قانون المحاماة ومعركة استقلال العدالة: من النضال المهني إلى الأفق الديمقراطي

تفرض اللحظة السياسية والحقوقية التي أعقبت نشر قانون تنظيم مهنة المحاماة في الجريدة الرسمية قراءة نقدية تتجاوز منطق التدافع الظرفي والحسابات الفئوية، نحو مساءلة أعمق لطبيعة التوازنات السياسية والمؤسساتية التي تحكم صناعة التشريع، ولحدود البناء الديمقراطي القائم. فالمسألة لا تختزل في خلاف مهني بين المحامين ووزارة العدل، ولا في مواجهة عابرة حول مقتضيات قانونية بعينها، وإنما تتصل بسؤال جوهري يتعلق باستقلال السلطة القضائية، ومكانة الدفاع داخل منظومة العدالة، وحدود تدخل السلطة التنفيذية في تدبير هذا المجال، فضلاً عن طبيعة العلاقة بين المؤسسات المنتخبة والمجتمع والقوى المهنية والمدنية.
إن الدفاع عن المؤسسة التشريعية، من منظور ديمقراطي تقدمي، لا يعني بأي حال إضفاء القداسة على برلمان لا يخلو من اختلالات عميقة، سواء على مستوى المشاركة السياسية، أو بفعل ارتفاع نسب العزوف الانتخابي، أو تأثير المال في العملية الانتخابية، أو محدودية التمثيلية السياسية والاجتماعية لمختلف الفئات والشرائح. غير أن نقد هذه الاختلالات لا ينبغي أن يقود إلى إسقاط المرجعية المؤسساتية برمتها. فالموقف الديمقراطي يقتضي التمييز بين نقد البرلمان باعتباره مؤسسة تعكس، في جانب من جوانبها، أعطاب العملية السياسية، وبين الدفاع عن مبدأ الفصل بين السلط باعتباره أحد الأعمدة الأساسية لدولة القانون.
ومن هذا المنظور، فإن المعركة الحقيقية لا ينبغي أن تتحول إلى مواجهة مع المؤسسة التشريعية في حد ذاتها، وإنما ينبغي أن تتجه أساساً إلى مساءلة الحكومة عن اختياراتها السياسية والتشريعية، وعن الطريقة التي تدبر بها علاقتها بالمهن القانونية وبمنظومة العدالة. فالمشكل لا يكمن في وجود سلطة تشريعية تمارس اختصاصاتها، وإنما في أي محاولة لتحويل التشريع إلى أداة للهيمنة التنفيذية أو لإخضاع مرفق العدالة لمنطق الضبط الإداري، بما يمس استقلال القضاء ويضعف الضمانات التي يفترض أن يوفرها القانون للمتقاضين وللدفاع على السواء، ولعل لحظة الانتخابات القادمة هي لحظة المحاسبة المناسبة.
لقد أظهر المسار الذي رافق إعداد هذا القانون أن النضال المهني، حين ينفتح على المجتمع ويستند إلى الترافع والحوار والضغط الديمقراطي، قادر على إحداث أثر فعلي في صناعة القرار التشريعي. فقد أسهمت التحركات والاحتجاجات والمواقف التي عبر عنها المحامون في إدخال تعديلات على عدد من المقتضيات التي كانت موضع اعتراض، وفي الحد من بعض التوجهات التي أثارت مخاوف واسعة بشأن مستقبل المهنة وعلاقتها بمنظومة العدالة. وهذه إحدى الدروس المهمة التي ينبغي الاحتفاظ بها: فالعمل المؤسساتي لا يلغي قوة الضغط المجتمعي، كما أن النضال المهني لا يفقد مشروعيته حين يلجأ إلى المؤسسات؛ بل إن الديمقراطية الحية هي التي تجعل الشارع والمجتمع المدني والهيئات المهنية والمؤسسات المنتخبة فضاءات متفاعلة لصناعة القرار.
لكن نشر القانون في صيغته النهائية يفرض، في تقديري، الانتقال من مرحلة إلى أخرى، ومن أدوات احتجاجية كانت مفهومة في سياقها إلى أشكال جديدة من الفعل والترافع. فاستمرار تعطيل المحاكم، بعد استنفاد مرحلة التشريع، قد ينقل كلفة الصراع من السلطة إلى المواطن، ومن الجهة المسؤولة عن القرار إلى المتقاضي الذي ينتظر حكماً، أو ضحية تبحث عن إنصاف، أو أسرة تتطلع إلى تسوية نزاع، أو شخص موقوف ينتظر أن تبت العدالة في وضعيته. وهنا ينبغي أن يكون الموقف واضحاً: لا يجوز أن يتحول الدفاع عن استقلال المهنة واستقلال العدالة إلى سبب إضافي لإضعاف الحق في الولوج إلى العدالة.
إن الدفاع عن حقوق المحامين لا ينفصل عن الدفاع عن حقوق المتقاضين. وكلما اتسعت المسافة بين المعركة المهنية والمصلحة العامة، ازدادت قابلية الخصوم السياسيين لتصويرها باعتبارها مجرد صراع حول امتيازات قطاعية. أما حين يعاد وضع هذه المعركة داخل إطارها الديمقراطي والاجتماعي الأوسع، فإنها تتحول إلى قضية رأي عام: قضية استقلال القضاء، وحق الدفاع، والحق في محاكمة عادلة، والمساواة أمام القانون، وحماية المواطن من أي تعسف في استعمال السلطة.
ومن هنا، فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى استراتيجية ترافعية جديدة لا تكتفي برفض النص، وإنما تواكب تطبيقه وتكشف مواطن الخلل التي قد تظهر في الممارسة. فالقانون، مهما بلغت دقة صياغته، لا يعيش خارج الواقع؛ إذ تكشف الممارسة عادةً عن تناقضات وثغرات لم يكن من الممكن رصدها أثناء مرحلة الإعداد والتشريع. ولذلك فإن رصد آثار القانون، وتجميع الملاحظات العملية بشأنه، وإعداد مقترحات التعديل، وفتح النقاش مع مختلف القوى الحقوقية والمهنية والسياسية، يمكن أن يشكل مساراً أكثر نجاعة من الاستمرار في معركة استنزافية قد يدفع المواطن ثمنها قبل غيره.
كما أن موقف المحكمة الدستورية، حين انتهت إلى عدم البت في دستورية القانوني لاعتبار شكلي، يفرض بدوره قراءة مؤسساتية دقيقة. فالمسألة هنا تتعلق قبل كل شيء باحترام المساطر والقواعد الدستورية التي تحكم مراقبة دستورية القوانين. ومن ثم، فإن الرهان الديمقراطي لا ينبغي أن يقوم على انتظار تدخل استثنائي من مؤسسة دستورية لإنهاء كل خلاف سياسي، وإنما على ترسيخ ثقافة مؤسساتية تجعل الدستور والقانون والمساطر أدوات لتنظيم الصراع السياسي، لا عوائق أمامه.
وفي هذا السياق، يصبح من الضروري التمييز بين ما يمكن تسميته «الزمن المؤسساتي» وبين منطق الاستعجال الفئوي. فالديمقراطية لا تُبنى بالقرارات الانفعالية، كما أن استقرار المراكز القانونية واستمرارية المرفق العام يقتضيان احترام القواعد والمساطر. لكن الدفاع عن انتظام الحياة المؤسساتية لا يعني تجميد النقد أو تعطيل إمكانية مراجعة القوانين؛ بل إن المؤسسة الديمقراطية الحقيقية هي التي تتيح تصحيح أخطائها من داخل قواعدها، وتستجيب لمطالب المجتمع حين يثبت الواقع قصور التشريع أو انحرافه عن الغاية التي وُضع من أجلها.
إن الموقف من هذه القضية ينبغي، لذلك، أن يتجاوز نزعة الاصطفاف الفئوي. فليس المطلوب الدفاع عن المحامين لأنهم محامون، ولا مواجهة الحكومة لأنها حكومة، ولا الدفاع عن البرلمان لمجرد أنه برلمان. المعيار الذي ينبغي أن يحكم الموقف هو مدى احترام القانون للحقوق والحريات، ومدى ضمانه لاستقلال القضاء، ومدى تحصينه لحق الدفاع، ومدى حمايته للمواطن في مواجهة السلطة، ومدى مساهمته في بناء عدالة أكثر استقلالاً ونجاعة وإنصافاً.
وهنا تحديداً تتجدد مسؤولية القوى اليسارية والديمقراطية التقدمية. فاليسار الذي يجعل من دولة الحق والقانون والدفاع عن الحريات والمساواة جوهر مشروعه السياسي لا يستطيع أن ينظر إلى قضية المحاماة باعتبارها قضية مهنية محضة. إن استقلال المحامي في أداء وظيفته ليس امتيازاً شخصياً للمحامي، كما أن حصانة الدفاع ليست مكسباً نقابياً؛ إنهما ضمانتان للمواطن الذي قد يجد نفسه في مواجهة سلطة أقوى منه، ويحتاج إلى دفاع مستقل قادر على ممارسة مهمته دون خوف أو تضييق.
وفي المقابل، فإن الدفاع عن المهنة لا ينبغي أن يتحول إلى دفاع عن امتيازات لا صلة لها بجوهر الوظيفة القضائية للمحاماة. فكل مهنة، بما فيها مهنة المحاماة، مطالبة بأن تراجع ذاتها، وأن تنخرط في إصلاح منظومتها الداخلية، وأن تربط الحقوق المهنية بالمسؤولية الاجتماعية والأخلاقية وبوجوب المحاسبة من طرف الدولة. ولا يمكن بناء ثقة المجتمع في الدفاع من دون الاعتراف بأن المحامي، إلى جانب كونه مهنياً يمارس نشاطاً حراً، يؤدي وظيفة أساسية في إقامة العدل وحماية حقوق الإنسان.
إن المعركة، في نهاية المطاف، ليست معركة المحامين وحدهم، ولا معركة الحكومة وحدها، ولا ينبغي أن تختزل في سؤال من انتصر ومن انهزم في جولة تشريعية. المعركة الأعمق هي حول أي عدالة نريد، وأي علاقة نريدها بين المواطن والقاضي والمحامي والسلطة التنفيذية والمؤسسة التشريعية. وهي، قبل ذلك كله، معركة حول طبيعة الدولة التي نريد بناءها: دولة تُدار فيها الحقوق بمنطق التعليمات والضبط، أم دولة يصبح فيها القانون قيداً على السلطة قبل أن يكون قيداً على المواطن.
ولذلك فإن نشر القانون لا ينبغي أن يكون خاتمة المعركة، وإنما بداية مرحلة جديدة منها. مرحلة تنتقل فيها المواجهة من الاحتجاج وحده إلى التتبع والتقييم والترافع والاقتراح، ومن الدفاع عن المطالب المهنية إلى بناء جبهة ديمقراطية أوسع من أجل استقلال العدالة. فالمطلوب ليس فقط تعديل مواد في قانون المحاماة، وإنما ترسيخ فلسفة تشريعية تجعل العدالة خدمة عمومية، وتجعل الدفاع أحد أعمدتها، وتضع المواطن في مركز كل إصلاح.
إن قوة هذا النضال ستقاس، في نهاية المطاف، بقدرته على تجاوز حدود الفئة إلى أفق المجتمع، وبمدى نجاحه في تحويل المطالب المهنية إلى مطالب ديمقراطية جامعة. وعندما يصبح الدفاع عن استقلال المحامي دفاعاً عن حق المواطن، ويصبح الدفاع عن استقلال القضاء دفاعاً عن الجميع، يصبح النضال من أجل تجويد قانون المحاماة جزءاً عضوياً من المعركة الأوسع من أجل دولة الحق والقانون، وسيادة المؤسسات، واستقلال السلطة القضائية، وحماية الحقوق والحريات.
ذلك هو الأفق الذي ينبغي أن يحكم الموقف الديمقراطي والتقدمي: لا تقديس للمؤسسات، ولا هدم لها؛ لا استسلام لمنطق السلطة التنفيذية، ولا رفض لمبدأ الدولة؛ لا تحويل للمهنة إلى جزيرة امتيازات، ولا اختزال لها في مجرد نشاط مهني. وإنما بناء توازن ديمقراطي حقيقي تكون فيه المؤسسات خاضعة للقانون، والسلطة قابلة للمساءلة، والعدالة مستقلة، والدفاع حراً، والمواطن هو المستفيد الأول والأخير من كل إصلاح تشريعي.
اترك تعليقاً