ملف الهجرة بين الحسابات الانتخابية والجيوسياسة ومصالح الشعبين المغربي والإسباني

في خضم التوتر الذي أعقب أحداث الهجرة الجماعية الأخيرة نحو مدينة سبتة المحتلة، يفرض سؤال نفسه بقوة، بعيداً عن الانفعال والمزايدات السياسية: من له المصلحة فعلاً في توتر العلاقات المغربية الإسبانية في هذه الظرفية الحساسة؟
إن الإجابة عن هذا السؤال لا ينبغي أن تنطلق من نظريات المؤامرة أو الاتهامات المجانية، بل من قراءة مجردة للمصالح المتشابكة، ولحجم التحولات التي عرفتها العلاقات بين الرباط ومدريد خلال السنوات الأخيرة.
فالمغرب وإسبانيا ليسا مجرد دولتين متجاورتين يفصل بينهما مضيق، بل يشكلان معاً نقطة جيوستراتيجية ذات أهمية استثنائية بين إفريقيا وأوروبا، وبين البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي. وأي توتر طويل بينهما لا يمكن أن يبقى شأناً ثنائياً، بالنظر إلى موقعهما في معادلات الهجرة والأمن والطاقة والتجارة والملاحة الدولية.
والسؤال، إذن، لا يتعلق فقط بما وقع في سبتة المحتلة في نهاية شهر يوليوز 2026، بل بما يمكن أن يؤدي إليه الاستثمار السياسي في ما وقع.
لكن ما يجب أن يفهمه الطرفان هو أن هناك شراكة استراتيجية يصعب اختزالها في أزمة حدودية عابرة.
ما يجب أن يدركه الجميع هو أن الرباط ومدريد قطعتا خلال السنوات الأخيرة أشواطاً مهمة في إعادة بناء الثقة السياسية وإرساء شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد.
وتعد إسبانيا الشريك التجاري الأول للمغرب على مستوى الشركاء الثنائيين، إذ يناهز حجم المبادلات التجارية بين البلدين حوالي 23 مليار يورو، مع استمرار نمو الصادرات والواردات. وقد بلغت الصادرات الإسبانية نحو المغرب، خلال النصف الأول من سنة 2026، حوالي 6,42 مليار يورو، فيما بلغت الواردات نحو 5,79 مليار يورو.
اقتصادياً، أصبحت إسبانيا من أهم الشركاء التجاريين للمغرب، ووصل حجم المبادلات والاستثمارات بين البلدين إلى مستويات قياسية، بما يجعل أي توتر سياسي ممتد قابلاً لأن ينعكس على آلاف المقاولات، وفرص الشغل، وسلاسل الإنتاج والاستثمار على جانبي المضيق.
وأمنياً، عزز البلدان آليات التنسيق والتعاون في ملفات الهجرة والجريمة المنظمة ومكافحة الشبكات العابرة للحدود، وهي ملفات لا يمكن لأي دولة تدبيرها منفردة.
أما سياسياً، فقد عادت العلاقات إلى مستوى متقدم من الحوار والتعاون بعد مراحل من التوتر، وهو ما يجعل من الضروري حماية ما تحقق من مكاسب من منطق الأزمات الظرفية.
كما أن الاستحقاق الرياضي العالمي المتمثل في التنظيم المشترك لكأس العالم سنة 2030 يمنح التعاون المغربي الإسباني، إلى جانب البرتغال، بعداً جديداً يتجاوز الحسابات الثنائية التقليدية. فنجاح هذا المشروع يحتاج إلى استقرار سياسي وتنسيق لوجستي وأمني واقتصادي واسع، ويجعل من التعاون بين ضفتي المضيق رهانا دولياً، لا مجرد خيار دبلوماسي.
وفي ما يتعلق بالملفات الترابية العالقة، فإن التاريخ نفسه يقدم درساً مهماً: فالملفات المعقدة لا تحل بالصراخ الإعلامي أو التحريض، وإنما بالحوار والتفكير السياسي الهادئ.
وقد سبق للملك الراحل الحسن الثاني أن دعا، في سياق البحث عن معالجة مستقبل العلاقات والقضايا الترابية، إلى التفكير الهادئ في مستقبل هذه الملفات، بدل الانجرار إلى منطق المواجهة الدائمة.
ولهذا، فإن ما صدر عن جهات إسبانية يمينية متطرفة، خلال إحدى المظاهرات، من تمزيق للعلم الوطني المغربي، يدخل في خانة السلوك المستفز، لما يمثله من انتهاك لرمزية علمنا الوطني، الذي يجسد سيادة دولة وكرامة شعب وذاكرته الجماعية.
إن الخلافات التاريخية لا ينبغي أن تمنع صناعة المستقبل، بل يفترض أن تدفع إلى البحث عن صيغ سياسية ودبلوماسية تسمح بإدارة الماضي دون أن يصبح سجناً للمستقبل.؟
يحق لنا أن نطرح سؤالاً يؤرق الرأي العام: من يستفيد من هذا التوتر ومن يغذيه؟
إذا كانت مصالح المغرب وإسبانيا الاقتصادية والأمنية والسياسية تتطلب الاستقرار، فمن الطبيعي أن نتساءل عن الأطراف التي قد تجد في التصعيد مكاسب سياسية أو استراتيجية.
أول المستفيدين هم التيارات الشعبوية واليمين المتطرف، التي تحتاج، في لحظات الاستقطاب الانتخابي، إلى عدو سهل وإلى خطاب يقوم على الخوف والترهيب.
وفي هذا السياق، يصبح المهاجر، وخاصة المغربي، مادة انتخابية دسمة في وسائل الإعلام الإسبانية، ويتحول المغرب إلى موضوع للمزايدة السياسية، وتُستدعى ذاكرة تاريخية انتقائية لإحياء ما يعرف في الخطاب الشعبوي الإسباني بـ«عقدة المورو».
غير أن هذا الخطاب، مهما كان صاخباً، لا يستطيع الصمود أمام حقائق الجغرافيا والمصالح.
فالمغرب ليس قوة عابرة في جنوب المتوسط، وإسبانيا ليست جزيرة منفصلة عن محيطها الجغرافي والحضاري.
هناك تاريخ مشترك لا يمكن إنكاره، لكنه ليس محكوماً بالضرورة بصراعات الماضي.
وإذا كان الماضي قد عرف الحروب والمواجهات، فإن المستقبل يفرض اليوم التعاون والتشاور والتنسيق والحكمة.
إن استدعاء «المورو» كفزاعة انتخابية لا يقدم حلاً للهجرة، ولا يحمي الاقتصاد الإسباني، ولا يضمن الأمن، ولا يخدم مستقبل العلاقات بين الشعبين.
بل إنه يغذي الخوف ويمنح اليمين المتطرف وقوداً انتخابياً رخيصاً.
واقع الأمر يؤكد أن إسبانيا تحتضن اليوم أكثر من مليوني مغربي، يمثلون جسوراً بشرية بين البلدين.
ولهذا لا يمكن الحديث عن العلاقات المغربية الإسبانية بمنطق العلاقات الرسمية فقط.
ففي إسبانيا جالية مغربية كبيرة تشكل إحدى أهم الجاليات الأجنبية في البلاد، وتساهم في الاقتصاد والمجتمع والثقافة.
إن هؤلاء ليسوا مجرد أرقام في ملف الهجرة، بل هم جسر إنساني واجتماعي واقتصادي بين البلدين.
وفي المقابل، لا يمكن إنكار عمق الحضور الثقافي العربي والأندلسي والمغربي في الذاكرة الجماعية لعدد من مناطق إسبانيا، ولا سيما جنوبها. كما أن الاهتمام المتجدد لدى بعض الأوساط بالموروث الأندلسي والعربي والمتوسطي يعكس أن العلاقة بين الضفتين أعمق من الخطابات الشعبوية التي تحاول اختزالها في صناعة الخوف والصراع.
ولهذا، فإن من أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يسمح الخطاب الانتخابي المتطرف، في سعيه إلى كسب مواقع جديدة في الحكومة الإسبانية المقبلة، بتسميم العلاقات بين شعبين تجمعهما، إضافة إلى التاريخ والجغرافيا، حياة يومية ومصالح أسرية واقتصادية وإنسانية واسعة.
ومن المسلمات أنه في عالم اليوم، لا توجد أزمة محلية معزولة تماماً عن التنافس الدولي.
فالتوتر بين دولتين تتمتعان بموقع استراتيجي عند مدخل البحر الأبيض المتوسط يمكن أن يثير اهتمام أطراف دولية مختلفة، خاصة عندما تتقاطع ملفات الهجرة والموانئ والطاقة والأمن والملاحة الدولية والصراعات الإقليمية والدولية.
كما أن التوترات التي تعرفها إسبانيا في علاقاتها مع بعض القوى الدولية، مثل إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية، بسبب مواقفها من الحروب والصراعات الجارية في الشرق الأوسط، تجعل من الضروري الانتباه إلى خطر حروب المعلومات ومحاولات التأثير الرقمي.
والأهم هو إدراك أن الفراغ السياسي والتوتر الإعلامي يوفران بيئة مثالية لمن يريد خلط الأوراق والاستثمار في الانقسام.
ولهذا، فإن أفضل رد على أي محاولة لاستغلال الأزمة إعلامياً ليس المزيد من الاتهامات، بل تعزيز التنسيق الدبلوماسي المباشر بين مسؤولي البلدين، وتحصين العلاقة الثنائية من التضليل ومن الحسابات الخارجية التي قد تغذي الحدث بدل أن تكون طرفاً في الحل
المغرب وإسبانيا اليوم أمام مسؤولية تاريخية، ومطالبتان بأن تسألا نفسيهما سؤالاً بسيطاً:
هل تخدم هذه المواجهة العابرة مصالحنا؟
المغرب يحتاج إلى إسبانيا شريكاً اقتصادياً وأمنياً وسياسياً قوياً، وإسبانيا تحتاج إلى المغرب مستقراً وقوياً ومتعاوناً.
وما يجمع البلدين في مكافحة الهجرة غير النظامية والجريمة المنظمة والإرهاب أكبر بكثير مما يمكن أن تخلقه أزمة عابرة من توتر.
ولهذا، فإن الحكمة ليست ضعفاً، والحوار ليس تنازلاً، وضبط النفس ليس هروباً من الدفاع عن المصالح.
إن القوة السياسية الحقيقية هي القدرة على حماية المصالح الاستراتيجية من الانفعال الشعبوي والتحريض.
ما يجب أن يتم فهمه هو أن ملف الهجرة مسؤولية مشتركة، وليس شماعة سياسية.
ولهذا، فإن معالجة الأزمة لا يمكن أن تقتصر على العلاقة بين الرباط ومدريد.
فالهجرة غير النظامية هي نتيجة مركبة للفوارق الاقتصادية والاجتماعية بين ضفتي المتوسط، ولانسداد قنوات الهجرة القانونية، ولنَشاط شبكات التهريب.
ولا تستطيع أوروبا أن تطلب من المغرب وحده تحمل مسؤولية حماية حدود الاتحاد الأوروبي.
فالمغرب ليس مجرد حارس للحدود الأوروبية، كما أن التعاون الأمني لا يمكن أن يكون بديلاً عن التنمية والاستثمار وفتح مسارات قانونية للهجرة.
إن الاتحاد الأوروبي مطالب بتوسيع فرص التنقل المهني والتكوين والعمل الموسمي والهجرة الدائرية، لأن إغلاق كل الأبواب القانونية يفتح تلقائياً المجال أمام شبكات التهريب.
وبلدنا المغرب، بدوره، مطالب بمواجهة الأسئلة الداخلية التي تغذي الرغبة في الهجرة.
وهنا نصل إلى جوهر القضية.
لا تبدأ الهجرة غير النظامية في لحظة ركوب القارب أو اجتياز الحواجز.
إنها تبدأ حين يفقد الشباب ثقته في المستقبل:
* حين لا يجد عملاً.
* حين لا يرى علاقة واضحة بين التعليم وسوق الشغل.
* حين يشعر أن الفرص الاقتصادية غير موزعة بعدالة بين المجالات.
* حين تتحول الكفاءة إلى عنصر غير كافٍ أمام الوساطة والمحسوبية و«سياسة باك صاحبي».
ولهذا، فإن فشل السياسة العمومية في مجال التشغيل وإدماج الشباب يجب أن يكون جزءاً أساسياً من أي نقاش جدي حول الهجرة.
فالحكومة المقبلة، المنبثقة عن صناديق اقتراع 23 شتنبر 2026، ستكون مطالبة بتقديم جواب واضح:
كيف يمكن إدماج الشباب المغربي في الحركية الاقتصادية وفي صلب المشروع المجتمعي؟
ليس باعتباره مجرد مستفيد من برامج الدعم، بل باعتباره منتجاً وفاعلاً ومقاولاً ومبتكراً وشريكاً في صناعة القرار.
إن أكبر سياسة وقائية ضد الهجرة غير النظامية ليست مزيداً من الدوريات في البحر.
إنها:
* مدرسة جيدة تضمن تكافؤ الفرص بين المواطنين.
* وتكوين مهني مرتبط بسوق العمل.
* وفرصة شغل كريمة بأجور مناسبة.
* وإدارة نزيهة تساهم في زرع الثقة بين الناس.
* وتكافؤ في الفرص في ولوج سوق العمل.
* وعدالة مجالية بين الجهات.
* ومناخ اقتصادي يسمح للشباب بالمبادرة والإنتاج.
المغرب بلد يتوفر على طاقات شبابية هائلة، لكنه لا يزال عاجزاً عن تحويل هذه الطاقة إلى قوة إنتاج وإبداع ومقاولة وابتكار.
وعليه، فإن تغليب منطق المستقبل هو الخيار الأمثل في هذه الظروف الصعبة.
ربما تحتاج بعض القوى السياسية في إسبانيا إلى تجاوز استدعاء صور الماضي عند كل أزمة مرتبطة بالمغرب أو الهجرة.
فالعلاقة بين الشعوب لا يمكن أن تبنى على عقد تاريخية دائمة.
إن استحضار الماضي يجب أن يكون من أجل فهمه وتجاوزه، لا من أجل إعادة إنتاجه.
المغرب وإسبانيا مدعوان إلى مصالحة سياسية وثقافية مع التاريخ، وإلى معالجة الملفات العالقة بالحوار والتفاوض، وإلى بناء مستقبل يقوم على المصالح المشتركة.
فالشعوب التي تتصالح مع تاريخها تصبح أكثر قدرة على حماية مستقبلها.
والأجيال الجديدة على ضفتي المضيق لا ينبغي أن ترث فقط صراعات الماضي، بل ينبغي أن ترث أيضاً فرص التعاون.
من يريد الفوضى سيخسر موقعه في كتابة التاريخ
إن المستفيد الأول من توتير العلاقات المغربية الإسبانية هو كل من يربح من زراعة الخوف والانقسام والتصعيد.
فاليمين المتطرف الإسباني قد يكسب أصواتاً في الانتخابات البرلمانية.
وشبكات التهريب قد تستفيد من إغلاق الأبواب القانونية.
وقد تجد أطراف خارجية في التوتر فرصة لخدمة حساباتها الضيقة.
لكن الخاسر الأكبر سيكون شعوب المنطقة.
ولهذا، فإن أفضل جواب على الشعبوية ليس الشعبوية المضادة.
وأفضل جواب على الاستفزاز ليس الانفعال.
وأفضل جواب على محاولات خلط الأوراق هو الوضوح السياسي والحوار والتعاون.
المغرب وإسبانيا أمام فرصة تاريخية لتجاوز منطق الأزمة وبناء شراكة أكثر عمقاً، خصوصاً في ظل حجم المصالح الاقتصادية، والتنسيق الأمني، والتعاون السياسي، والاستحقاقات الدولية المشتركة.
لكن نجاح هذه الشراكة لن يكتمل دون معالجة جذور الهجرة.
وهنا يبدأ الامتحان المغربي الحقيقي:
هل تستطيع الحكومة المقبلة أن تجعل الشباب في صلب المشروع المجتمعي؟
هل تستطيع أن تمنحه:
* مكاناً في الاقتصاد؟
* فرصة في العمل؟
* صوتاً في القرار؟
* وثقة في المستقبل؟
إن الشاب الذي يجد مستقبله داخل وطنه لن يكون مضطراً للبحث عنه في قارب.
وعندما يدرك المغرب وإسبانيا أن أمنهما وازدهارهما مرتبطان بالتعاون أكثر من التوتر، يمكن أن يتحول مضيق جبل طارق من رمز للحدود والخوف إلى فضاء للشراكة والتنمية والمستقبل المشترك.
فالمصلحة الاستراتيجية للشعبين أكبر من الحسابات الانتخابية، وأقوى من عقد الماضي، وأبعد من أزمة عابرة يراد لها أن تتحول إلى حريق سياسي في منطقة لا تحتمل مزيداً من الاضطرابات السياسية والاقتصادية والأمنية.
* عادل بنونة، فاعل سياسي ونقابي
اترك تعليقاً