وجهة نظر

قانون 66.23.. حين يتحول “الإصلاح” إلى أزمة ثقة مع المحامين

قررت جمعية هيئات المحامين بالمغرب الاستمرار في التوقف الشامل عن أداء مهام الدفاع، بموجب إخبار صادر عن مكتبها ليلة الخميس 27 غشت 2026، كما أكدت الموقف نفسه في بيانها الصادر صباح الجمعة 28 غشت 2026، عقب اجتماعين ماراطونيين، لم يجد خلالهما السادة أعضاء مجلس الجمعية وأعضاء مكتبها مخرجا للتعاطي مع نشر القانون رقم 66.23، موضوع الخلاف، في الجريدة الرسمية بتاريخ 20 غشت 2026، سوى التمسك بموقف الجمعية القاضي بالتوقف الشامل عن تقديم الخدمات المهنية.

وهذا الموقف، الذي اعتبره البعض متشددا ومتعنتا، وأُعطيت له في بعض وسائل الإعلام الوطنية والأجنبية أبعاد وتأويلات وعناوين وصلت إلى حد وضع الجسم المهني في تماس مع المؤسسة الملكية، ليس موقفا مستجدا، بل جاء انسجاما مع مواقف الجمعية وخطواتها النضالية التي سبق أن عبرت عنها وأكدت عليها في العديد من بلاغاتها وبياناتها، ونزلتها ميدانيا في محطات نضالية متعددة.

وفي مقدمة هذه المواقف، ذلك الوارد في البلاغ الصادر بتاريخ 2 يوليوز 2026، والذي أكدت فيه الجمعية أن المحاماة بالمغرب، بممارسيها ومؤسساتها المهنية، ستكون غير معنية بالقانون رقم 66.23، ولو صدر في الجريدة الرسمية.

بمعنى أن هذا الموقف، الذي قد يبدو متصلبا في نظر البعض، كان معلنا عنه قبل استكمال المسار التشريعي للقانون موضوع الخلاف، ومبنيا على مبررات موضوعية وعادلة ومشروعة من وجهة نظر الدفاع، وفي طليعتها تغييب المقاربة التشاركية، والالتفاف على الوعود والالتزامات، والانحراف عن الضمانات الدستورية، وتجاوز المبادئ الكونية المتصلة بمهنة المحاماة في الاختيارات المؤطرة للإصلاح.

وإذا كان، من حيث المبدأ، لا خلاف حول مشروعية تطوير الإطار التشريعي المنظم لمهنة المحاماة، متى كان ذلك ضروريا ويصب في اتجاه تجويد المهنة وتحسين شروط ممارستها وتقوية أدوارها وتعزيز صلاحياتها وتكريس مكتسباتها وتوسيع مهامها داخل منظومة العدالة، فإن ذلك لا يعني، بأي حال من الأحوال، التسليم بأن الإصلاح الذي تبناه وزير العدل كان ضرورة مهنية أو استجابة لحاجة حقيقية تطرحها الممارسة.

ذلك أن كثيرا من الإشكالات التي قدمها السيد الوزير باعتبارها مبررات موضوعية لهذا الإصلاح كانت إما محسومة في القانون السابق رقم 28.08، أو عولجت في إطار النصوص والمساطر القائمة، كما أن هيئات المحامين بالمغرب، في إطار مبدأ تنظيمها الذاتي، تجاوزت هذه الإشكالات بسنوات طويلة، من خلال تدابير ومساطر قانونية واضحة ودقيقة عالجت ما كان يثار بشأنها من اختلالات.

وبالتالي، فإن توظيف وزير العدل لنقط ضعف المهنة وتضخيم إشكالات وممارسات معزولة وفردية تعيشها، شأنها شأن كافة المهن القضائية والقانونية، وتقديمها باعتبارها إشكالات بنيوية تستدعي الإصلاح، لم يكن في الحقيقة إصلاحا بالمعنى الصحيح للكلمة، بقدر ما كان توظيفا سياسيا وإعلاميا مقصودا وممنهجا، الغرض منه إضعاف موقع المهنة في معادلة التفاوض حول هذا الإصلاح القسري والتعسفي، وتهيئة المناخ العام لاستهداف مؤسساتها والزحف على مكتسباتها.

ولعل استحضار السيد وزير العدل لهذه القضايا المحسومة سلفا، تشريعا وممارسة، في النقاش العمومي المتصل بتعديل القانون، دليل واضح على محاولته شغل الجسم المهني بقضايا هامشية وإثقاله بمعارك جانبية، كان من بينها افتعال نقاشات وصدامات مع كتابة الضبط والأساتذة الجامعيين وطلبة القانون.

والحال أن أرضية الحوار كانت موجودة، كما أن التعديلات التي كان السادة المحامون يرونها ضرورية كانت محددة وواضحة، خلافا لما كان يدعيه السيد الوزير في كل مناسبة استحضر فيها القانون المتعلق بمهنة المحاماة.

بيد أن الحكومة، وخصوصا السلطة التنفيذية المكلفة بالعدل، ممثلة في وزيرها الأستاذ عبد اللطيف وهبي، باعتبارها صاحبة المبادرة التشريعية، لم تتجه إلى مراجعة مسارها في إطار علاقة التعاون التي تجمعها بالسلطة التشريعية، ومحاولة إيجاد منفذ جدي للأزمة، بل مضت في الاتجاه نفسه، ضاربة عرض الحائط بكل المقترحات والمطالب والانتظارات التي عبر عنها مكوّن يعتبر، في منظومة العدالة، أحد أركانها الرئيسية.

بل إن وزير العدل، وفي إصراره على تمرير هذا القانون بتعسف تشريعي فادح، مصحوبا بسرعة مفرطة لا تستدعيها أي ضرورة، اختار منذ البداية الهجوم على مهنة المحاماة، وعلى مؤسساتها المهنية، وعلى نسائها ورجالها أيضا، مرة بالاتهام، وأخرى بالإساءة، وأحيانا بالطعن في كفاءتهم المهنية.

ولم يقف الأمر عند حدود الخرجات المستفزة، بل امتد إلى محاولة عزل الجسم المهني عن محيطه، وشيطنة أدواره، والنيل من صورته وهيبته أمام الرأي العام، بما يتيح إضعاف حضوره في النقاش العمومي المتصل بمشروع القانون والنيل من صورته ومكانته المجتمعية.

والرأي العام الذي أعنيه هنا ليس فقط ذلك المواطن البسيط الذي لا يعرف مهنة المحاماة، ولا أبعادها ولا أعرافها ولا رسالتها وأهميتها داخل منظومة العدالة وفي بنية المجتمع، والذي يجد نفسه أمام سرديات جاهزة يتم ضخها إليه وتقديمها باعتبارها حقائق مكتملة.

بل المقصود أيضا بعض النخب التي تعرف جيدا دور المحاماة وأهمية رسالتها داخل المجتمع، وتدرك موقعها المركزي في إقامة العدالة وحماية الحقوق والحريات، ومع ذلك انخرطت، بشكل أو بآخر، في محاصرة مهنة المحاماة رمزيا، والنيل من صورتها وهيبتها مجتمعيا.

ومن تجليات هذا المسار ما تعلق باختصاص المحامي في تحرير العقود، حيث وصل الأمر بوزير العدل إلى المساس بهذا الاختصاص وانتزاعه من السادة المحامين، مستندا في تبرير هذا الخيار الفردي إلى حالات معزولة تتعلق ببعض الزملاء المحامين المتابعين على خلفية ممارستهم لهذا الاختصاص.

هل من المنطقي أن يعاقب جسم مهني بأكمله، وتُجرّد مهنة بأسرها من اختصاص أصيل، بسبب أخطاء ارتكبها أفراد معدودون على رؤوس الأصابع؟ وهل يمكن، بالمنطق نفسه، أن نجرّد القضاء، على سبيل المثال، من اختصاص معين لمجرد أن بعض القضاة ارتكبوا مخالفات أو صدرت في حقهم أحكام قضائية؟ بالتأكيد لا، لكن وزير العدل فعلها مع السادة المحامين، وسمّى ذلك بالإصلاح.

حيث قام بكل شيء حتى لا يصل مع جمعية هيئات المحامين بالمغرب إلى نقاط الالتقاء والتوافق بشأن القانون، لأن غايته كانت تمرير قانون يعيد تعريف وظيفة المحامين وأدوار المحاماة من جديد داخل منظومة العدالة، وذلك خارج ضماناتها الدستورية وأسسها الكونية ورسالتها المتصلة بالمحاكمة العادلة وبالحقوق والحريات كما هي متعارف عليها عالميا.

وبالتالي، فأي تقارب في وجهات النظر بين جمعية هيئات المحامين بالمغرب ووزارة العدل حول مقتضيات هذا القانون كان سيشكل تهديدا لما كان يحاول فرضه في هذا النص، ولا سيما أنه كان يعرف مسبقا أنه سيجد صعوبة بالغة حتى في مناقشة القضايا والمسائل المتصلة بالحصانة والاستقلالية وحرية التنظيم الذاتي لمهنة المحاماة ولمؤسساتها المهنية مع السادة النقباء، لأنه يعي أن هذه المرتكزات تعد من الثوابت داخل الجسم المهني، ولا يجوز أبدا المس بها، ناهيك عن إدراجها في مشروع قانون ينظم مهنتهم.

لهذا وعد علنا بأنه لن يحيل مشروع القانون ما لم يتم التوصل إلى توافق بشأنه مع جمعية هيئات المحامين بالمغرب، غير أنه أخلف هذا الوعد، وأقدم على إحالته سرا على الأمانة العامة للحكومة لإدراجه في المجلس الحكومي، دون علم الجمعية، وما تلا ذلك من تطورات ومستجدات فهي معروفة للجميع.

وتبعا لما سبق من استهداف للجسم المهني ومحاولة عزله عن محيطه وشيطنة أدواره والنيل من صورته أمام الرأي العام، لم يكن منفصلا عن هذا المسار، بل كان جزءا منه، بما يسمح بالانفراد بالقانون وصياغته خارج مبدأ المقاربة التشاركية، ثم إقراره مستغلا أغلبية عددية داخل البرلمان، وكذلك كان.

وفي سياق هذا المسار التشريعي المتعسف، صادق مجلس النواب على القانون في القراءة الثانية بتاريخ 6 يوليوز، ثم صادق عليه مجلس المستشارين في القراءة الثانية بتاريخ 7 يوليوز، قبل أن يحيل رئيس مجلس النواب القانون على المحكمة الدستورية، حيث سجلت الإحالة لدى المحكمة الدستورية بتاريخ 8 يوليوز 2026.

وأفضى هذا المخاض التشريعي المتعسر، في نهاية المطاف، إلى قانون مشوه قد يليق بمهنة أخرى من نسج وإبداع خيال وزير العدل، لكنه لا يرقى، بكل تأكيد، إلى مستوى تنظيم مهنة من حجم مهنة المحاماة، بضماناتها الدستورية وتاريخها وأعرافها وتقاليدها وأبعادها الحقوقية ومكتسباتها ومرجعياتها الأممية والدولية.

والدفاع، وهو اليوم في لحظة لم يتبقَّ له معها ما يخسره، أصبح واعيا بأن ما يُحاك ضد مهنة المحاماة أعمق وأخطر من مجرد خلاف حول مقتضيات قانونية بعينها، وأن مسلسل الزحف على ما تبقى من مكتسبات المهنة قد انطلق فعليا مع قانون المسطرة المدنية رقم 58.25، واستمر مع القانون رقم 66.23، ولن يتوقف عندهما، بل سيمتد التضييق إلى ما سيأتي من نصوص تنظيمية يحيل عليها القانون نفسه، وستصدرها السلطة التنفيذية المكلفة بالعدل، الخصم والحكم في هذا القانون.

إن الجسم المهني على اقتناع تام بأن هذا القانون، لولا التواطؤ السياسي والمؤسساتي الذي رافق مساره التشريعي، لما وصل إلى الجريدة الرسمية.

فإحالة القانون من لدن السيد رئيس مجلس النواب على المحكمة الدستورية، باعتباره إحدى الجهات المخول لها دستوريا حق الإحالة بموجب الفقرة الثالثة من الفصل 132 من الدستور، تطرح أكثر من استفهام حول الخلل الذي شاب مسطرة الإحالة، والذي ترتب عنه تعذر بت المحكمة الدستورية في مدى مطابقة مقتضيات القانون لأحكام الدستور.

كما أن عدم تصحيح مسطرة الإحالة من لدن الجهة المحيلة بعد صدور قرار المحكمة الدستورية، والمضي في نشر القانون في الجريدة الرسمية، يفتح بدوره الباب أمام إشكال لا جواب عليه إلى حد الآن: لماذا لم تتم إعادة إحالة القانون المعني إلى المحكمة الدستورية للبت فيه، ولا سيما أنه ليس هناك ما يمنع دستوريا وقانونا ذلك؟

ثم إن عدم استحضار المحكمة الدستورية للنص موضوع الإحالة، على نحو ما فعلت في سابقة قضائية أحيلت عليها بنفس الكيفية وبتت فيها، يطرح بدوره إشكالا دستوريا حول مدى إمكانية معالجة المانع الإجرائي في مرحلة سابقة من مسار الإحالة، بدل انتظار استنفاد الأجل كاملا والتصريح بعد ذلك بتعذر البت.

إنها إشكالات دستورية يفرضها منطوق القرار الدستوري نفسه، بما له من أثر بالغ على الحياة القانونية والمؤسساتية، ولا تنتقص بأي حال من الأحوال من مقام المحكمة الدستورية، ولا من واجب إحاطتها بالاحترام والوقار اللازمين، ما دامت قرارات القضاء الدستوري مفتوحة أمام القراءة النقدية الجادة، خصوصا عندما يتعلق الأمر بقانون ينظم مهنة تضطلع بوظائف وأدوار دستورية.

وفي سياق تطورات هذا الملف، سينظم مكتب جمعية هيئات المحامين بالمغرب ندوة صحفية يوم الخميس 10 شتنبر 2026، بدار المحامي التابعة لهيئة المحامين بالرباط، لعرض مسار هذا القانون وموقف الجمعية منه، وتقديم الخيارات المطروحة أمام الجسم المهني بشأن المرحلة المقبلة.

وإلى ذلك الحين، ننتظر ما ستسفر عنه هذه الندوة من تفاصيل وقرارات ومواقف، مؤكدين، كمحامين، التفافنا حول مؤسساتنا المهنية والتزامنا بما يصدر عنها، باعتبارها الجهة المخولة للتعبير عن الموقف المهني الموحد وتحديد خياراته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *