أطفال التوحد.. من يضمن حقهم في التمدرس؟

بدأت أوراق الخريف في التساقط، لكن حر الصيف لا يزال يلازم أهل فاس، من سهب الورد (بلا ورد) إلى فاس الجديد، حيث لا صوت يعلو على صوت الاستعداد للانتخابات التشريعية والصراع حول أصوات المواطنين.
غير أن أم يوسف تعيش على إيقاعات مختلفة، تجعلها تنفصل عن المكان، دخول مدرسي بلا طعم، ورائحة المعاناة تهيمن على الزمان، فحينما تمتزج عزة النفس بالحاجة إلى المساعدة، يصبح الشخص كالرحى التي تدور في صمت لتطحن الفراغ، ضجيج مستمر يرافق التفكير في حل مع قلة الحال، على أمل أن تنتج بنات أفكارها حلا للمعاناة.
لم يكن يوسف ليعيش لولا لطف الله في تقديره وتدبيره، وهو الآن في السادسة من عمره ويعاني من التوحد، وتشتد المعاناة مع بداية كل موسم دراسي، حيث يجد يوسف نفسه خارج حسابات المدارس، التي تصد الأبواب في وجه الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، فبأي حق يتم إقصاؤه من المدرسة؟ ومن المسؤول عن ضمان الحق الدستوري لأطفال التوحد في التمدرس؟
حلم المدرسة الدامجة
هي مدرسة توفر لأطفال الاحتياجات الخاصة بصفة عامة والتوحد بصفة خاصة، بيئة مثالية للتمدرس، من دون تمييز ولا تهميش ولا إقصاء، في ضمان تام لحقوق الطفل والإنسان، حيث يتم دمجهم مع باقي الأطفال، للتعلم رغم الاختلاف والفروقات الفردية، فلا الأستاذ ظالمهم ولا التلميذ لهم بالمرصاد.
وتوفر هذه المدرسة النموذجية مختصا نفسيا واجتماعيا، واختصاصيا في النطق والحركة، وأساتذة أكفاء، تلقوا من التكوين ما يؤهلهم لفهم اختلاف أطفال التوحد، وتوظيف وسائل تربية خاصة للتعامل معهم بناء على هذا الاختلاف، لتمكينهم من التحصيل الدراسي.
وهو مشروع وطني تسعى الدولة لتحقيقه وتعميمه على جميع المدارس، لكن الواقع الميداني يقول شيئا آخر، فإيجاد مدرسة دامجة قريبة، كالبحث عن إبرة في كومة قش، وهذا ما يدفع أولياء الأمور للبحث عن مقعد لأطفالهم في المدارس الخاصة، وهكذا كان حال أم يوسف.
المدارس الخاصة ومعايير المال والجمال
حينما تغلق أبواب المدرسة العمومية في وجه أطفال التوحد، تبقى المدارس الخاصة الأمل الوحيد للخروج من أزمة نفسية واجتماعية خانقة، لا يعرفها سوى من ذاق مرارة صد الأبواب، والانتظار في الطوابير بحثا عن مقعد دراسي، هي معاناة خاصة جدا، وستبقى اللغة عاجزة عن وصف تلك المعاناة، فمن ذاق عرف ومن سمع ليس كمن رأى.
ربما حالف الحظ أم يوسف السنة الماضية، لتجد لولدها مكانا في مدرسة خصوصية، غير أن الوضع قد تغير تماما هذه السنة، فقد تم إخبارها بضرورة البحث عن مدرسة أخرى، وأن المدرسة غير قادرة على الاستمرار في احتضان ولدها، ولم يكن قرار المدرسة بسبب خطورة حال يوسف البريء، لأن أعراضه خفيفة وليس فيها عنف يهدد سلامة الأطفال، أو يعرقل سير العملية التعليمية التعلمية، لكنه جاء نتيجة لحسابات تجارية مرتبطة أساسا بالمال والجمال، فهناك عدوى منتشرة في المدارس الخاصة، مفادها أن أطفال التوحد “بشعون” و”يشوهون” جمال المدرسة، وصورتها وسمعتها عند أولياء الأمور، الذين يرون أن وجود هؤلاء الأطفال “الأغبياء” إلى جانب أبنائهم “المختارين” و”الأذكياء”، نوع من الاستهتار وعدم المساواة، فهل هم أغبياء فعلا؟ وهل يشوهون جمال المدارس؟
الجواب قطعا هو “لا”، وهذا التنمر والاحتقار لأطفال أبرياء، يرجع أساسا لثقافة “الاحتقار” السائدة في بعض الأسر، التي لا تؤمن سوى بالقوة والمال، بعيدا عن القيم الإنسانية والكونية، في تحكيم تام لمنطق السوق والغابة في آن واحد، فالقوي يأكل الضعيف والسمكة الكبيرة تبتلع “السردينة” الصغيرة.
مما لا شك فيه أن سياسة صد الأبواب في وجه طفل التوحد، واعتباره كسردينة صغيرة، لا أمل لها في البقاء في مدرسة خاصة يدرس فيها أطفال الأغنياء والخواص، هو أمر غير مقبول ولا ينبغي السكوت عنه، ولا الخضوع لأولياء الأمور الذين يستخدمون سلطة المال، لممارسة التمييز ضد أطفال التوحد، وحرمانهم من حقهم الدستوري في التعليم.
محنة الأستاذ… بين الاستنكار والتبني
لا يمكن الحديث عن واقع تمدرس طفل التوحد دون الحديث عن دور الأستاذ المحوري في توجيه دفة السفينة للنجاة أو الغرق، فالأستاذ خاصة في التعليم الخصوصي الذي يئن تحت وطأة الخضوع في غالب الأحوال، قد يجد نفسه في صراع داخلي، بين التبني والاستنكار.
ويتجلى الجانب المضيء من الصراع الداخلي للأستاذ، في الرغبة في مساعدة هذا الطفل، واعتباره فرصة لإثبات الذات بإخراجه من العزلة وحثه على الاندماج وحمايته من تنمر الأطفال الآخرين، وهو ما نسميه التبني، أي تبني الأستاذ للحالة والدفاع عنها، وهو الأمر المطلوب والذي يتناغم مع توجهات الدولة في إدماج هؤلاء الأطفال بدلا من إقصائهم وعزلهم عن المجتمع.
لكن الجانب المظلم من الصراع يصب في اتجاه الرفض والاستنكار، حيث يعتبر الأستاذ طفل التوحد “بريكول حامض” ومسؤولية أخرى تضاف إلى قائمة المهام المتعبة والتي لا يتقاضى عنها شيئا ينسيه العناء والشقاء، وبالتالي فبيئة الاشتغال الهشة تخلق عند الأستاذ قابلية لاستنكار إدماج طفل التوحد في المدرسة، خاصة دون مرافقة.
ولهذا قد يعمل على الدفع باتجاه طرد الطفل وحث إدارة المدرسة على ذلك، حينما تحين أدنى فرصة للتخلص من هذا “العبء” و”صداع الراس”، ليجد الطفل نفسه في حلبة صراع من أجل البقاء، بين استنكار الأستاذ، وتنمر التلاميذ، وتربص أولياء الأمور، وبندقية الإدارة التي قد تطلق عليه النار في أي لحظة وتحكم عليه بالطرد. فمن يحمي هذا الطفل من بطش المدرسة ومن فيها؟
سلاح اليقين وتقبل الواقع
معاناة أطفال التوحد مع المدرسة جزء من الحكاية، والتي ستستمر إلى أجل غير مسمى، ولا يمكن التعامل مع هذا الوضع بالإنكار، بل يجب تقبل الواقع والاعتراف بوجود طفل مختلف بيننا، وهو أقل خطورة من التلميذ المشاغب، فهل نقصي المشاغب من مقاعد الدراسة، أم نتقرب منه للتحكم في زمام الأمور؟
حتى كتابة هذه السطور، لازالت أم يوسف تبحث لولدها عن مدرسة تؤويه، وسلاحها اليقين في نصر الله ليوسف على من عاداه، وتقبل الابتلاء بلسم ودواء، وهي تعيش على أمل استجابة هذا النداء، وهي لا تنادي سوى بتوفير حق ولدها في التعليم، والأكيد أنها ليست الوحيدة التي تعاني مع بداية كل موسم دراسي، وهنا يبرز دور المجتمع المدني وحماية الطفولة، والتي يجب أن تسعى لتخفيف الألم وتوجيه الأسر، كما تسعى للفوز بمنح الدعم العمومي، فمن يلبي النداء؟
اترك تعليقاً