اتفاق “4+4” في ليبيا.. توافق الأمر الواقع: بين الشرعية المؤسساتية والخروج من المراحل الإنتقالية؟

شهدت العاصمة الليبية طرابلس، يوم الأحد 30 أوت2026 ، مراسم التوقيع على ما يُفترض أنه “اختراق سياسي” جديد تحت مظلة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا يُلزم الاتفاق، المُنبثق عن لجنة الحوار المصغرة “4+4″، الأطرافَ الموقعة بإنهاء حالة الانسداد السياسي وتهيئة البلاد لتنظيم انتخابات رئاسية وتشريعية في سقف زمني لا يتجاوز أربعة وعشرين شهراً. غير أن الهيكل الظاهري لـ “الاتفاق” وسيناريوهات الترحيب الإقليمي والدولي المبكر لا يحجبان حقيقة واضحة: نحن أمام صفقة ثنائية أعادت رسم خريطة النفوذ بين السلطة التنفيذية في طرابلس والقوة العسكرية في الشرق، على حساب المؤسسات السياسية والتشاركية القائمة.
لم يمثل غياب رؤساء الأجسام التشريعية والتنفيذية رئيس مجلس النواب عقيلة صالح، ورئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة، ورئيس المجلس الرئاسي محمد يونس المنفي، مجرد تفصيل بروتوكولي، بل كان إعلاناً صريحاً عن نذر حرب صلاحيات ومشروعيات جديدة قد تلوح في الأفق الليبي المعقد.
هندسة “4+4”: كواليس التفاف أممي على الانسداد
يعود تشكيل لجنة “4+4” إلى ماي الماضي، كخيار وصفه مراقبون بأنه اضطراري لبعثة الأمم المتحدة بعدما وصلت المبادرة الرئاسية التي أطلقتها المبعوثة الخاصة هانا تيتيه في أوت 2025 إلى طريق مسدود.
كانت تلك المبادرة تقوم على ثلاث دعائم: انتخابات شفافية وذات مصداقية، وحوار هيكلي شامل، وحكومة موحدة. لكن التعنت المتبادل بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة وأسلوب المماطلة الذي احترفته القيادتان فرضا على البعثة البحث عن صيغة بديلة لتجاوز التعطيل البرلماني.
وجاءت النتائج عبر ثمانية جولات من المفاوضات الشاقة، تنقلت بين روما ثم تونس واختُتمت في طرابلس، بين فريقين متكافئين عدداً ونفوذاً: أربعة ممثلين عن حكومة الوحدة الوطنية بقيادة وليد اللافي (وزير الدولة لشؤون التواصل السياسي)، وأربعة ممثلين عن القيادة العامة لـ “الجيش الوطني الليبي” بقيادة الشيباني أبو همود (الدبلوماسي والقانوني المقرب من بنغازي).
هذه الهندسة حصرت الصراع في مربع الثنائية السلطوية: حكومة عبد الحميد الدبيبة من جهة، ومحيط المشير خليفة حفتر وأبنائه (ولا سيما صدام حفتر) من جهة أخرى. وبدلاً من إنتاج توافق وطني موسع، جرى تجميع المصالح الحيوية للطرفين في وثيقة واحدة، أُطلقت عليها تسمية “اتفاق 4+4”.
تنازلات قانونية وضبابية تنفيذية
قراءة معقمة تخلص بنا إلى أن الوثيقة الموقعة ترتكز على حسم النزاع حول إعادة تشكيل مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات (عبر تسمية ضوء إبراهيم عطية رئيساً وسناء اللشاني نائبة له)، وحل المعضلات التشريعية العالقة عبر تفاهمات وصفها البعض بأنها زبائنية:
- في الانتخابات الرئاسية: تم اعتماد القانون رقم 28 لسنة 2023 بعد تعديله لتسهيل ترشح مزدوجي الجنسية (بشرط التنازل عنها قبل أداء القسم) والعسكريين؛ وهو البند الذي صُمم خصيصاً لرفع الفيتو عن قيادة الرجمة والمترشحين المثار حولهم عدد من العقبات القانونية، مع اشتراط جمع 20 ألف تزكية.
- في الانتخابات التشريعية: جرى الرجوع إلى القانون رقم 10 لسنة 2014 المبني على النظام الفردي المباشر. هذا الخيار أثار غضباً عارماً لدى الطبقة السياسية؛ حيث أعلن 57 حزباً ليبياً في بيان مشترك رفضها القاطع لما وصفتها بـ “الجريمة السياسية” التي تقضي بإبعاد الأحزاب وإفراغ العمل السياسي من محتواه الأيديولوجي لصالح النفوذ المالي والقبلي والأمني.
- ترحيل المسألة الدستورية: جرى الاتفاق على ترحيل هذا الملف المعقد إلى البرلمان القادم لتجنب تعطيل قطار الانتخابات.
لكن نقطة الضعف القاتلة في الاتفاق وفق مراقبين كثر تكمن في المسألة التنفيذية؛ فالوثيقة تشترط إجراء الانتخابات تحت ظل “سلطة تنفيذية موحدة”، لكنها تتجاهل كلياً آلية تشكيل هذه السلطة أو هوية من سيعتلي سدة الحكم فيها، في ظل استمرار الانقسام الحاد بين حكومة الدبيبة في طرابلس وحكومة أسامة حماد في الشرق.
الرعاية الأمريكية الموازية وضغوط واشنطن
يرى العديد من المحللين والمراقبين أن اتفاق “4+4” ليس سوى إعادة إنتاج وتسويق أممي للمبادرة الأمريكية التي قادها كواليسها مسعد بولس، مستشار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للشؤون العربية والإفريقية. فتركيبة لجنة “4+4” تطابق تماماً دوائر الاتصال والتفاوض التي اشتغل عليها بولس لأشهر طويلة بهدف هندسة سلطة تنفيذية توافقية بين الدبيبة وحفتر.قد تكون البعثة الأممية (UNSMIL) قد وجدت في هذه التحركات الأمريكية مخرجاً عملياً للهروب من حالة الفشل المؤسسي المتلاحق، فتبنت المبادرة ومنحتها غطاءها الدولي، وهو ما قد يفسر المسارعة الدبلوماسية الغربية (بيان التسع دول: الولايات المتحدة، بريطانيا، فرنسا، إيطاليا، ألمانيا، فضلا عن بيان الإتحاد الأروبي) لمحاولة إسباغ المشروعية على الاتفاق.
نزاع المشروعية: النواب والأعلى والرئاسي على خط المواجهة
يضع الاتفاق مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة أمام مهلة شهر واحد للشرعنة والمصادقة. وفي حال التخلف أو الرفض، تنص الوثيقة على اللجوء إلى “آلية تبنٍّ وطنية موسعة” تمنح الاتفاق الصبغة الدستورية قبل رفعه إلى مجلس الأمن الدولي لانتزاع قرار أممي.
هذا المخرج القانوني المتخيل ينطوي على مخاطر جمة؛ فهو لا يتجاهل فقط اتفاق الصخيرات (2015) والمرجعيات الدستورية القائمة، بل قد يدفع البلاد نحو صدام قضائي وسياسي مباشر قد يزيد من حالة الإستقطاب المؤسسي.
فالمجلس الأعلى للدولة اعتبر المسار “التفافاً غير مشروع” ومحاولة لمصادرة إرادة التوافق الوطني. أما رئيس المجلس الرئاسي، محمد المنفي، فقد ذهب إلى أبعد من ذلك؛ إذ هاجم ضبابية الاتفاق وارتهانه للخارج (مستنكراً إطلاع سفراء أجانب على النص قبل المؤسسات الوطنية)، وأصدر مرسوماً رئاسياً يعيد تشكيل مفوضية الانتخابات بأسماء جديدة، في تحدٍّ مباشر وميداني لمخرجات “4+4”. ولكن ذلك لم يحل دون حضور نائب رئيس المجلس موسى الكوني للمراسم وهو ما يطرح أسئلة حول تماسك المجلس فضلا عن قدرته على التأثير في صناعة القرارات أما مجلس النواب فقد صدر عنه بيان حذر يرحب بالتوقيع مشترطا أن يتوافق محتواه مع الأطر الشرعية والدستورية
ترحيل الأزمة أم حلها؟
قد لا يمثل اتفاق “4+4” نهاية الأزمة الليبية بقدر ما ينقلها إلى مرحلة جديدة تحمل في طياتها فرصا ولكنها في نفس الوقت تتميز بأنها أكثر تعقيداً وضبابية فالمراهنة على فرض شرعية سياسة عبر قرارات مجلس الأمن ودعم القوى الدولية، مع تجاهل التجذر الوطني والتوافق الدستوري الداخلي،إضافة إلى عدم إيلاء الأوضاع الاجتماعية والإنسانية الأهمية التي تحتاجها هي مراهنة جربتها القوى المتنفذة في ليبيا.
إن الامتحان الحقيقي لهذا الاتفاق لن يكون في القاعات المغلقة أو في بيانات الترحيب الصادرة عن مختلف العواصم الغربية في ظل صمت عواصم إقليمية وازنة، بل سيكون على الأرجح في مدى قدرة شبكات المصالح العسكرية والمالية على التخلي عن مواقعها ومكاسبها الفئوية لصالح صندوق الاقتراع، إذا ما قادت النتائج إلى الإطاحة بها من مقاعد النفوذ والتأثير.
* باحث في العلاقات الدولية مختص في الشؤون الليبية
اترك تعليقاً