنية التحتية للعرض تمثل “حجر الزاوية” في المنظومة السينمائية، محذرا من استمرار المفارقة القائمة بين ارتفاع حجم الإنتاج السينمائي الوطني والتراجع الحاد في عدد القاعات السينمائية التقليدية.

ولتجاوز هذه المعضلة، يقترح تسريع رقمنة وتوسيع شبكات العرض، وافتتاح المزيد من القاعات المركبة بالقرب من المراكز الحضرية، إلى جانب تفعيل قاعات العرض السينمائية داخل المراكز الثقافية التي أنشأتها الدولة في المدن الصغرى والمتوسطة والمراكز الحضرية والقروية.

وأضاف المتحدث أن هذه القاعات يمكن أن تفتح أمام القطاعين العام والخاص بدعم من الدولة، بما يساهم في نشر الثقافة السينمائية والتحسيس بأهمية تأسيس قاعات لسينما القرب.

كما دعا إلى تفعيل المقتضيات التنفيذية المتعلقة بالحصص الوطنية، من خلال إلزام القاعات ببرمجة الأفلام المغربية لمدد دنيا محددة سنويا، مع إمكانية تخصيص شاشة كاملة للأفلام الوطنية داخل المجمعات متعددة الشاشات.

ويرى الروخ أن هذه الإجراءات ينبغي أن تواكبها منظومة للشباك الموحد والتذاكر الإلكترونية، تكون مرتبطة بالمركز السينمائي المغربي، بهدف ضمان شفافية المداخيل وحماية حقوق المؤلف والمنتج، فضلا عن تتبع واسترجاع الدعم الممنوح في إطار التسبيق على المداخيل.

التكوين.. فجوة بين المعاهد وحاجات السوق

وفي مجال التكوين، يشدد الروخ على ضرورة معالجة الفجوة القائمة بين التكوين الأكاديمي واحتياجات سوق الشغل، معتبرا أن البيئة السينمائية الحديثة تحتاج إلى موارد بشرية مؤهلة في تخصصات مرتبطة مباشرة بالصناعة.

وتطرق في هذا السياق إلى المعهد العالي لمهن السمعي البصري والسينما، الذي ما يزال -بحسب تقييمه- يعاني من إشكالات مرتبطة بالتدبير والحكامة منذ تأسيسه، فضلا عن عدم ملاءمة بعض برامجه مع حاجات سوق الشغل وابتعاده عن القطاع السينمائي.

وقال إن “ضبابية التكوينات والمسالك” جعلت بعضها يميل أكثر نحو الإعلام والتواصل بدل الإبداع والصناعة السينمائية، معتبرا أن ذلك يرتبط أيضا بطريقة تدبير وإدارة المعهد من طرف الوزارة الوصية.

وبالنسبة إلى المعاهد المتخصصة، يبرز الروخ الحاجة إلى تعزيز التكوين في مجالات الدعم اللوجستي، والخدع البصرية “VFX”، والتوضيب الرقمي وما بعد الإنتاج “Post-Production”، وهي تخصصات يرى أنها لا تزال تعاني من خصاص يدفع الإنتاجات إلى الاستعانة بتقنيين أجانب أو بخريجين من مؤسسات تعليمية خارج المغرب.

المنصات الرقمية تفرض إعادة التفكير في التوزيع

لا يفصل حسن الروخ بناء صناعة سينمائية حديثة عن التحولات التي أحدثتها منصات البث الرقمي العالمية، داعيا إلى التكيف مع هيمنة هذه المنصات عبر صياغة شراكات في الإنتاج والتوزيع.

ويرى أن هذه الشراكات يمكن أن تفتح أمام الأفلام المغربية أسواقا إقليمية ودولية، وتمنحها فرصا أوسع للوصول إلى الجمهور خارج المغرب، دون الارتهان بشكل كامل لقنوات التوزيع التقليدية.

ويخلص الروخ إلى أن إرساء صناعة سينمائية وثقافية بالمغرب “ليس ترفا فكريا أو خيارا هامشيا”، وإنما استثمار استراتيجي يتقاطع فيه الثقافي بالاقتصادي والسيادي، معتبرا أن النصوص القانونية الجديدة وإعادة تنظيم المركز السينمائي المغربي تمثل “الخطوة الأولى” على هذا المسار.

غير أن التحدي الحقيقي -وفق تصوره- يظل مرتبطا بمدى قدرة مختلف المهنيين والفاعلين والمؤسسات الحكومية والاقتصادية على تحويل هذه المقتضيات القانونية إلى سياسات عملية، قادرة على بناء منظومة سينمائية متكاملة لا تكتفي بالإنتاج، وإنما تمتد إلى التمويل والتكوين والتوزيع والاستثمار والعرض، بما يجعل السينما قطاعا منتجا للقيمة وفرص الشغل، وليس فقط مجالا للدعم الثقافي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *