منتدى العمق

الصور المزيفة وصناعة الوهم: كيف يغيّر الذكاء الاصطناعي نظرتنا إلى الحقيقة؟

صورة الكاتب عبدالله الحسيني

قبل سنوات قليلة، كانت العبارة الشائعة عند كل نقاش أو جدل هي “الصورة لا تكذب”. اليوم، تغيّر الأمر جذريا. أصبحت الصورة نفسها موضع شك، وأصبح إثبات أن ما نراه حقيقي مهمة أصعب من إثبات أنه مزيف.

هذا التحول لم يحدث بين عشية وضحاها، بل جاء نتيجة تطور سريع في تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي، التي باتت قادرة على إنتاج صور وفيديوهات تحاكي الواقع بدقة مذهلة، لدرجة يصعب معها على العين المجردة، بل وحتى على بعض الخبراء، التمييز بين ما هو حقيقي وما هو مصطنع.

من أداة تعبير إلى أداة تضليل

في البداية، كان الذكاء الاصطناعي التوليدي يُقدَّم كأداة إبداعية: رسم لوحات فنية، تصميم إعلانات، أو حتى تجريب أفكار بصرية بطريقة سريعة وغير مكلفة. لكن سرعان ما انزلق استخدامه نحو مجالات أكثر حساسية، حين بدأت تظهر صور مفبركة لشخصيات عامة في مواقف لم تحدث أبدا، أو مقاطع صوتية تُنسب لأشخاص لم يقولوا ما نُسب إليهم.

في المغرب كما في باقي العالم، أصبحنا نرى بين الفينة والأخرى صورا أو فيديوهات تنتشر بسرعة عبر فيسبوك أو إنستغرام أو تيك توك، ليتبيّن لاحقا أنها من صنع الذكاء الاصطناعي. المشكلة ليست فقط في وجود هذا المحتوى، بل في السرعة التي ينتشر بها قبل أن يتمكن أحد من تفنيده.

لماذا يصعب علينا اكتشاف الخدعة؟

الأمر لا يتعلق بسذاجة المستخدم، بل بطبيعة هذه التقنيات نفسها. فالخوارزميات الحديثة تتعلم من ملايين الصور الحقيقية، وتُعيد إنتاج التفاصيل الدقيقة: الإضاءة، الظلال، تعابير الوجه، وحتى العيوب الصغيرة التي تجعل الصورة تبدو طبيعية. النتيجة هي محتوى يخاطب حاستنا البصرية بلغتها الخاصة، ويستغل ثقتنا الفطرية فيما نراه بأعيننا.

وهنا يكمن الخطر الحقيقي: حين تفقد الصورة قدرتها على أن تكون دليلا، يصبح كل شيء قابلا للتشكيك فيه، حتى الحقيقي منه. فبعض الأشخاص باتوا يستخدمون حجة “هذا مزيف بالذكاء الاصطناعي” للتنصل من صور حقيقية توثّق تصرفات فعلية. هذه الظاهرة تحمل اسما متداولا في الأوساط الأكاديمية: “عائد الكاذب” (Liar’s Dividend)، أي أن مجرد وجود إمكانية التزييف يمنح الكاذبين غطاء لإنكار الحقائق.

أين يضعنا هذا كقراء ومستخدمين؟

المسؤولية اليوم لم تعد فقط على عاتق الجهات التي تطوّر هذه التقنيات أو تلك التي تشرّع لاستخدامها، بل أصبحت أيضا مسؤولية فردية. التعامل مع أي محتوى بصري يُثير الدهشة أو الصدمة يتطلب وقفة قصيرة قبل المشاركة: من مصدر هذا المحتوى؟ هل تم تأكيده من جهة موثوقة؟ هل التفاصيل منطقية؟

بعض المؤشرات البسيطة قد تساعد في كشف الصور المفبركة، مثل الأيدي والأصابع غير المتناسقة، أو الخلفيات التي تحمل تفاصيل غير منطقية، أو النصوص المشوهة داخل الصورة. لكن هذه العلامات تتراجع يوما بعد يوم مع تطور الأدوات، ما يجعل الحل الحقيقي أعمق من مجرد الفحص البصري: إنه يكمن في بناء عادة نقدية دائمة تجاه كل ما نستهلكه من محتوى رقمي.

نحو ثقافة رقمية جديدة

لا يمكن إيقاف تطور الذكاء الاصطناعي، ولا ينبغي ذلك أصلا، فهذه التقنيات تحمل إمكانات هائلة في مجالات التعليم والصحة والإبداع. لكن المطلوب هو مواكبة هذا التطور بثقافة رقمية توازيه، تُعلّم الأجيال الجديدة كيف تتعامل مع الصورة كوسيلة قابلة للتشكيك، لا كدليل قاطع.

في نهاية المطاف، لم تعد المعركة الحقيقية هي بين الإنسان والآلة، بل بين قدرتنا على التمييز ورغبة البعض في التلاعب بهذا التمييز. وكلما تأخرنا في بناء هذا الوعي، أصبح الفرق بين الحقيقة والوهم أصعب وأدق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *