الترحال الحزبي في المغرب: “الميركاتو” الذي يعيد إنتاج الأعيان
مدخل: لا يرحل “المنتخب” وحده… ترحل معه الأصوات
مع اقتراب كل انتخابات، يتكرر المشهد: “منتخب” يخلع قميصا حزبيا ليرتدي آخر، فتنهال عليه تهم «الخيانة» و«الانتهازية» و«الترحال»، لكن اختزال الظاهرة المبسط في أخلاق الأفراد يضيّع جوهر المسألة.
فحين يتكرر الترحال بالانتظام نفسه، يصبح من الصعب اعتباره مجرد انحراف فردي. إنه، في جزء منه، نتاج بنية انتخابية تجعل الانتقال خيارا عقلانيا ومربحا، وتعيد إنتاج الأعيان بالمعنى الذي يساعد تحليل عالم الاجتماع الفرنسي (ريمي لوفو Rémy Leveau) على فهمه.
إنه سلوك تتكيف من خلاله النخب المحلية والبرلمانية مع موازين القوة، وتقرأ إشارات مراكز القرار، وتستبق خرائط الأغلبية الحكومية المقبلة. وفي هذه الحالة لا تعود الأحزاب، في جزء من المجال الانتخابي، تعبيرا مستقرا عن اصطفافات سياسية أو أيديولوجية، بقدر ما تصبح واجهات متحركة لشبكات مصالح أكثر ثباتا.
هنا يطرح السؤال بقوة: كيف أصبح بإمكان “المنتخب” أن يغيّر الحزب دون أن يفقد الأصوات؟ ومن يملك، في النهاية، المورد الانتخابي: الحزب أم الأعيان أم من يحركهم؟ ولماذا يصبح الترحال، داخل هذه البنية، خيارا عقلانيا ومربحا؟
- من «الفلاح المدافع عن العرش» إلى المنتخب المدافع عن موقعه
في كتابه: (الفلاح المغربي المدافع عن العرش Le fellah marocain défenseur du trône)، الصادر أول مرة سنة 1976، ثم في طبعة منقحة سنة 1985 عن منشورات مؤسسة العلوم السياسية بباريس، وبتقديم موريس دوفرجيه، لم يكن ريمي لوفو يكتب مجرد تاريخ للبادية المغربية، بل كان يفكك بنية السلطة وكيفية إعادة إنتاجها.
خلاصة أطروحته أن النخب المحلية خرجت من مرحلة الاستقلال وهي في وضع سياسي ملتبس: رصيدها السياسي تضرر بسبب ارتباطها بإدارة الحماية في مراحلها الأخيرة، لكن قوتها الاقتصادية والاجتماعية لم تتعرض، في المقابل، لتصفية مماثلة.
وفي مواجهة بورجوازية وطنية حضرية، مرتبطة بالحركة الوطنية وتسعى إلى بسط نفوذها عبر الدولة والأحزاب والبيروقراطية، أعادت الملكية الاعتبار إلى تلك النخب المحلية وجعلت منها إحدى ركائز التوازن السياسي.
لكن الأهم في تحليل لوفو ليس مجرد قيام التحالف، بل الأدوات التي سمحت بإعادة إنتاجه: شبكة الإدارة المحلية، من القائد إلى الشيخ والمقدم، ثم هندسة انتخابية استفادت من الاقتراع الفردي والتقطيع الذي راعى، بدرجات مختلفة، البنى المحلية والقبلية.
لم تكن هذه الخيارات تقنية محايدة تماما؛ فقد ساعدت على إنتاج ممثل سياسي يستمد قوته من موقعه داخل شبكة الوساطة المحلية أكثر مما يستمدها من الانتماء إلى مشروع سياسي وطني.
وهنا تكمن إحدى مفاتيح قراءة الحاضر: لم يكن الأعيان منتوجا للحزب دائما؛ في كثير من الحالات، كان الحزب هو الذي اضطر إلى التكيف مع الأعيان.
ومنذ ذلك الحين، ظل التنظيم الحزبي، في جزء من الخريطة الانتخابية، غطاء مؤسسيا يوضع فوق بنية اجتماعية وشبكات نفوذ سبقت الحزب وظلت أقوى منه.
تغيرت المفردات، لكن الآلية لم تختف: القائد صار في العلاقة الانتخابية رئيس جماعة، والجماعة السلالية صارت دائرة انتخابية، والتعيين صار تزكية، لكن المورد الأساسي بقي نفسه: القدرة على تعبئة أصوات عبر شبكة شخصية من الوساطة والنفوذ.
- لماذا لا تكفي إدانة «الانتهازية»؟
الخطاب السائد يحب التفسير الأخلاقي المبسط لأنه مريح، منتخب يغير حزبه، إذن هو انتهازي، نائب ينتقل إلى حزب آخر، إذن خان الناخبين، قيادي يبدل موقعه قبيل الانتخابات، إذن لا مبدأ له.
لكن ماذا لو كان هذا التفسير يقلب العلاقة بين السبب والنتيجة؟
فالظاهرة لا تحدث مرة واحدة ولا في حالة استثنائية، إنها تتكرر، وبانتظام، وفي محطات انتخابية معروفة، وبين فئة محددة من الفاعلين.
ما يتكرر بالوتيرة نفسها وفي السياق نفسه لا يمكن تفسيره بالكامل باعتباره سلسلة من الانحرافات الفردية. انتظام السلوك مؤشر على وجود حوافز مؤسسية تجعله قابلا للتكرار.
من منظور “المنتخب”، قد لا يكون الحزب، في لحظة الانتخابات، جماعة انتماء بقدر ما يكون وسيلة للوصول إلى الترشيح: تزكية، رمز، ترتيب في اللائحة، أو فرصة أفضل للفوز.
فإذا ظهر حزب يمنح ترتيبا أفضل، أو دائرة أقل ازدحاما، أو مؤشرات أقوى على المشاركة في الأغلبية المقبلة، فما الذي يجعل البقاء في الحزب القديم أكثر عقلانية؟
هنا تفشل الأخلاق وحدها في تفسير القرار، لأن القرار نفسه تحكمه حسابات العائد الانتخابي والسياسي.
- السؤال الحاسم: من يملك الصوت؟
في الحزب البرامجي، يفترض أن يكون المورد الانتخابي ملكا للتنظيم، الحزب يحمل العلامة، والمرشح يستمد جزءا كبيرا من قيمته منها، والناخب يصوت لمشروع يتجاوز الشخص.
أما في بنية الأعيان، فتنقلب المعادلة: المورد الانتخابي يصبح ملكا للشخص، إنه شبكة مركبة من العلاقات العائلية والمهنية والمجالية، والوساطة مع الإدارة، والقدرة على تقديم خدمات ملموسة، فضلا عن القدرة المالية على خوض الحملة.
وعندما يستطيع “المنتخب” أن يحتفظ بهذا المورد حتى بعد تغيير الحزب، فإن الحزب لا يعود مالكا للمقعد فعليا؛ يصبح مجرد حامل مؤسسي له.
وهنا يظهر اللاتماثل: الحزب يحتاج إلى الأعيان أكثر مما يحتاج الأعيان إلى الحزب.
والأصل الذي ينتج قيمته الانتخابية بصرف النظر عن العلامة التي يحملهـا هو، بالضرورة، أصل قابل للتداول، لهذا تبدو استعارة «الميركاتو» الانتخابي أكثر دقة مما تبدو عليه لأول وهلة.
لكن مع فارق حاسم: في كرة القدم يملك النادي بطاقة اللاعب، أما في السياسة الانتخابية، ففي كثير من الحالات يبدو أن اللاعب هو الذي يملك بطاقة النادي، ينقل شبكته معه حين يغير القميص.
- عندما تتحول الهندسة الانتخابية إلى سوق
الترحال ليس مجرد «ثقافة سياسية» متأصلة في المجتمع المغربي. ثمة اختيارات مؤسساتية وقانونية يمكن أن تساهم في إنتاج الحوافز التي تجعله ممكنا ومربحا.
أولا: دوائر محلية ومقاعد قابلة للاقتناص بشبكة شخصية
الاقتراع باللائحة النسبية وفق قاعدة أكبر بقية، في دوائر محلية صغيرة، يفتت المقاعد ويخفض العتبة الفعلية للفوز في بعض الحالات إلى مستوى يمكن لشبكة شخصية متوسطة الحجم أن تنافس فيه.
وحين يصبح المقعد قابلا للاقتناص بشبكة شخصية، تتراجع الحاجة إلى ماكينة حزبية قوية وبرنامج وطني متماسك.
ثانيا: حكومات لا تُحسم مسبقا
حين يصعب على حزب واحد الاقتراب من الأغلبية، تصبح الحكومة نتاجا لتفاوض تحالفي بعد الانتخابات، وهنا تصبح الأحزاب، عمليا، شركاء محتملين لبعضها البعض.
والنتيجة السياسية أخطر مما تبدو: كلما تقلصت الكلفة العملية للاختلاف الأيديولوجي بين الأحزاب، تقلصت أيضا قيمة الانتماء الحزبي.
ثالثا: استباق الأغلبية
إذا كانت الأغلبية الحكومية ستُركب بعد الاقتراع، فإن الفاعل السياسي لا ينتظر فقط معرفة النتيجة؛ بل يحاول استباقها.
وهنا تصبح قراءة إشارات مراكز القرار مهارة سياسية ذات قيمة: من الأقرب إلى الحكومة المقبلة؟ من يرتفع سهمه؟ ومن يملك قدرة أكبر على التفاوض؟ وأي لون حزبي ينبغي أن أكون تحته عندما تُفتح أبواب التفاوض؟
عند هذه النقطة تحديدا، يصبح الترحال أقل شبها بـ«الخيانة» وأكثر شبها بقرار استثماري.
- انتخابات 2026: تعديل قانوني قد يعيد توجيه الحركة نحو دوائر الأعيان
تكتسب انتخابات 23 شتنبر 2026 أهمية خاصة بسبب تعديلات القانون التنظيمي رقم 27.11 المتعلق بمجلس النواب، بمقتضى القانون التنظيمي رقم 53.25، المنشور في الجريدة الرسمية عدد 7478 بتاريخ 29 يناير 2026، بعد مصادقة مجلس النواب في فاتح دجنبر 2025 ومجلس المستشارين في 9 دجنبر 2025.
وشملت التعديلات شروط أهلية الترشيح والتزكيات والطعن في قرارات الرفض، كما أدخلت لأول مرة الإيداع الإلكتروني للترشيحات خلال الفترة الممتدة من 31 غشت إلى 8 شتنبر 2026.
ويتكون مجلس النواب من 395 مقعدا: 305 مقاعد في الدوائر المحلية و90 في الدوائر الجهوية.
لكن من بين المقتضيات التي تستحق قراءة سياسية، وليس قانونية فقط، منع من سبق انتخابه برسم دائرة انتخابية جهوية من الترشح مجددا في الإطار نفسه.
فإذا كان هذا المقتضى يرمي إلى تنظيم مسارات الترشح، فإن نتيجته العملية قد تكون دفع فئة من المنتخبات والمنتخبين نحو الدوائر المحلية، حيث تلعب الشبكات الشخصية والمحلية للأعيان دورا أكبر.
وهنا يطرح السؤال نفسه: هل يكفي تغيير قواعد الترشح لتغيير طبيعة المورد الانتخابي؟
إذا بقي المورد ملكا للشبكة الشخصية، فإن تغيير الباب الذي يدخل منه “المنتخب” إلى البرلمان لن يغير بالضرورة بنية القوة التي تحمله إليه.
- الداخلة وادي الذهب: عندما لا يرحل الشخص وحده
إذا كان المطلوب اختبار هذه الفرضية في الواقع، فإن ما وقع بجهة الداخلة وادي الذهب يقدم حالة دالة.
فلم يكن الأمر، بحسب المعطيات المتداولة، انتقال رئيس مجلس الجهة من حزب إلى آخر فحسب؛ بل رافقه عدد من رؤساء وأعضاء الجماعات الترابية ومنتخبي الغرف المهنية، من بينهم برلماني ورئيس جماعة ومستشار برلماني.
هو إذا انتقال عدد من المنتخبين دفعة واحدة، ما نراه لا يشبه انتقال فرد يغير قناعته السياسية، بل يبدو أقرب إلى انتقال كتلة من العلاقات والموارد الانتخابية.
الحزب المستقبِل لا يكسب منخرطا جديدا فقط، بل يكتسب جزءا من الخريطة المحلية، والحزب المغادَر لا يفقد عضوا فقط، بل قد يفقد شبكة قادرة على إنتاج الأصوات.
وهذا تحديدا ما يجعل قراءة لوفو مفيدة بعد نصف قرن: المؤسسات تغيرت، واللغة تغيرت، لكن سؤال من يملك القدرة على تعبئة الناخبين؟ ما يزال حاضرا.
والأكثر دلالة أن السجال العلني بين حزبين كبيرين حول الاستقطاب استحضر سوابق الطرف الآخر في الممارسة نفسها.
قد يختلف الحزبان حول من بدأ ومن استقطب أكثر، لكن ما تكشفه الواقعة أهم من ذلك: أن الاستقطاب أصبح، في حد ذاته، جزءا طبيعيا من قواعد اللعبة، وأن الخلاف يدور حول استعمال الأداة لا حول شرعيتها العملية.
- الترحال ليس عطب النظام… بل إحدى آليات اشتغاله
إذا وضعنا الأخلاق جانبا للحظة، يظهر الترحال كأنه ليس مجرد خلل طارئ في النظام الحزبي، بل وظيفة تؤدي أدوارا محددة.
- يُبقي الأحزاب ضعيفة: الحزب الذي يمكن أن تغادره نخبه عند أول تغير في ميزان القوة يصعب عليه بناء قاعدة اجتماعية صلبة وتراكم تنظيمي طويل.
- يحوّل الولاء من الناخب إلى مركز القرار: حين تصبح قراءة موازين القوة شرطا للفوز، يصبح المنتخب أكثر حرصا على قراءة إشارات المركز من قراءة تطلعات الناخب.
- يحول المنافسة من البرامج إلى المواقع: بدل أن يكون السؤال: أي سياسة نريد؟ يتحول إلى: من سيحصل على الموقع؟ وهنا تتحول الانتخابات من منافسة على السياسات إلى منافسة على توزيع النفوذ.
- يمنح النظام مظهرا من التجديد دون تغيير بنيته: تتغير الوجوه، تتغير الشعارات، تتغير الألوان، لكن الشبكات نفسها تستطيع أن تعيد التموضع داخل الخريطة الجديدة.
إنه تغيير في الواجهة أكثر منه تغيير في البنية، ولهذا يمكن القول إن الترحال ليس «مرض» النظام السياسي بالمعنى الدقيق؛ بل هو إحدى آليات استمراره وتكيفه.
- الكلفة التي يدفعها الناخب
المشكلة أن فاتورة هذه السيولة لا يدفعها “المنتخب”، يدفعها الناخب، حين لا يعود الحزب الذي صوّت له الناخب ملزما سياسيا لمن يحمل علامته، يفقد التصويت معناه.
فالناخب يصوت اليوم على شيء لا يجده غدا، ومع تكرار التجربة، يصبح العزوف نتيجة يمكن تفسيرها بعقلانية، لا مجرد «لامبالاة» أو نقص في الوعي السياسي.
ثم تأتي الكلفة الثانية: الأحزاب تتحول إلى علامات سياسية أكثر منها مشاريع سياسية.
أما البرلمان، فإنه يدفع الثمن بدوره، فالنائب الذي يستمد جزءا كبيرا من قوته من شبكته المحلية لا من مشروع سياسي وطني، يكون أكثر عرضة لأن يصبح وسيطا بين دائرته ومراكز النفوذ، وأقل قدرة على بناء استقلالية مؤسساتية في مواجهة الجهاز التنفيذي والإدارة.
وهنا تبرز المفارقة الأخطر: كلما ضعفت الأحزاب، ضعف البرلمان؛ وكلما ضعف البرلمان، زادت قيمة شبكات الوساطة، وكلما زادت قيمة الوساطة، زادت الحاجة إلى الأعيان، دائرة مغلقة.
خاتمة: المشكلة ليست في أن السياسي يغير القميص… بل في أن القميص لا يغير اللاعب
الترحال الحزبي ليس فضيحة موسمية، بل مرآة لبنية سياسية تتغير فيها الألوان أكثر مما تتغير موازين القوة.
فحين تكون الشبكة الشخصية هي التي تنتج الأصوات، يصبح الحزب مجرد قميص قابل للتبديل، وتتحول الانتخابات من إعادة توزيع للقوة إلى إعادة تسجيل لها تحت أسماء جديدة.
لذلك، يبقى السؤال: لماذا يستطيع “المنتخب” أن يغيّر الحزب دون أن يخسر شبكته وأصواته؟
هنا تحديدا يسقط التفسير الأخلاقي للترحال، فاتهام «الانتهازية» قد يريح الضمير، لكنه لا يفسر النظام الذي يجعلها مجدية.
وعشية اقتراع 23 شتنبر 2026، يطرح السؤال الأكثر إزعاجا: من يملك المورد الانتخابي في المغرب، الحزب، أم الناخب، أم الأعيان…؟
فما لم يتغير صاحب المورد، ستتغير القمصان واللافتات والوجوه… وتبقى اللعبة نفسها.
اترك تعليقاً