صعاليك السياسة
تحتاج الحياة السياسية إلى قدر من الجدية يوازي حجم المسؤولية المرتبطة بها. فالسياسة، في معناها العميق، فعل جماعي يتصل بمصائر الناس، وبتدبير الموارد، وصياغة الاختيارات، وبناء التوازنات التي تحفظ للمجتمع قدرته على الاستمرار والتطور. وعندما تنفصل الممارسة السياسية عن هذه الوظائف، تتحول السياسة تدريجيا إلى فضاء للاستعراض، وتصبح اللغة السياسية وسيلة لتكريس الحضور الشخصي، فيما يتراجع الخطاب عن وظيفته الأصلية: تقديم رؤية واضحة للشأن العام وتحمل تبعاتها.
وتتجسد إحدى أخطر نتائج هذا الانفصال في ظاهرة «صعلكة السياسة»، القائمة على استثمار الفوضى الرمزية، وركوب موجات الغضب الشعبي، واستعمال الشعارات ذات الجاذبية السريعة، مع ضعف الصلة بين الخطاب والمشروع، وبين الموقف والمرجعية الفكرية، وبين الوعد والقدرة على الإنجاز. وتستفيد هذه الممارسة من هشاشة المجال العام ومن سرعة تداول الرسائل، فتقدم الانفعال في صورة موقف، والصخب في صورة معارضة، والانتقال بين المواقف في صورة مرونة سياسية.
تقوم السياسة الرصينة على تصور للمجتمع، وعلى فهم لمشكلاته، وعلى ترتيب للأولويات، وعلى معرفة بالوسائل التي تسمح بتحويل الأفكار إلى سياسات عمومية. أما الصعلكة السياسية فتستبدل هذا البناء بسلسلة من المواقف السريعة التي تتبدل مع إيقاع الحدث، من دون سند فكري يمنحها الاتساق والاستمرارية.
وعلى هذا الأساس تتبدل معايير النجاح السياسي: فيصبح جذب الانتباه معيارًا للحضور، وعدد المتابعين مقياسًا للتأثير، والانتشار اللحظي علامة على الفاعلية. وتتحول المنصة الرقمية إلى مسرح دائم يبحث فيه صاحب الخطاب عن الجملة الأكثر إثارة والموقف الأقدر على استقطاب الجمهور.
أما صاحب الخطاب الشعبوي فيستطيع اختزال قضية معقدة في جملة واحدة، وتحويل ملف اقتصادي أو اجتماعي شائك إلى ثنائية بسيطة بين “الشعب” و«النخبة»، ثم تقديم نفسه في موقع المدافع عن الناس. وتصبح هذه المعادلة أكثر خطورة عندما تتحول إلى مصدر دائم للشرعية الشخصية، فيحتاج صاحبها باستمرار إلى خصم جديد وأزمة جديدة وموضوع جديد يشعل النقاش.
تتراجع الوظيفة العقلانية للسياسة مع سيادة الإجابات السريعة على القضايا المعقدة. فالسياسي الذي ينظر إلى المستقبل يحتاج إلى خطاب يحتمل النقاش والمراجعة والأسئلة الصعبة، بينما يميل الخطاب الشعبوي إلى تقديم حلول فورية لقضايا تحتاج إلى سنوات من العمل والتراكم. إنه يبيع اليقين في سوق مليء بالقلق.
وتجد الشعارات الجاهزة في هذا المناخ مجالًا واسعًا للانتشار. غير أن حاجات المجتمع تقع في مستوى آخر: مدرسة جيدة، ومستشفى فعال، وإدارة محترمة، واقتصاد منتج، وقضاء مستقل، ومؤسسات قادرة على تنفيذ القانون، وفرص حقيقية للشباب، وتدبير عقلاني للثروة العامة. وتحقيق هذه المطالب يحتاج إلى كفاءة وصبر وتخطيط وتقييم، وهي عناصر يصعب اختزالها في منشور قصير أو مقطع مصور.
تتمثل إحدى أكبر نتائج الصعلكة السياسية في إضعاف الثقة. فعندما يكتشف المواطن أن الخطاب الذي منحه ثقته كان قائما على المبالغة أو التناقض أو المصلحة الشخصية، قد ينتقل غضبه من صاحبه إلى المجال السياسي بأكمله. والثقة السياسية رأس مال معنوي طويل التراكم، يحتاج إلى سنوات من السلوك المسؤول حتى ينمو، بينما يكفيه قدر قليل من العبث حتى يتضرر.
وتبقى المراجعة السياسية جزءا طبيعيا من الحياة العامة، لكن المراجعة تختلف عن التقلب الذي تحكمه مصلحة اللحظة. المبدأ السياسي يحتاج إلى مرجعية فكرية وأخلاقية، ومن يمتلك مرجعية واضحة يستطيع تعديل موقفه مع الحفاظ على منطق عام يفسر هذا التعديل. أما القفز من موقع إلى موقع، مع تقديم مبررات متناقضة، فيجعل الجمهور أمام شخصية تبحث عن موقعها أكثر مما تبحث عن مصلحة المجتمع.
طرح السؤال بهذه الطريقة ضروري حتى يبقى التحليل موضوعيا. فظاهرة الصعلكة السياسية ترتبط أيضا ببيئتها الاجتماعية والسياسية. المواطن الذي يشعر بارتفاع كلفة الحياة، أو ببطء الإدارة، أو بضعف فرص الشغل، أو بتراجع جودة بعض الخدمات، يبحث عن لغة تعبر عن غضبه. وعندما تعجز المؤسسات السياسية عن تقديم خطاب مقنع، تظهر شخصيات مستعدة لاحتلال هذه المساحة، فتقدم نفسها صوتا مباشرا للغاضبين، وتمنحهم خصما واضحا، وتختصر تعقيد الواقع في رواية سهلة الاستيعاب.
لهذا فإن معالجة الصعلكة السياسية تحتاج إلى معالجة أسباب الغضب نفسه، عبر خدمة عمومية محترمة، وآليات فعالة للتظلم، ونتائج ملموسة للسياسات.
وتتأسس الدولة الحديثة على المؤسسات، لأن المؤسسة تمنح القرار استمرارية تتجاوز الأشخاص. السياسي يأتي ويغادر، أما المؤسسة فتستمر. لهذا تحتاج الدولة إلى تحويل النقاش العام من سؤال «من قال؟» إلى سؤال «ما السياسة المقترحة؟»، ومن سؤال «من الأكثر إثارة؟» إلى سؤال «من يمتلك القدرة على الإنجاز؟».
فالعمل العام يحتاج إلى سياسي يستطيع قراءة الأرقام، وفهم الاقتصاد، ومعرفة التشريع، والإصغاء إلى الخبراء، والتواصل مع المواطنين، ثم تحمل نتائج القرار. وتحتاج البلاد أيضا إلى معارضة تمتلك القدرة على النقد واقتراح البدائل ومتابعة تنفيذ السياسات.
وتحتاج الحياة السياسية المغربية إلى الانتقال تدريجيا من مركزية الشخص إلى مركزية المشروع. فالحزب الذي يمتلك تصورا واضحا وبرنامجا قابلا للتقييم يستطيع الاستمرار رغم تغير الوجوه. كما تحتاج هذه الثقافة إلى إعلام مهني، ومجتمع مدني يقظ، وجامعات تساهم في تحليل السياسات العامة، ومواطن يمتلك أدوات التحقق من المعلومات.
من الخطأ اختزال الظاهرة في شخصيات محددة. فالصعلكة السياسية علامة على اختلال أوسع في العلاقة بين السياسة والمجتمع. عندما تضعف الأحزاب، تتسع مساحة الأفراد، وعندما ينكمش النقاش الفكري، تنتشر الشعارات، وعندما يضعف التواصل المؤسساتي، تتقدم المنصات الرقمية لتملأ الفراغ.
المطلوب بناء مجال عام يستطيع استيعاب الغضب وتحويله إلى اقتراح، واستيعاب الاختلاف وتحويله إلى نقاش، واستيعاب النقد وتحويله إلى إصلاح. تلك هي الوظيفة الحقيقية للمؤسسات السياسية.
تحتاج البلاد إلى سياسة تنظر إلى ما بعد لحظة التصفيق. فالمجتمع يعيش عبر عقود، بينما يعيش الخطاب الشعبوي على إيقاع الساعة. والدولة تخطط للمدرسة والطريق والمستشفى والاقتصاد والماء والطاقة لعقود قادمة، بينما يبحث صانع الصخب عن موضوع جديد مع بداية يوم جديد.
الفارق بين النموذجين هو الفارق بين من يفكر في الدولة ومن يفكر في حضوره داخلها.
السياسة التي تستحق ثقة الناس هي التي تمتلك ذاكرة للماضي، ووعيا بالحاضر، وتصورا للمستقبل؛ سياسة تجعل المسؤولية أسبق من الشهرة، والبرنامج أسبق من الشعار، والمؤسسة أقوى من الفرد، والمصلحة العامة أعلى من الحساب الشخصي.
أما صعلكة السياسة فتعيش على اللحظة، وتحتاج إلى الفوضى الرمزية حتى تحافظ على حضورها. ولهذا فإن مقاومتها تبدأ من إعادة الاعتبار إلى المعنى الحقيقي للعمل العام: خدمة المجتمع، واحترام المؤسسات، والالتزام بالمبدأ، والقدرة على تحمل تبعات القرار.
فالأوطان الكبيرة لا يصنعها أصحاب الأصوات الأعلى، وإنما يصنعها أولئك الذين يمتلكون رؤية أعلى أصواتهم، ومسؤولية تتجاوز مصالحهم، وقدرة على تحويل الفكرة إلى مؤسسة، والوعد إلى سياسة، والسياسة إلى أثر يلمسه الناس في حياتهم.
اترك تعليقاً