الشعب هو الدواء و الداء معا…!!

تمهيد:
بداية هذا الموضوع لا يخص أصحاب مقاطعة الإنتخابات، ولا يعنيهم في شيء أقدر موقفهم و أحترمه، و هم على كل حال غير ملزمين حتى بقراءة هذا المقال، السؤال المطروح هنا : هو متى يكون الشعب دواء ومتى يكون داء..؟ نحن نتكلم عن شعب واحد يمكن أن يحدث فيه الأمرين معا، طبعا لا يمكن أن تحدث الحالتين بشكل متزامن، فإذا كان الشعب دواء فهذا يعني بالضرورة أنه ليس بداء والعكس صحيح، مناسبة هذا الكلام هو اقتراب موعد التصويت في 23 شتنبر 2026، و مع اقتراب انطلاق الحملة الانتخابية البرلمانية، تتوجه كل الأحزاب الوطنية و الإدارية أغلبية و معارضة، إلى الشعب المغربي ( العزيز ) طالبة وده و صوته للظفر بتشكيل الحكومة، يحدث هذا كل خمس سنوات حيث تنتبه الدولة و الأحزاب والإعلام الرسمي و المستقل، إلى أن هناك شعبا له حقوق ومطالب في العيش الكريم و أحلام و آمال، ثم تتجند بعد ذلك كل القنوات رسمية وغير رسمية، حيث تنتج برامج حوارية و روبورتاجات، وتقوم بتغطية كل الأنشطة الحزبية في السهل و الجبل، على العموم هذا شيء جيد لكن العيب هو الموسمية، و ياليتها كانت تشبه مواسم الأولياء الصالحين، موسم سيدي بو حصيرة مثلا الذي يقام كل عام بدل حدوثها كل خمس سنوات…
_ كبش العيد لا يمكن تسمينه في أسبوع واحد قبل موعد الذبح:
هذا صحيح يجب الاهتمام بالخروف لمدة سنة أو سنتين على الأقل، يعني يلزم وقت أطول لعملية التسمين، هذا فيما يخص البهائم من أكباش و أبقار فما بالك بمن أراد توعية شعب بكامله على بعد أسبوع أو أسبوعين من التصويت، إن هذا هو العبث بعينه فبعد انسحاب أغلب الأحزاب، إلا من رحم ربك من ساحة الفن الملتزم و محراب الثقافة، و اكتفوا بندوات و تصريحات سياسية هنا وهناك ظنا منهم أن هذا هو المطلوب، حيث أصبحت قاعات الثقافة و دور الشباب مهجورة في البوادي و المدن، وفي غياب التوعية المستدامة طيلة خمس سنوات، استبد الجهل بالمواطن وأصبحت السياسة عنده هي طواجن الغلمي و البݣري، وخاصة عندما وصل ثمن اللحم إلى 130 و 150 درهم، ولسان حاله يقول : ( دعونا نأكل في خاطرنا و نشفي الغليل في اللحم… لا لتسيس الزردة)، أما الحملات الانتخابية عنده فهي مجرد صراخ و مشادات بين الأحزاب، يلخصها في أمرين : الأول هو ( كلها يلغي بلغاه ) والثاني ( كل واحد ينش على كبالتو باش تطيب )، وبذلك يضع المواطن كل الأحزاب في كفة واحدة، لا فرق عنده بين أحزاب المعارضة و الأغلبية اليسار أو اليمين، يقول ليك (ݣاع أولاد عبد الواحد واحد)، هنا يتحول الشعب إلى داء بدل الدواء، طبعا هو معذور و ضحية سياسة التجهيل الممنهج الثقافي و الإعلامي منذ سنين، والمسؤولية تتحملها الأحزاب التي تدعي المبدئية و حمل رسالة التغيير، ولكي يصبح الشعب هو الدواء يجب العمل بجد، والعودة إلى معترك الفن الملتزم والثقافة البانية، بنفض الغبار عن كراسي دور الشباب و قاعات الثقافة، أما الاكتفاء بالعمل السياسي فقط فهذا يعد خطأ فادحا، نعم الزعيم السياسي لا يريد من أحد أن يزاحمه فوق منصة الخطابة، لا مثقف ولا فنان مخافة أن تسرق منه الأضواء، يجب أن يعلم كل زعيم أن الوطن أهم منه و من نزواته، قال أحد السياسيين المغاربة نريد ثورة ثقافية، وكأن هذه الأخيرة تأتي وحيا من السماء، إن الثورة السياسية الفرنسية لم تأت هكذا اعتباطا سبهللة، بل سبقها عمل فني و ثقافي جبار كان تمهيدا لها، انخرط فيه الأديب والسياسي والفنان إلى جانب الشاعر و المثقف والرسام والمسرحي….، في النهاية كانت ثورة عظيمة امتد تأثيرها إلى العالم، رغم ذلك لست من أنصار هذه الثورة الدموية الهمجية العنيفة، التي كان شعارها ( اشنقوا ٱخر ملك بأمعاء ٱخر قسيس ). أما في المغرب نريد فقط إعادة الاعتبار للمثقف والفنان إلى جانب السياسي طبعا، من أجل بناء وعي حقيقي بدل هذا العبث السياسي الذي وصلنا إليه…
_ شعب يصلح فقط للتصويت وهو بذلك يشبه ذكور النحل …!!
جاءت في القرآن سورة تحمل اسم النحل نظرا لأهمية هذه الحشرة، وهذه الأخيرة مسؤولة عن تلقيح حوالي 80% من نباتات و أشجار كوكب الارض، والخلية تتكون من العاملات و الذكور و الملكة، كل مكلف بمهمة محددة الملكة مكلفة بالتبويض، و العاملات لهن أعمال مختلفة من حراسة الخلية و جلب العسل و التنظيف و إطعام الملكة و الذكور و اليرقات، لكن الذي يهمنا هو عمل الذكور الذي يشبه تقريباً عمل الشعب، حيث كل مكلف بمهمة وحيدة ثم ينتهي دوره، طبعا هناك اختلاف من حيث الشكل فقط لكن النتيجة واحدة، ذكور النحل لها مهمة وحيدة هي تلقيح الملكة كي تستمر في التبويض 5سنوات، والشعب ينتهي دوره هو كذلك عند رميه ورقة التصويت في الصندوق، كي يستمر هذا الأخير في إنتاج أو ( تبويض) قوانين أغلبها ضار به طيلة خمس سنوات، لكن الذكور في خلية النحل لهم امتيازات كثيرة، لهم حق السكن المجاني وكما توفر لهم العاملات الحماية المدنية والأمنية، ثم توفر لهم كذلك الطعام والشراب طيلة مدة تبويض الملكة أي خمس سنوات، إنها رعاية اجتماعية ممتازة، كل هذا مقابل الخدمة الوحيدة التي يقوم بها الذكور مرة كل خمس سنوات، وهذا فيه تقدير و امتنان واعترف بالجميل من الملكة و العاملات لأصحاب هذه الخدمة، في المقابل الشعب المغربي لازال محروما، من كل الإمتيازات التي يتمتع بها ذكور النحل، ليس له حق السكن المجاني ولا العيش الكريم، ولا الرعاية الصحية والإجتماعية ولا الحماية الأمنية، يعيش في جحيم الأسعار الملتهب وغياب الكرامة والتقدير، طيلة خمس سنوات يرى فيها الشعب المقهور النجوم في عز الظهر، لكن هناك استثناء واحد هو عندما يحل موسم ( تلقيح ) صناديق الاقتراع، يمكن لهذا الشعب المسكين أن يستريح أخيراً ويأكل مجانا، والحلول ضيفا على موائد بعض الأحزاب (السخية )، لا بل يتجاوز الكرم طواجن اللحم بالبرقوق إلى إكراميات من فئة 200 درهم فما فوق، هنا يجب على الأحزاب الوطنية وصاحب المرجعية الإسلامية كذلك، أن تقول كفى أن ينتفضوا ضد هذا المسخ و العبث السياسي… يجب ألا تكون الأحزاب مجرد دكاكين انتخابية تفتح كل خمس سنوات ثم تغلق…
ملاحظة:
أتمنى أن لا أكون كمن ينفخ في قربة مثقوبة أو في الرماد.
اترك تعليقاً