أخذ كل شيء… ثم قال: رعاية أمي مسؤولية أخواتي!..

حين يتحول برّ الوالدين إلى عبء على البنات وامتياز للابن
هناك قضايا لا تحتاج إلى كثير من الجدل الفقهي بقدر ما تحتاج إلى قليل من العدل وكثير من الضمير.
وقضية الأم العاجزة التي نتحدث عنها واحدة منها.
نحن أمام أم أفنت عمرها في تربية ابنها. أطعمته وكسَته، أنفقت على تعليمه، ساعدته على الزواج، وفتحت له أبواب حياتها ومالها. ولم يتوقف الأمر عند ذلك، فقد أعطته ما تملكه من أموال، بما في ذلك ما آل إليها من إرث عن أبيها، وما ورثته عن زوجها المتوفى.
أما بناتها، فلم تمنحهن من تلك الأموال شيئاً.
كان الابن هو المستفيد الأكبر، وربما الوحيد، من ثروة الأم.
لكن الأيام دارت دورتها.
كبرت الأم، وأصابها العجز، وأصبحت مقعدة لا تستطيع أن تدبر شؤون حياتها بنفسها، وأصبحت بحاجة إلى من يرعاها ويطعمها ويؤنسها ويهتم بعلاجها ودوائها ونظافتها وسائر احتياجاتها.
وهنا كان المنتظر، من الناحية الإنسانية قبل أي شيء آخر، أن يكون الابن أول الواقفين إلى جانب أمه.
فهو الذي أخذ منها كل شيء تقريباً.
لكنه اختار موقفاً آخر.
قال، بعظمة لسانه، إن رعاية الأم مسؤولية البنات!
ولم يكتف بذلك، بل تنصل من المشاركة في رعايتها، ولم يوفر لها بيتاً مناسباً، ولم يخصص لها خادمة أو ممرضة، رغم قدرته المالية على ذلك، ثم ترك أخواته يتناوبن على رعايتها والإنفاق عليها.
هنا لا بد من طرح السؤال بصراحة:
أي عدل هذا؟
لا نتحدث هنا عن ابن فقير عاجز لا يستطيع مساعدة أمه.
ولا نتحدث عن ابن يعاني ظروفاً قاهرة تمنعه من القيام بواجبه.
نحن نتحدث عن ابن ميسور وقادر، أخذ أموال أمه، ثم عندما أصبحت في حاجة إليه قال إن رعايتها مسؤولية أخواته!
هل الزواج يمحو حق البنت في أمها؟
قد يقول قائل: إن البنات متزوجات، وبالتالي فمسؤولياتهن أصبحت في بيوت أزواجهن.
صحيح أن الزواج ينشئ للمرأة مسؤوليات جديدة، لكن هل يمحو ذلك علاقتها بأمها؟
بالطبع لا.
فالقرآن لا يجعل بر الوالدين خاصاً بالرجل، ولا يقول إن البنت تفقد حق والديها عليها بمجرد زواجها.
يقول تعالى:
﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ﴾.
فالخطاب للإنسان، وليس للذكر وحده.
لكن وجود واجب البر على البنات لا يعني إطلاقاً أن الابن يستطيع أن يعلن إعفاء نفسه من المسؤولية.
هناك فرق كبير بين أن نقول:
«البنات عليهن واجب تجاه أمهن»
وبين أن نقول:
«رعاية الأم مسؤولية البنات وحدهن، والابن لا علاقة له بالأمر.»
الأول مفهوم.
أما الثاني فلا يستقيم مع العدل ولا مع الإحسان.
وهل أموال أزواج البنات أصبحت ملكاً لهن؟
هناك جانب آخر في هذه القضية يغفل عنه كثيرون.
البنات، بحسب الحالة التي بين أيدينا، غير عاملات، ولا يملكن دخلاً مستقلاً، وأزواجهن هم الذين ينفقون عليهن.
ومع ذلك، هن اللواتي ينفقن على الأم بالتناوب، من الأموال التي يوفرها لهن أزواجهن.
فهل من العدل أن يُطلب من هؤلاء النساء أن يتحملن نفقات أمهن من موارد أسرهن، بينما الابن الميسور الذي حصل على أموال الأم لا يدفع شيئاً؟
إن أرادت البنات أن يساعدن أمهن من باب الحب والرحمة والوفاء، فهذا إحسان عظيم.
لكن لا ينبغي أن يتحول إحسانهن إلى غطاء لانسحاب الابن من مسؤوليته.
فالابن لا يستطيع أن يقول: «زوجتي لا تريد رعاية أمي»، ثم يستنتج من ذلك أن أخواته يجب أن يتحملن كل شيء.
زوجته ليست مطالبة بأن تكون خادمة لحماتها، وهذا أمر ينبغي احترامه.
لكن الابن نفسه يستطيع أن يستأجر من يخدم أمه.
يستطيع أن يوفر لها مسكناً مناسباً.
يستطيع أن يتحمل علاجها ودواءها.
يستطيع أن يدفع تكاليف رعايتها.
ويستطيع أن يشارك أخواته في المسؤولية.
أما أن يرفض كل ذلك ثم يقول إن الرعاية مسؤولية البنات، فهذه ليست مشكلة زوجته، بل مشكلة موقفه هو من أمه.
ماذا يقول القرآن؟
إذا أردنا أن نخرج من دائرة الموروث والقياس، وأن ننظر إلى المسألة من خلال القرآن وقيمه، فسنجد أن القرآن لا يفصل بين العدل والإحسان.
يقول تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾.
ويقول عن الوالدين عند بلوغهما الكبر:
﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾.
لاحظوا التعبير القرآني:
«يبلغن عندك الكبر».
أي إن مرحلة الكبر والعجز ليست مرحلة يتخلى فيها الإنسان عن والديه، وإنما هي المرحلة التي يصبح فيها الإحسان إليهما أكثر إلحاحاً.
الأم التي ربت ابنها في أيام ضعفه، أصبحت اليوم هي الضعيفة.
والابن الذي كان يحتاج إلى أمه أصبح اليوم قادراً.
فأين الوفاء؟
أخذ المال شيء… ورعاية الأم شيء آخر
قد يقول البعض: «لكن الأم أعطته مالها بإرادتها، وأصبح المال ملكه.»
حتى لو سلمنا بذلك من الناحية القانونية أو من حيث أصل التصرف في المال أثناء الحياة، فإن السؤال الأخلاقي يبقى قائماً:
ماذا فعل الابن بهذا الامتياز عندما احتاجت إليه أمه؟
ليس المطلوب أن يعيد إليها بالضرورة كل ما أعطته له.
وليس المطلوب أن يحسب ثمن الطعام الذي أكلَه في طفولته، أو ثمن التعليم الذي حصل عليه.
الأم لا تربي أبناءها بمنطق الحساب التجاري.
لكن عندما تصبح الأم عاجزة، ويكون ابنها قادراً على رعايتها، فإن أقل ما ينتظر منه هو أن يقف إلى جانبها.
خصوصاً إذا كان قد استفاد من أموالها أكثر من أخواته.
المفارقة المؤلمة
المفارقة هنا أن البنات اللواتي لم يحصلن على شيء من أموال الأم هن اللواتي يتحملن اليوم عبء رعايتها.
والابن الذي حصل على أموالها هو الذي يقول:
«الرعاية مسؤولية البنات.»
هذه الجملة وحدها تختصر مأساة أخلاقية كاملة.
فالابن يريد أن يكون وارثاً عندما يتعلق الأمر بالمال، وبعيداً عن المسؤولية عندما يتعلق الأمر بالرعاية.
يريد أن يستفيد عندما تكون الأم قادرة على العطاء، ثم ينسحب عندما تصبح محتاجة إلى العطاء.
وهنا لا بد أن نسأل:
هل يمكن أن يكون هذا هو معنى بر الوالدين؟
أم أن بر الوالدين يتحول في هذه الحالة إلى كلمة تستخدم للضغط على من لا يملك القوة، بينما يُعفى منها من يملك القدرة؟
لا نعاقب الأم بسبب خطئها
ومع ذلك، يجب ألا تدفع الأم ثمن الخلاف بين أبنائها.
إذا كانت البنات يستطعن رعايتها، فعليهن ألا يتركنها وحيدة.
فالمرأة العاجزة ليست مسؤولة عن الخلافات التي نشأت حولها.
لكن في الوقت نفسه، يجب ألا يتحول حب البنات لأمهن إلى وسيلة لاستمرار تهرب الابن من المسؤولية.
يمكن للأخوات أن يقلن لأخيهن:
نحن لن نتخلى عن أمنا، ولكنها أمك أيضاً.
سنرعاها بما نستطيع، ولكنك قادر على تحمل نفقات لا نستطيع تحملها.
أنت أخذت من مالها ما لم نحصل عليه نحن، واليوم لا نطالبك برد ما أخذته، وإنما نطالبك فقط بألا تتخلى عنها وهي عاجزة.
هذه ليست مطالبة بالانتقام.
إنها مطالبة بالعدل.
في النهاية
الأم ليست صندوقاً للمال في مرحلة قوتها، ثم عبئاً يجب التخلص منه في مرحلة عجزها.
والبنت المتزوجة لا تتحول بزواجها إلى شخص بلا والدين.
والابن لا يحصل على حق في مال أمه ثم يحصل، في المقابل، على إعفاء من رعايتها عندما تحتاج إليه.
إذا كانت الأم قد أخطأت في حياتها عندما أعطت ابنها ما لم تعطِ بناتها، فذلك لا يجعل البنات مذنبات.
وإذا كان الابن قد قبل ما أعطته أمه له، فلا ينبغي أن يقبل أيضاً أن تتحول مسؤوليتها إلى أخواته عندما تصبح عاجزة.
من أخذ كل شيء ليس بالضرورة مطالباً بإعادة كل شيء، لكنه مطالب على الأقل بألا يترك صاحبة كل شيء وحيدة عندما تصبح في أمسّ الحاجة إليه.
هذه هي القضية في جوهرها.
ليست قضية ابن وبنات.
وليست قضية زوجة وحماة.
وليست قضية مال وميراث فقط.
إنها قضية وفاء وعدل وإحسان.
والسؤال الذي ينبغي أن يبقى مفتوحاً أمام الضمير:
إذا كانت الأم قد أعطت ابنها كل ما تستطيع، فمن يقف معها عندما لا يبقى لديها شيء تعطيه؟
اترك تعليقاً