وجهة نظر

حين يبتلع الرمز الفرد: صناعة الاستلاب في السياسة والدين والرقمنة 

الولاء، في بنيته العميقة، ليس مجرد إحساس بالانتماء، بل يتحوّل إلى تقنية حكم حين يُعاد تشكيله كطاعة تُبرّر نفسها بذاتها. ففي اللحظة التي يتخلى فيها الفرد عن استقلاله الداخلي، يصبح الولاء قناةً لإعادة إنتاج السلطة داخل الجماعة، ويغدو الذوبان في الرمز أو القيادة آليةً لضبط السلوك السياسي وتوجيهه. هذا ما التقطه أورويل في وصفه للتابع الذي يخضع بلا تمييز، وما نبّه إليه فروم حين رأى أن الاستلاب هو انمحاء الذات داخل سلطة أعلى تُعيد تشكيل الإرادة وفق مصالحها.

ينشأ القطيع من لحظة دقيقة يتراجع فيها التفكير لصالح الانفعال، وينقلب فيها الولاء من انتماء واعٍ إلى انقياد يستمد منطقه من ذاته. فعندما تتحوّل الطاعة إلى ممارسة لا تحتاج إلى تعليل، يصبح التفكير فائضًا عن الحاجة، ويغدو الانصياع مصدرًا لطمأنينة نفسية تُعفي الفرد من عناء التمييز. هنا تتقاطع رؤية أورويل حول “الذات المراقَبة” مع تحليل فروم للذات التي تتخلى عن استقلالها بحثًا عن يقين خارجي، فيتحوّل الولاء إلى بديل عن الوعي، ويُستبدل التحليل بامتثالٍ يُخدّم السلطة دون مساءلة.

ومع تراكم هذا الانقياد تتبلور بنية نفسية‑سياسية أعمق، حيث يبدأ الفرد في التخلّي التدريجي عن حدوده الداخلية، فيذوب في الجماعة كما لو كانت ذاتًا بديلة. وهنا يتجاوز الولاء كونه علاقة بين فرد ورمز، ليغدو عملية امّحاء بطيئة للذات داخل سلطة أعلى تُغري الفرد بأن يكون جزءًا منها أكثر مما تُغريه بأن يكون ذاته. ومع تراكم حالات الامّحاء هذه، تتشكّل بنية جماعية تُنتج قطيعًا سياسيًا يُدار ولا يفكّر، وتتحوّل الطاعة إلى مورد سلطوي يُستخدم لضبط المجال العام.

يتجلّى هذا التحوّل بوضوح في النموذج السياسي الذي تشكّل حول عبد الإله بنكيران، وهو نموذج لا ينفصل عن خلفيته الحركية؛ إذ يمثّل انتقالًا من الإسلام الحركي إلى الإسلام السياسي، حيث أكلت السياسة العقيدة، وتحوّل الرمز الدعوي إلى رمز سلطوي. في هذا الانتقال لم يعد الولاء مجرد انتماء تنظيمي، بل أصبح آلية تُعيد تشكيل علاقة الجمهور بالزعيم: الخطاب الارتجالي، تحويل الأخطاء إلى مادة شعبية، تضخيم صورة الزعيم عند كل ضعف، تعطيل النقد الداخلي، وتقديم “المظلومية” كأداة تعبئة. هكذا يتحوّل الانتماء إلى ولاء، والولاء إلى انقياد، والانقياد إلى استلاب، فيغدو المناضل أداة تُساق لا ذاتًا تفكّر.

ويتعزز هذا الانزلاق حين يُقدَّم الدين للجمهور كطقس مغلق لا كأفق للتساؤل. فحين يتحوّل الخطاب الديني إلى جهاز تعبئة، يصبح الولاء بديلاً عن الفهم، ويغدو الاستلاب جزءًا من الهوية الجماعية. وهنا تتشابه البنية بين حزب بنكيران وبعض الحركات الإسلامية: الرمز المغلق، الطاعة، تعطيل النقد، وتبرير الانصياع عبر خطاب أخلاقي أو ديني.

وتظهر خطورة هذه البنية حين ينهار الرمز، كما حدث في حالة طارق رمضان، حيث انهار المعنى عند بعض أتباعه لأن إيمانهم كان قائمًا على ذوبان في الشخص لا على مساءلة الفكرة. فالولاء كان بديلاً عن التفكير، والاستلاب كان بديلاً عن الذات، ولذلك ينهار القطيع حين يسقط الرمز الذي كان يختزل الجماعة في صورته.

وفي الزمن الرقمي تتخذ هذه البنية شكلًا أكثر تعقيدًا. لم يعد الرمز محتاجًا إلى حضور مادي؛ فقد يكفي مقطع قصير أو بث مباشر ليصبح مركز ولاء. التفاعل المغلق يتحوّل إلى طقس يعيد إنتاج القناعات بلا نقد. وهنا يظهر ما وصفه بودريار: محاكاة بلا أصل، حيث يحلّ الرمز الافتراضي محلّ الحقيقة، ويُنتج قطيعًا من المتفاعلين لا من المفكرين. إنها نسخة رقمية من عالم أورويل، ولكن بلا “أخ أكبر” واحد؛ بل بجمهور يراقب نفسه بنفسه.

هذه البنية لا تُصنع صدفة، بل عبر آليات سياسية واضحة: إعادة تعريف الانتماء بوصفه ولاءً لا علاقةً، تحويل الطاعة إلى معيار للشرعية داخل الجماعة، وتفريغ المجال العام من النقد لصالح ولاء يُعاد إنتاجه كشرط للوجود السياسي. وهكذا يصبح القطيع ليس نتيجة ضعف فردي، بل نتاج هندسة سياسية تُعيد تشكيل العلاقة بين الفرد والسلطة، وتحوّل الانقياد إلى تقنية إدارة، والامّحاء إلى حجر أساس لبناء تجمع بشري يُقاد من مركز السلطة ولا يُنتج وعيًا مستقلًا.

إن التحرر من هذه البنية لا يكون برفض التجمعات البشرية أو الجماعات في ذاتها، بل بإعادة بناء أي إطار يجمع الأفراد—سواء كان دينيًا أو سياسيًا أو أيديولوجيًا أو ثقافيًا—على أسس تمنع الاستلاب: دستور داخلي يلزم القيادة بالمراجعة، وحق للأقلية في الاعتراض دون إقصاء، وفصل بين الرمز والإدارة حتى لا يتحوّل الولاء إلى قداسة، وتحويل النقد إلى مؤسسة لا إلى فضيلة فردية. بهذه الآليات فقط ربما نستطيع أن ننتقل من قطيع يُساق إلى أفراد قادرين على التفكير داخل أي جماعة؛ غير أن هذه الآليات وحدها لا تكفي لضمان النجاة من صناعة القطيع، فالخروج من دائرتها يتطلّب وعيًا جماعيًا يقظًا لا مجرد إجراءات تنظيمية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *