وجهة نظر

الوعود الانتخابية كرم مؤجل إلى ما بعد 2031

الوعود الانتخابية كرم مؤجل إلى ما بعد 2031

غاب خطاب الإصلاح السياسي، وتضخم حجم الوعود بالملايير التي يجهل أصحابها كيفية تمويلها. والأكيد أن الوعود لها علاقة بزيادة ديون البلاد وبالضغط الضريبي على محدودي الدخل. وسيستمر الأغنياء في إنهاك ميزانية الدولة عبر المنح السخية والإعفاءات الضريبية والجمركية. وستستمر أقلية سياسية تخدم طبقة عليا في غياب إصلاح سياسي يعيد الثقة للمغاربة.

تعلمنا جميعاً أن لغة المسؤول عن المال العام تتسم بكثير من الحذر، وأنها تخضع لعدة مقاييس، تسمى في لغة أهل الاختصاص، بالتوازنات الماكرو اقتصادية، ومن ضمنها تلك القواعد التي يشعل تجاوزها الضوء الأحمر. أصبح أغلب الطلبة والمهتمين يعرفون حجم ديون الخزينة، وعجز الميزانية وعجوزات الميزان التجاري وميزان الأداءات، أو ما يسميه غيرنا ميزان المدفوعات. ولا يخفى على الكثيرين أن ما يوجد لدينا من العملات الأجنبية يساعدنا على الاستيراد. تظل هذه الأشياء حبيسة لغة البعض، والحكومة دون ربطها بأسعار المواد الغذائية والأدوية والطاقة. ولا يمكن أن نعزل كل ما سبق عن المستفيدين من المال العام ومن مخزوننا من العملات الأجنبية. ودون الدخول في تفاصيل أرقام الدين العام وتحويلات مغاربة العالم والمنح التي يستفيد منها بعض المستثمرين وكثير من الفراقشية، يجب أن لا نفصل هذه المعطيات عن الفقر وكل التفاوتات الاجتماعية والمجالية. ونظراً لكل هذا، نحن مدعوون إلى مهرجانات الوعود التي ينظمها من تسبب في إضعاف القدرة الشرائية للمواطنين في كافة المجالات.

يجب على كل متتبع لتدبير الشأن العام أن يهيئ كل أدوات غربلة الوعود الانتخابية، ويحاول بكل ما يمتلك من أدوات المحاسبة أن يطرح ثلاثة أسئلة أمام هذا البحر من الوعود الانتخابية التي تعد أضخم إنتاج حزبي مرة كل خمس سنوات. أول هذه الأسئلة هو لماذا لم تتحقق الوعود التي التزمت بها ثلاثة أحزاب سنة 2021، وهي تجمع أخنوش، وأصالة ومعاصرة وهبي والمنصوري، واستقلال نزار بركة. وثاني هذه الأسئلة هو ماذا فعلت الحكومة منذ خمس سنوات لكي لا تتراجع القوة الشرائية للمواطنين، ولا تتحسن قدرات المغاربة للولوج إلى الخدمات الصحية والتعليمية، ولا يتم تحصين ممارسة الحقوق الدستورية والديمقراطية لكافة المواطنين، بما فيها حرية التعبير والتظاهر السلمي. وثالث سؤال هو ذاك الذي يتعلق بمحاربة الفساد بالمحاسبة التي لا تستثني أحداً.

صوتت مكونات الأغلبية الحكومية ضد المجتمع المدني لكي يصبح المواطن معزولاً أمام من تراكمت ثرواتهم بمجرد احتلال كرسي في مجلس ترابي أو في البرلمان. أكدت هذه الأغلبية على تحييد المجتمع المدني، عبر جمعياته الجادة والخاضعة للمحاسبة، من كل دور في مجال فضح الفاسدين. ولا يمكن تحميل هذه المسؤولية التاريخية لشخص وزير العدل لوحده، لأن كافة أحزاب حكومة أخنوش غارقة في مستنقع محاربة المبدأ الدستوري الذي يربط المسؤولية بالمحاسبة. ولم تكن بعض مكونات المعارضة غير راضية على غلق الأبواب أمام تنزيل مبدأ المحاسبة، وذلك لأن الفراقشية لهم مواقع في قلب ممارسة “السياسة”.

ولأن ما يسمى، تعسفاً، بالنخبة السياسية ابتليت بمرض عضال يعتبر الاستفادة من تدبير الشأن العام قضية لا تستحق النقاش. ولهذا أصبح بيع التزكيات “حلالاً طيباً”. وأصبح اعتبار الفساد جبلاً جليدياً يصعب تجاوزه بالأخلاق والقانون. وهكذا يتم إقفال كل الأبواب أمام صناع الأمل من الشباب وكل الفئات الاجتماعية التي تنتظر من ممارسة السياسة فك العزلة عن أغلبية الشعب المغربي.

ولهذا أيضاً لا تجد الأحزاب، وعلى رأسها أحزاب الحكومة الحالية، أية أسباب لكي تخجل وهي تبني قصوراً من رمال لتبهر المواطنين بوعودها. ويكفي قراءة صحائف الوعود للتأكد من الطاقة الكبرى لأصحاب الوعود على ترسيخ الكذب في الخطاب. لن أخفيكم سراً أنني لجأت للذكاء الاصطناعي لقراءة كل ما ورد في وعود الأحزاب الكبرى التي تم نشرها قبل أيام. لم أطلب رأي الخوارزميات في صدقية الوعود لأن هذا الذكاء لا يصل إلى درجة الوعي السياسي ولا إلى تقييم فعل الأحزاب عبر دراسة وعودها السابقة. ولهذا وجب التذكير بالآليات التي تصنع الوهم الانتخابي عبر إعادة إنتاج الوعود.

أكبر وعد انتخابي صدر عن الأصالة والمعاصرة، الذي يلتزم بخلق مليون منصب شغل صافٍ خلال السنوات الخمس المقبلة. لا توجد تفاصيل عن تنزيل هذه الرغبة العبقرية. ولعل وزير التشغيل الحالي المنتمي لهذا الحزب قد أصيب بهلع كبير وهو يعرف أن معدل البطالة يشكل عنواناً أساسياً لحصيلة كارثية لحزبه وللحكومة بصفة عامة. ولا يمكن إنجاز هذا الوعد إلا إذا سجل الاقتصاد الوطني معدل نمو يفوق 10٪ سنوياً خلال الولاية المقبلة. ويتطلب هذا المستوى زلزالاً في مجال الحكامة يصل إلى زعزعة اقتصاد الريع والرشوة وكل ما يعرقل التنمية اجتماعياً ومجالياً. ويرفض هذا الحزب كل مواجهة للفساد لأنه من المستحيل، حسب عبد اللطيف وهبي، رئيسه السابق ووزير العدل، التعرف على الفساد وأوجه حضوره وضبط ممارسيه وطريقة ممارسته. وسيأتي من سيبرر الفشل في خلق مليون منصب شغل بعد خمس سنوات. كما سيأتي من سيستفيد من المال العام الذي سيفيض على أرباب سوق العقار من خلال وعد إنجاز 500000 سكن لمن لا سكن لهم.

أما حزب الأحرار الذي يقود الحكومة، والذي يواجه موجة غضب من داخل الحكومة ومن غالبية الفئات الاجتماعية المتضررة من غلاء الأسعار، فقد أعاد كل الوعود التي سوقها سنة 2021. ويعدنا أصحاب أخنوش وحامل وعوده، الطالبي العلمي، بخلق مناصب الشغل ودعم القوة الشرائية وتحسين التعليم والصحة والحماية الاجتماعية ودعم معاشات التقاعد والرفع من أجور العمال. وينسى هذا الحزب الذي يقوده “مرشد أعلى” ورئيس خاضع للمرشد لا يكاد يعرفه إلا القليل من الناس، قد بمن فيهم أعضاء حزبه. قال حلفاء هؤلاء “الأحرار” إن أغلب الفراقشية أعضاء في قيادة حزب المرشد الأعلى، وأصحاب كراسي في البرلمان. ونعَت قياديوه الوافد الجديد على صفوف البام بممارسة الترهيب. ولا أظن أن الملاسنات بين أحزاب الأغلبية خالية من حقيقة ممارسة اتفقوا عليها قبل خمس سنوات، وانفضوا عن بعضهم البعض لإنقاذ ما يمكن إنقاذه ليستمر الكذب بعد 23 شتنبر المقبل.

ويرى حزب الاستقلال أن الإصلاح يبدأ بدعم وإصلاح الأحزاب السياسية. وهنا يطرح سؤال مرجعية الكتلة الديمقراطية التي كان هذا الحزب من مؤسسيها. ويمكن أن نعتبر أن طرح هذا السؤال يجرنا إلى الصمت المدوي لحزب علال الفاسي وبوستة خلال السنوات الأخيرة. نعم، أكد نزار بركة على فضح الفساد ورفض فتح ملف الفراقشية للجنة برلمانية للتحقق من الممارسات الفاسدة التي اغتنت منها طغمة فاسدة وأضرت بكل المواطنين. وهنا يظهر جلياً أن إصلاح الأحزاب مجرد شعار خطابي ما دامت القيادات تنعم بالعوائد المالية والعقارية منذ سنين، رغم وجود لجان “للأخلاقيات” خلقت لكي لا تتحرك. وظلت محاور برنامج هذا الحزب تسبح في عموميات تهم المحافظة على تماسك الأسرة، ومحاربة الفساد، وتحسين القوة الشرائية، ودعم المرفق العمومي، وتعزيز السيادة الاستراتيجية في مجالات المخزون من المواد الطاقية والغذائية وغيرها. وسوف قد يكون لزاماً على هذا الحزب أن يختار بين تحالفات تحكمها لغة المناصب والكراسي وبين إعطاء مدلول سياسي حقيقي ينتصر للممارسة السياسية المعادية لمن يعادي مصالح الفئات العريضة من المواطنين.

ويمكن تلخيص وعود الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية في رفع الأجور بنسب تتراوح بمتوسط 20٪، ورفع صافي أجور الأجراء بنسبة 15٪. وتظل باقي الوعود أقل من مستويات مطالب حزب القوات الشعبية. يتعلق الأمر بعموميات تهم دعم الطبقة الوسطى، وإنصاف النساء، ومحاربة الفساد، ودعم الشفافية. وتظل قضية الإصلاح السياسي الذي حمل مشعله هذا الحزب، خلال عقود، شبه مغيبة في برنامجه. لم يعد حزب عبد الرحيم بوعبيد مهتماً بالملكية البرلمانية منذ تولي الراحل اليوسفي حكومة المرحلة الانتقالية ما قبل، وما بعد سنة 1999.

ولا يمكن أن نقرأ باقي برنامج الأحزاب التي تؤثث المشهد السياسي كالحركة الشعبية والتقدم والاشتراكية خارج الإطار العام لكافة برامج الأحزاب التي تحمل هم المشاركة في الحكومة والانتماء إلى الأغلبية البرلمانية أكثر من هم قلب الطاولة على من تسببوا في تعميق هشاشة المواطنين أمام تكلفة الحياة على أرض هذا الوطن.

أصبحت بلادنا مسرحاً للتنافس بالوعود من أجل الكراسي وليس من أجل تحمل المسؤولية. فالوزراء، حتى الوزراء، يسب بعضهم بعضاً. وبرلمانيو الأغلبية الحكومية نزلوا إلى ميادين التجريح والنقد والتشهير فيما بينهم. أصبح وزير في حكومة أخنوش يحاكمه سياسياً وينتقد قراراته وعلاقاته باللوبيات التي تستنزف المال العام. وماذا سينتظر ذلك المواطن الواعي بقيمة السياسة غير الانسحاب من دنيا الوعي والتفكير والاهتمام بالشأن العام. بلادنا تدين كل مجرمي الحق العام، وبعض أصحاب الرأي والمواقف السياسية، ولكنها لا تدين من يقدمون وعوداً كاذبة خلال الانتخابات. كم أتمنى أن يضم القانون الدستوري محاسبة جنائية للقيادات السياسية التي تنكرت لوعودها بعد أن قضت سنوات في مناصب القرار الحكومي وداخل المجالس الترابية. وفي انتظار غد أفضل، فلننتظر هيمنة أقلية على أغلبية الشعب المغربي الذي يحب وطنه ويرفض المشاركة في لعبة لا تؤطرها المحاسبة مقابل المسؤولية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *