النخب السياسية في عصر الذكاء الاصطناعي: الولاية التشريعية الجديدة بين الشرعية الدستورية والحكامة الاستباقية
لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد تحول تقني يقع خارج دائرة السياسة والقانون بل أصبح أحد المتغيرات التي بدأت تعيد طرح الأسئلة التقليدية حول طبيعة السلطة وحدود الاختصاص ومسؤولية القرار العمومي وفعالية المؤسسات التمثيلية. فالدولة التي كانت تعتمد على الوثيقة والتقرير والإحصاء التقليدي في بناء قراراتها أصبحت اليوم أمام قدرة غير مسبوقة على معالجة البيانات واستخراج الأنماط وبناء التوقعات ومحاكاة السيناريوهات. وهذا التحول يضع النخب السياسية والتشريعية أمام سؤال يتجاوز مجرد استعمال التكنولوجيا: هل تستطيع المؤسسات الدستورية أن تنتقل من تدبير نتائج الأحداث إلى استباق شروط حدوثها؟
إن المسألة في جوهرها ليست تقنية وإنما دستورية ومالية وسياسية بامتياز، لأن كل تحول في أدوات صناعة القرار يفرض بالضرورة إعادة التفكير في طبيعة المسؤولية السياسية وفي حدود الرقابة وفي كيفية إنتاج الشرعية وفي علاقة القرار العمومي بالمعرفة.
لقد كان منطق الدولة التقليدية يقوم في جزء كبير منه على الاستجابة للوقائع بعد حدوثها أما الحكامة المعاصرة فتدفع نحو بناء قدرة مؤسساتية على التوقع والاستباق ومن هنا تبرز الحاجة إلى الانتقال من حكامة رد الفعل إلى حكامة استباقية، ومن إدارة الأزمات إلى إدارة مخاطر الأزمات قبل وقوعها.
أولا: الولاية التشريعية الجديدة واختبار العقل الدستوري
لا ينبغي النظر إلى الولاية التشريعية باعتبارها مجرد دورة زمنية تتجدد فيها تركيبة البرلمان انما باعتبارها لحظة لإعادة تقييم قدرة المؤسسة التشريعية على ممارسة وظائفها الدستورية في ظل التحولات العميقة التي يعرفها المجتمع والدولة والسياق الخارجي.
فالبرلمان لا يمارس العمل تشريعي فقط وإنما يساهم في تقييم السياسات العمومية ويمارس الرقابة على الحكومة وهي وظائف تجعل من المعرفة عنصرا جوهريا في ممارسة الاختصاص الدستوري فلا يمكن تصور رقابة برلمانية فعالة دون معلومات دقيقة، ولا يمكن تصور تشريع رشيد دون معرفة مسبقة بأثره المحتملة ولا يمكن تقييم سياسة عمومية بمجرد مقارنة الاعتمادات المالية المرصودة بالمبالغ التي تم صرفها.
إن الانتقال الحقيقي ينبغي أن يكون من رقابة المشروعية إلى رقابة الفعالية ومن رقابة الإنفاق إلى رقابة الأثر ومن مساءلة ما وقع إلى استشراف ما يمكن أن يقع وهنا يطرح الذكاء الاصطناعي نفسه كأداة جديدة في خدمة الوظيفة الدستورية لا كبديل عنها.
فالخوارزمية لا تملك شرعية دستورية ولا تمارس سلطة سياسية ولا تتحمل مسؤولية القرار أما النائب المنتخب فيظل هو صاحب المسؤولية السياسية ولذلك فإن التكنولوجيا ينبغي أن تعزز القدرة المعرفية للمؤسسة لا أن تنقل إليها سلطة القرار.
ثانيا: من الشرعية الانتخابية إلى شرعية الأداء والأثر
تستمد المؤسسات التمثيلية مشروعيتها أساسا من الانتخابات غير أن الشرعية الديمقراطية لا تستنفد بالضرورة في لحظة الاقتراع فالانتخابات تمنح التفويض لكنها لا تقدم وحدها شهادة على جودة الأداء ومن هنا تظهر أهمية مفهوم يمكن تسميته شرعية الأثر.
فالناخب لا ينتظر من ممثله فقط أن يشارك في التصويت على القوانين وإنما ينتظر أن يساهم في تحسين السياسات العمومية ومراقبة المال العام والدفاع عن المصالح العامة ومساءلة الحكومة عن النتائج، ومن ثم يصبح السؤال السياسي الأكثر أهمية: ماذا حققت المؤسسات خلال ولايتها؟
وهذا السؤال يفرض الانتقال من ثقافة المخرجات السياسية إلى ثقافة النتائج والأثر.
- كم قانونا صدر؟ سؤال مهم.
- كم سؤالا برلمانيا طرح؟ سؤال مهم.
لكن الأسئلة الأكثر عمقا هي:
- ما أثر هذه القوانين؟
- هل حققت أهدافها؟
- هل وصلت الموارد العمومية إلى مستحقيها؟
- هل تحسنت المؤشرات الاجتماعية والاقتصادية؟
- هل انخفضت الفوارق المجالية؟
وهنا تتقاطع الوظيفة الدستورية مع المالية العمومية ومع الذكاء الاصطناعي.
ثالثا: الذكاء الاصطناعي والرقابة على المالية العمومية
إذا كان الذكاء الاصطناعي قادرا على إحداث تحول جوهري في مجال معين فهو مجال المالية العمومية فالميزانية ليست مجرد أرقام محاسبية وإنما هي ترجمة مالية للخيارات السياسية للدولة بحيث كل درهم عمومي يتم تخصيصه يعكس اختيارا في ترتيب الأولويات العامة وكل انخفاض أو ارتفاع في الاعتمادات يؤثر في تنفيذ سياسة عمومية معينة ولهذا فإن الرقابة البرلمانية على المالية العمومية لا ينبغي أن تتوقف عند فحص الاعتمادات وإنما يجب أن تمتد إلى قياس العلاقة بين المال المصروف والنتيجة المتحققة.
وهنا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد في تحليل قواعد البيانات المالية وربط الاعتمادات بالمؤشرات ونجاعة الاداء ورصد الانحرافات في مسار التنفيذ ومقارنة التوقعات بالنتائج، وتحديد المجالات التي تحتاج إلى تدقيق أو تقييم قبلي ومواكب وبعدي ويمكن على سبيل المثال بناء نماذج تحليلية تربط بين البرامج والاعتمادات والمؤشرات الاجتماعية والاقتصادية بما يسمح بالانتقال من سؤال:
كم أنفقنا؟ إلى سؤال أكثر أهمية:
ماذا حققنا مقابل ما أنفقناه؟
وهذا هو جوهر الانتقال من ميزانية الوسائل إلى ميزانية النتائج والأداء.
فالمالية العمومية الحديثة لا تقاس فقط بمستوى احترام قواعد الصرف والإجراءات القانونية وإنما أيضا بمدى قدرة الإنفاق العمومي على إنتاج القيمة العامة.
رابعا: تقييم السياسات العمومية قبل أن تصبح أخطاء مكلفة
من أخطر مظاهر الحكامة التقليدية أن بعض السياسات العمومية لا تخضع للتقييم الجدي إلا بعد استهلاك سنوات طويلة من الزمن والموارد ولكن السياسة العمومية مثل الاستثمار قد تكون لها تكلفة كبيرة إذا تم اكتشاف أخطائها بعد فوات الأوان، ومن هنا تأتي أهمية التقييم القبلي للأثر.
فلماذا لا يتم اختبار بعض المشاريع الكبرى قبل اعتمادها من خلال نماذج المحاكاة والتنبؤ؟ ما الأثر المالي المحتمل؟ ما الفئات الأكثر استفادة؟ من قد يتحمل الكلفة؟ ما انعكاس القرار على سوق الشغل؟ ما أثره على المالية العمومية؟ وماذا سيحدث إذا تغيرت الظروف الاقتصادية؟
إن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يوفر أدوات مساعدة في الإجابة عن هذه الأسئلة ولكن القرار النهائي يجب أن يظل خاضعا للسلطة السياسية وللقواعد الدستورية والقانونية فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يتنبأ بالكلفة، لكنه لا يستطيع أن يقرر وحده ما إذا كانت الكلفة مقبولة سياسيا أو عادلة اجتماعيا.
خامسا: من الرقابة البرلمانية التقليدية إلى الرقابة القائمة على البيانات
إن إحدى نقاط ضعف الممارسة البرلمانية الحديثة تتمثل في الفجوة بين الحجم الهائل للمعلومات والقدرة على تحويلها إلى معرفة سياسية فالتقارير كثيرة والمعطيات متعددة والوثائق متراكمة ولكن المشكلة ليست في وجود المعلومات وإنما في القدرة على تحليلها وربطها.
وهنا يمكن إنشاء منظومة للذكاء المؤسسي البرلماني تمكن من:
- تحليل التقارير الحكومية والمالية؛
- قراءة تقارير أجهزة الرقابة؛
- تتبع تنفيذ البرامج الحكومية؛
- مقارنة الالتزامات الحكومية بالإنجازات؛
- رصد التأخر في تنزيل النصوص التنظيمية؛
- تحليل المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية؛
- واكتشاف الاتجاهات التي قد تنذر بأزمات مستقبلية.
وهذا من شأنه أن يغير طبيعة السؤال البرلماني نفسه فبدل أن يكون السؤال مجرد رد فعل على واقعة منشورة أو أزمة قائمة يمكن أن يصبح نتيجة لتحليل مؤسساتي اكتشف اتجاها مقلقا قبل تحوله إلى أزمة ومن هنا تنتقل الرقابة من الاستجابة إلى الاستباق.
سادسا: النخبة السياسية أمام خطر التبعية الخوارزمية
لكن الذكاء الاصطناعي يحمل معه خطرا لا ينبغي الاستهانة به، وهو خطر انتقال السلطة من السياسي إلى الخبير التقني بصورة غير معلنة فإذا لم تكن النخبة السياسية قادرة على فهم البيانات والخوارزميات، فقد تتحول إلى مجرد مستهلك للتوصيات التي تنتجها الأنظمة التقنية.
وهنا نكون أمام شكل جديد من التبعية يمكن وصفه بـ التبعية الخوارزمية فالقرار الذي يصدر عن نموذج تقني قد يبدو محايدا وموضوعيا لكنه ليس بالضرورة كذلك فالبيانات قد تكون ناقصة والخوارزمية قد تحمل تحيزات والنموذج قد ينتج توقعا خاطئا.
لذلك فإن النخبة السياسية الجديدة تحتاج إلى نوع مختلف من الكفاءة: ليست الكفاءة التقنية الخالصة وإنما الكفاءة النقدية في التعامل مع التكنولوجيا، وعلى النائب أن يعرف كيف يسأل الخوارزمية وكيف يشكك في نتائجها وكيف يتحقق من مصادر البيانات والمعلومات وكيف يطلب تفسيرا للنتائج.
سابعا: عندما تتحول الخوارزمية إلى قضية دستورية
كلما دخل الذكاء الاصطناعي في مجال القرار العمومي ظهرت أسئلة دستورية جديدة هي من المسؤول عن القرار إذا تم بناؤه على توصية خوارزمية؟ وهل يستطيع المواطن الطعن في قرار لم يفهم الية إنتاجه؟ وهل يمكن أن تكون الخوارزمية أساسا لقرار يمس حقا من الحقوق دون إمكانية تفسيره؟ ومن يتحمل المسؤولية عن الخطأ؟
هذه الأسئلة تجعل مبدأ المساءلة الخوارزمية جزءا من النقاش الدستوري المستقبلي فالسلطة لا يمكن أن تختبئ وراء التكنولوجيا ولا يجوز أن تتحول الخوارزمية إلى غطاء لإعفاء المسؤول السياسي أو الإداري من المسؤولية.
فالقاعدة الديمقراطية بسيطة: من يملك سلطة القرار يجب أن يتحمل مسؤولية القرار، مهما كانت الأداة التقنية التي استعان بها.
ثامنا: السيادة الرقمية باعتبارها امتدادا للسيادة الوطنية
هناك بعد اخر لا يقل أهمية يتعلق بالسيادة الرقمية فالدولة التي تعتمد في صناعة قراراتها على بنى تحتية تكنولوجية خارجية أو على منصات لا تتحكم في شروط عملها أو على بيانات مخزنة خارج نطاق سيادتها الفعلية قد تجد نفسها أمام شكل جديد من الاعتماد. ولهذا فإن السيادة في القرن الحادي والعشرين لم تعد مرتبطة فقط بالأرض والحدود والموارد وإنما أصبحت مرتبطة كذلك بالبيانات والبنية الرقمية والقدرة على التحكم في المعرفة التكنولوجية إن امتلاك البيانات أصبح جزءا من القوة الاستراتيجية للدولة.
ومن ثم فإن بناء منظومة وطنية للذكاء الاصطناعي في المجال العمومي لا ينبغي أن يفهم باعتباره خيارا تقنيا فقط وإنما باعتباره قضية ترتبط بالسيادة وبالأمن الوطني وباستقلال القرار العمومي.
تاسعا: نحو مؤسسة برلمانية لاستشراف السياسات العمومية
في هذا السياق يبدو من الضروري التفكير في إنشاء مرصد برلماني للذكاء الاصطناعي واستشراف السياسات العمومية وتكون وظيفته الأساسية ليست اتخاذ القرار وإنما إنتاج المعرفة المستقلة التي يحتاجها البرلمان لممارسة وظائفه الدستورية ويمكن أن يجمع هذا المرصد خبراء القانون والمالية والاقتصاد والإحصاء والذكاء الاصطناعي والسياسات العمومية.
وتتمثل مهمته في تقييم مشاريع ومقترحات القوانين وتحليل أثرها المالي والاجتماعي ودراسة السيناريوهات المستقبلية ومراقبة مؤشرات الأداء وإعداد تقارير استشرافية تساعد المؤسسة التشريعية على ممارسة الرقابة والتقييم على أساس المعرفة والأدلة وبذلك يمكن أن يصبح البرلمان مؤسسة لا تكتفي بانتظار التقارير وإنما تمتلك القدرة على إنتاج الذكاء المؤسساتي.
عاشرا: النخبة الجديدة ليست الأكثر استعمالا للتكنولوجيا بل الأكثر قدرة على مساءلتها:
إن التحول المطلوب لا يعني أن يصبح السياسي خبيرا في البرمجة وإنما أن يصبح أكثر قدرة على فهم البيئة التي يتحرك فيها القرار العمومي فالنخبة السياسية في عصر الذكاء الاصطناعي يجب أن تكون قادرة على الجمع بين ثلاث ملكات:
- الشرعية الديمقراطية
- الكفاءة المعرفية
- المسؤولية السياسية
فالشرعية دون معرفة قد تنتج قرارات ضعيفة والمعرفة دون شرعية قد تنتج تكنوقراطية منفصلة عن الإرادة الشعبية والتكنولوجيا دون مسؤولية قد تنتج قرارات لا يعرف أحد من يتحمل نتائجها ولهذا فإن الحكامة الاستباقية ليست مجرد إدخال الذكاء الاصطناعي إلى المؤسسات، وإنما هي إعادة بناء للعلاقة بين السلطة والمعرفة والمسؤولية.
بالتأكيد، والأفضل أن تكون الخاتمة مفتوحة وإشكالية، وتترك القارئ أمام سؤال دستوري وسياسي عميق بدل خاتمة تقريرية.
أقترح أن تُختتم المقال بهذا المقطع:
خاتمة: هل تستطيع السياسة أن تسبق المستقبل؟
إن الولاية التشريعية الجديدة لا تواجه فقط تحدي إنتاج القوانين أو ممارسة الرقابة على الحكومة، وإنما تواجه تحولا أعمق يتعلق بإعادة تعريف وظيفة النخبة السياسية في عصر أصبحت فيه البيانات موردا استراتيجيا وأصبح الذكاء الاصطناعي قادرا على تحليل الحاضر واستشراف المستقبل.
فالمؤسسة التشريعية التي تكتفي بقراءة ما حدث قد تجد نفسها دائما متأخرة عن الواقع بينما المؤسسة التي تمتلك القدرة على تحليل المعطيات وتقييم أثر السياسات العمومية ومحاكاة السيناريوهات واستشراف المخاطر، تستطيع أن تنتقل من منطق إدارة الأزمات إلى منطق منعها ومن مراقبة النتائج إلى استباق أسبابها ومن تدبير الحاضر إلى صناعة المستقبل.
غير أن الرهان لا يتعلق بمنح الخوارزميات سلطة القرار وإنما بإخضاع التكنولوجيا لمنطق الدستور والقانون والمصلحة العامة والمساءلة الديمقراطية، فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يحلل ويتوقع ويقترح لكنه لا يمتلك شرعية انتخابية ولا يتحمل مسؤولية سياسية ولا يستطيع أن يقرر وحده ما هو عادل أو مشروع.
ولهذا فإن النخبة السياسية الجديدة لن تقاس فقط بقدرتها على استعمال التكنولوجيا وإنما بقدرتها على فهمها ومساءلتها وضبطها وتوظيفها لخدمة القرار العمومي. إن الانتقال إلى الحكامة الاستباقية يقتضي إذن إعادة بناء العلاقة بين السياسة والمعرفة والمالية العمومية والتكنولوجيا، بحيث تصبح البيانات أساسا للفهم ويصبح التوقع أساسا للتخطيط ويصبح تقييم الأثر أساسا للمساءلة وتظل المسؤولية السياسية والدستورية بيد المؤسسات المنتخبة.
فإذا كان الذكاء الاصطناعي قد بدأ يغير طريقة الدولة في قراءة الواقع واستشراف المستقبل، فإن السؤال الذي ينبغي أن يظل مفتوحا أمام النخب والمؤسسات ليس فقط:
ماذا يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يفعل بالسياسة؟
بل السؤال الأعمق هو:
هل تستطيع السياسة أن تطور نفسها بالسرعة التي يتطور بها الذكاء الاصطناعي، أم أن المستقبل سيصبح أسرع من قدرة مؤسساتنا على استشرافه؟
اترك تعليقاً