جدوى المقاطعة: هل تغيير قواعد اللعبة يمر عبر مغادرة اللعبة؟

تتقاطع جماعة العدل والإحسان وحزب النهج الديمقراطي العمالي، رغم اختلاف مرجعياتهما ومشاريعهما السياسية، عند تشخيص واحد للأزمة الانتخابية في المغرب: المؤسسات المنتخبة لا تملك، في نظرهما، القرار السياسي الفعلي، والانتخابات لا تنتج تداولا حقيقيا على السلطة، وشروط المنافسة السياسية لا توفر ما يكفي من ضمانات الديمقراطية والمحاسبة. لذلك اختارت الجماعة مقاطعة انتخابات 23 شتنبر 2026، فيما كان النهج قد أعلن منذ يونيو مقاطعة الاستحقاقات، معتبرا أنها تفتقد الحد الأدنى من شروط الديمقراطية، وربط ذلك بالدستور القائم، وإغلاق الحقل السياسي، ودور وزارة الداخلية في صناعة الخرائط الانتخابية والحزبية، وغياب ضمانات كافية للحريات وحقوق المعارضة.
هذا التشخيص يستحق النقاش الجدي، لأن السؤال الذي يطرحه يتجاوز الانتخابات نفسها إلى طبيعة السلطة السياسية: ما جدوى أن يختار المواطن ممثليه إذا كانت هذه المؤسسات لا تملك كل أدوات القرار؟ ومن المسؤول الذي ينبغي أن يحاسبه الناخب إذا كانت المسؤولية موزعة بين مؤسسات وسلطات مختلفة؟ لكن قوة التشخيص لا تعني بالضرورة صحة النتيجة التي تترتب عنه. فالسؤال الأصعب ليس فقط: هل الانتخابات الحالية كافية لإنتاج ديمقراطية كاملة؟وإنما: هل مقاطعتها تقرب فعلا من الديمقراطية التي يطالب بها المقاطعون، أم أنها تكتفي بإثبات أن الديمقراطية القائمة ناقصة؟
حين يصيب التشخيص وتخطئ النتيجة
تقول جماعة العدل والإحسان، في بيانها الصادر في 9 شتنبر، إن الانتخابات بصيغتها الحالية لم تستطع نقل المغرب إلى أفق أوسع من الديمقراطية والحرية والعدل، وإن المؤسسات المنتخبة لا تملك القرار السياسي الفعلي، ولا تفضي الانتخابات إلى تداول حقيقي على السلطة، في ظل استمرار التضييق على الحريات وغياب شروط المنافسة السياسية الحرة والعادلة. وتبني على ذلك قرار المقاطعة، مع التأكيد أن هذا الموقف لا يعني الانسحاب من الشأن العام، وإنما مواصلة النضال من أجل الحرية والكرامة والحكامة الرشيدة ومؤسسات منتخبة ذات صلاحيات فعلية. أما النهج الديمقراطي العمالي، فقد صاغ موقفه ضمن رؤية أوسع للتغيير، معلنا أن انتخابات شتنبر تفتقد الحد الأدنى من شروط الديمقراطية، ورابطا المقاطعة بمطالب تشمل تغيير الدستور، وإنهاء التحكم في صناعة الخرائط الانتخابية والحزبية، وضمان الحريات وحقوق المعارضة وحرية الصحافة.
يصعب، من حيث المبدأ، رفض الجزء الأول من هذه الحجة: الانتخابات لا تساوي الديمقراطية بالضرورة. فالانتخابات لا تصبح ديمقراطية كاملة لمجرد فتح مكاتب التصويت، وإنما تحتاج إلى: منافسة حرة، حريات سياسية وإعلامية، تكافؤ في الفرص، مؤسسات قادرة على ممارسة صلاحياتها، ومسؤولين يمكن مساءلتهم عن القرارات التي يتخذونها. لكن الخطأ يبدأ عندما يتحول الاستنتاج الصحيح، أي أن الانتخابات غير كافية، إلى استنتاج آخر أكثر اتساعا، وهو أنها عديمة الجدوى أو أن الامتناع عنها هو الطريق الأقرب إلى التغيير. هناك مسافة منطقية كبيرة بين العبارتين. الأولى تستدعي النضال من أجل توسيع مضمون الانتخابات والديمقراطية، أما الثانية فتحتاج إلى إثبات أن التخلي عن إحدى أدوات التأثير المتاحة يؤدي فعلا إلى امتلاك أدوات أقوى لبلوغ التغيير المنشود.
من يملك القرار؟
إذا كان جوهر المشكلة هو أن المؤسسات المنتخبة لا تملك كل القرار، فإن السؤال التالي يصبح حتميا: من يملك القرار الذي لا تملكه؟ وإذا كانت هناك سلطات أو مراكز قرار لا تخضع للمحاسبة الانتخابية المباشرة، فكيف تؤدي مقاطعة الانتخابات إلى إخضاعها للمحاسبة؟ هل يؤدي امتناع المواطن عن التصويت إلى نقل السلطة من تلك المراكز إلى المجتمع؟ وهل يؤدي انخفاض المشاركة إلى توسيع صلاحيات البرلمان؟ وهل يؤدي إلى تعديل الدستور؟ وهل يجبر السلطة على الفصل بين الصلاحيات التي يعتبرها المقاطعون متداخلة؟ أم أن المقاطعة، في أحسن الأحوال، ترسل رسالة احتجاجية قوية من دون أن تنتج الآلية التي تحول الرسالة إلى تغيير مؤسسي؟
هنا تظهر الثغرة المركزية في منطق المقاطعة: إذا كانت المشكلة هي ضعف المؤسسات المنتخبة، فإن إضعاف حضور المواطنين داخلها لا يجعلها أقوى. وإذا كان البرلمان لا يملك صلاحيات كافية، فالمعركة المنطقية هي توسيع صلاحياته. وإذا كانت الحكومة لا تتحمل المسؤولية عن كل القرارات المؤثرة في حياة المواطنين، فالمطلوب توضيح خريطة المسؤولية السياسية والدستورية، ثم ربط كل سلطة بالجهة التي تمارسها فعلا. وإذا كان الخلل في الدستور أو القوانين، فإن المعركة تصبح معركة تغيير هذه القواعد. أما عدم التصويت، فيبقى في حد ذاته موقفا من العملية، لا جوابا عن سؤال من سيعيد توزيع السلطة وكيف.
المؤسسات ليست بلا أثر
من الضروري أيضا عدم الوقوع في الطرف المقابل من المبالغة. فالقول إن المؤسسات المنتخبة لا تملك القرار كله لا يعني أنها لا تملك أي قرار. الدستور والقوانين الانتخابية يمنحان البرلمان والحكومة صلاحيات فعلية، والانتخابات التشريعية تنتج مجلسا منتخبا يمارس التشريع والرقابة ضمن النظام الدستوري القائم. كما أن الموقع الرسمي للانتخابات يعرض بوضوح المؤسسات المنتخبة ونتائجها وآليات توزيع المقاعد والأصوات.
وبالتالي فإن السؤال الديمقراطي لا ينبغي أن يكون: هل يملك البرلمان كل السلطة؟ بل: ما حجم السلطة التي يملكها؟ وما حجم السلطة التي لا يملكها؟ ومن يملكها بدلا منه؟ وكيف يمكن تغيير هذا التوزيع؟ هذه الأسئلة أكثر صعوبة من الدعوة إلى المقاطعة، لكنها أيضا أكثر فائدة من الناحية السياسية. لأن الديمقراطية لا تقوم فقط على امتلاك مؤسسة واحدة كل السلطة، وإنما على وضوح الصلاحيات، وإمكانية مراقبة كل سلطة، وربط القرار بالمسؤولية، وإتاحة الوسائل السلمية لتغيير القواعد نفسها.
لكن ماذا بعد المقاطعة؟
هنا يصبح موقف النهج الديمقراطي العمالي أكثر تعقيدا من مجرد عبارة «لا تصوت». فالنهج يربط المقاطعة بمشروع تغيير أوسع، ويطالب ببناء قوة شعبية وبجبهة للتغيير الديمقراطي، وهو ما يعني أن المقاطعة، في منطقه، ليست نهاية الفعل السياسي وإنما إحدى محطاته. وهذا أكثر تماسكا من اعتبار مجرد عدم التصويت فعلا تغييريا في حد ذاته. لكن ذلك ينقل النقاش إلى سؤال أكثر صعوبة: هل هناك قوة اجتماعية وسياسية قادرة فعلا على تحويل المقاطعة إلى تغيير؟
فالمقاطعة لا تصبح استراتيجية لمجرد تسميتها استراتيجية. تحتاج إلى: قوة منظمة، قاعدة اجتماعية، مطالب محددة، قدرة على الاستمرار بعد الانتخابات، أدوات للضغط والتفاوض، وخطة واضحة لما بعد الاستحقاق. وإذا لم تكن هذه العناصر متوفرة، فقد تنتج المقاطعة مؤشرا قويا على فقدان الثقة، لكنها لا تنتج بالضرورة تغييرا في قواعد السلطة. وهذا هو الفارق بين المقاطعة بوصفها موقفا احتجاجيا والمقاطعة بوصفها استراتيجية تغيير.
هل المقصود إحداث أزمة؟
لكن ثمة سؤالا أعمق لا ينبغي تجنبه: هل غاية المقاطعة فقط رفض انتخابات يعتبرها أصحابها غير ديمقراطية، أم أنها تراهن أيضا على إحداث أزمة سياسية حول شرعية الاستحقاق نفسه؟ أو ربما شرعية النظام؟
لا توجد، في بيانات الأطراف الداعية إلى المقاطعة، عبارة صريحة تسمح بنسب هذا الهدف إلى العدل والإحسان أو النهج باعتباره نية خفية: لا يمكن القول إن الطرفين يعلنان بشكل غير مباشر أن هدفهما هو «تأزيم النظام الملكي» أو إحراجه أمام الخارج. لكن يمكن، من الناحية التحليلية، اختبار هذا الاحتمال انطلاقا من منطق المقاطعة نفسه. فإذا كانت المقاطعة جزءا من استراتيجية تغيير للنظام السياسي وقواعد توزيع السلطة، فإن نجاحها المفترض يحتاج إلى المرور بسلسلة واضحة: مقاطعة واسعة، ثم أزمة في التمثيل، ثم ضغط سياسي واجتماعي، ثم إعادة تفاوض على قواعد اللعبة. والسؤال هنا بسيط لكنه حاسم: هل كل حلقة في هذه السلسلة تؤدي بالضرورة إلى الحلقة التي تليها؟
ماذا لو كانت المقاطعة واسعة جدا؟ هل تصبح السلطة عاجزة عن تشكيل المؤسسات؟ هل تتوقف الإدارة عن العمل؟ هل يفقد البرلمان وجوده؟ هل تسقط الحكومة؟ هل يصبح النظام الملكي أمام أزمة شرعية دستورية؟ لا توجد آلية تلقائية تقود إلى أي من هذه النتائج. انخفاض المشاركة قد يكون رسالة سياسية قوية، لكنه لا يتحول بذاته إلى أزمة دستورية. والانتخابات يمكن أن تجري، والنتائج يمكن أن تعلن، والمؤسسات يمكن أن تتشكل، ثم يستمر النظام السياسي في أداء وظائفه، حتى مع مشاركة محدودة. وهنا يجب التمييز بين إحداث إحراج سياسي وإحداث عجز سياسي. الأول ممكن، أما الثاني فيحتاج إلى قوة أخرى أكثر تأثيرا من مجرد الراهنة على نسبة الامتناع.
هل يصنع الفراغ تغييرا؟
ثم ماذا عن «الفراغ» الذي قد يفترض أن تحدثه المقاطعة؟ هنا أيضا تبدو الفكرة أكثر تعقيدا مما توحي به لأول وهلة. الانتخابات ليست مؤسسة تعتمد في وجودها على مشاركة كل المواطنين، بل عملية لها مرشحون وأحزاب وناخبون وإدارة وقواعد قانونية. وإذا قررت فئات واسعة عدم المشاركة، فلا يعني ذلك أن الصناديق ستبقى فارغة. سيظل هناك مرشحون، وسيظل هناك ناخبون، وستستمر العملية ما لم توجد قاعدة قانونية تجعل نسبة معينة من الامتناع سببا في إلغاء الاستحقاق. والنتيجة الأرجح في هذه الحالة ليست فراغا سياسيا، وإنما تمثيل تنتجه الكتلة التي شاركت.
وهنا تظهر مفارقة المقاطعة: من يرفض قواعد اللعبة لا يصبح بالضرورة المستفيد من فشلها. فقد ينسحب جزء من المجتمع من التصويت، بينما تستمر الأحزاب والقوى الأكثر تنظيما في تعبئة مناصريها، فتملأ المقاعد والمؤسسات. ومن ثم فإن السؤال ليس: هل يستطيع المقاطعون إحداث فراغ؟ بل: هل يستطيعون منع الآخرين من ملء الفراغ المفترض؟ وإذا كانت الإجابة بالنفي، فإن المقاطعة قد تؤدي إلى النتيجة المعاكسة للهدف المعلن: خروج القوى الرافضة من المؤسسة، وبقاء المؤسسة لمن يقبلون قواعدها.
هل سينقرض شراء الأصوات؟
وتزداد المفارقة وضوحا عند الحديث عن المال الانتخابي وشراء الأصوات. من الطبيعي أن ينتقد المقاطعون هذه الممارسات، ومن المشروع تماما المطالبة بانتخابات نظيفة وتجفيف منابع الفساد الانتخابي. لكن هل سيؤدي الامتناع عن التصويت إلى اختفاء المرشحين الذين يشترون الأصوات؟ وهل سيتوقف المواطنون الذين يبيعون أصواتهم عن ذلك لأن جزءا من المجتمع قاطع؟ بالطبع لا.
المال الانتخابي ليس مرضا ينتقل عبر الصندوق ثم يختفي بإغلاقه. إنه نتيجة لشبكات مصالح وعلاقات زبونية واختلالات اجتماعية واقتصادية وسياسية، ومواجهته تحتاج إلى الرقابة والقانون والمساءلة وتغيير علاقة المرشح بالناخب، وليس فقط إلى عدم المشاركة. بل يمكن أن تؤدي المقاطعة الواسعة، في بعض السياقات، إلى جعل أصوات الشبكات المنظمة والفاسدة أكثر أهمية، لأن الكتلة التي تبقى في الميدان تصبح أكثر تأثيرا في تحديد النتائج. لذلك فإن محاربة شراء الأصوات تقتضي مواجهة آلياته من الداخل والخارج، لا افتراض أن ترك الساحة سيؤدي إلى اختفائها.
هندسة الاستمرارية
ومن هنا يمكن طرح سؤال آخر، من دون الوقوع في نظرية مؤامرة: هل تحتاج السلطة أصلا إلى مشاركة شعبية كاسحة حتى تستمر المؤسسات؟ التجربة السابقة تقول إن الانتخابات المغربية عرفت نسب مشاركة متباينة من دون أن يؤدي انخفاضها إلى تعطيل العملية السياسية. فقد جرت الانتخابات التشريعية لسنة 2016، ثم تشكلت المؤسسات على أساس نتائجها، كما جرت انتخابات 2021 وتشكلت مؤسسات جديدة على أساس نتائجها. والموقع الرسمي للانتخابات يحتفظ بسجلات نتائج المشاركبن في الاستحقاقات، بما يؤكد استمرارية العملية الانتخابية رغم اختلاف مستويات المشاركة بين المحطتين.
وهذا يعني أن الرهان على الوصول إلى نسبة مشاركة منخفضة جدا لا يكفي وحده. ما النسبة التي تجعل الانتخابات فاقدة للقدرة على إنتاج المؤسسات؟ 50 في المائة؟ 30؟ 20؟ ومن يقرر ذلك؟ وهل توجد في القانون قاعدة تجعل الانتخابات غير قابلة لإنتاج المؤسسات إذا تجاوزت المقاطعة حدا معينا؟ إذا لم تكن هناك مثل هذه الآلية، فإن المقاطعة تظل أداة ضغط سياسي ورمزي، لكنها لا تتحول تلقائيا إلى أداة تعطيل مؤسسي. وهنا تكمن مشكلة أي استراتيجية تقوم على «خلق الأزمة» قبل تحديد كيفية تحويلها إلى مكسب سياسي.
وهل الخارج جزء من الرهان؟
ثمة سؤال آخر لا يقل أهمية: هل يمكن أن يكون أحد رهانات المقاطعة وضع النظام في حرج أمام الفاعلين الدوليين؟ مرة أخرى، لا يجوز نسب هذا الهدف إلى العدل والإحسان أو النهج من دون دليل صريح. لكن من المشروع اختبار الفرضية: إذا أظهرت انتخابات 2026 نسبة مشاركة ضعيفة جدا، هل سيتحول ذلك إلى ضغط دولي يفرض إعادة النظر في قواعد السلطة؟
الاحتمال ليس مستحيلا، لكنه أضعف مما قد يبدو. الفاعلون الدوليون لا يقيسون شرعية الدول بنسبة المشاركة الانتخابية وحدها. فهم يتعاملون أيضا مع: استقرار المؤسسات، استمرارية الدولة، المصالح الاقتصادية والأمنية والاستراتيجية، العلاقات الثنائية، وملفات حقوق الإنسان والحريات. ولذلك فإن ضعف المشاركة يمكن أن يصبح مادة للضغط السياسي والحقوقي والإعلامي، لكنه لا ينتج تلقائيا ضغطا دوليا قادرا على فرض تغيير في بنية النظام. والرهان على الخارج لتوليد ما لم تستطع القوى الداخلية إنتاجه يظل رهانا محفوفا بالشكوك وخاسرا من أساسه لأنه لا يتكئ على شرعية داخلية.
الأزمة قبل القوة أم القوة قبل الأزمة؟
وهنا ربما يوجد السؤال الأكثر عمقا في استراتيجية المقاطعة: هل الأفضل خلق الأزمة أولا ثم البحث عن القوة التي ستدير نتائجها، أم بناء القوة أولا ثم استخدام الأزمة والتفاوض والاحتجاج من موقع أقوى؟
لا توجد قاعدة سياسية عامة تقول إن الأزمة تقود بالضرورة إلى التغيير. الأزمة تصبح فرصة عندما توجد قوى قادرة على إدارتها وتحويلها إلى تنازلات أو إصلاحات أو إعادة توزيع للسلطة. أما إذا وقعت الأزمة من دون وجود طرف قادر على فرض البديل، فقد يستفيد منها الطرف الأكثر تنظيما وقدرة على الاستمرار. ولذلك فإن السؤال ليس فقط: هل نستطيع إضعاف الانتخابات؟ وإنما: هل نستطيع إدارة ما سيأتي بعدها؟
إذا قاطعت فئات واسعة الانتخابات، فمن سيقود المرحلة التالية؟ من سيحدد المطالب؟ من سيفاوض؟ من سيمثل الشارع؟ من سيضمن استمرار الضغط؟ ومن سيحول المطالب إلى نصوص دستورية وقوانين ومؤسسات؟ وإذا كانت الإجابة أن هذه القوة ستنشأ بعد الأزمة، فإن الرهان يصبح أشبه ببناء استراتيجية على أساس قوة لم تتشكل بعد.
الداخل قبل الخارج
وهنا تظهر قيمة مختلفة للمشاركة السياسية، حتى بالنسبة إلى القوى التي تعتبر قواعد اللعبة ناقصة. فالمشاركة لا تعني بالضرورة قبول النظام كما هو، كما أن دخول المؤسسات لا يعني التنازل عن المطالبة بتغييرها. يمكن للقوة السياسية أن تدخل البرلمان، وتكشف من داخله حدود صلاحياته، وتستخدم الأسئلة واللجان والمناقشة والتشريع والرقابة لتعرية الاختلالات، وفي الوقت نفسه تبني قوتها الاجتماعية خارج المؤسسة. ويمكنها أن تفاوض من داخل النظام على توسيع صلاحيات المؤسسة، بينما تستخدم الضغط المجتمعي لتقوية موقعها التفاوضي.
بل إن المشاركة قد تكون، في بعض الحالات، وسيلة لبناء القوة التي تجعل المقاطعة نفسها أكثر جدوى إذا أصبحت ضرورية. فالطرف الذي يملك تمثيلا شعبيا واضحا، وقاعدة اجتماعية منظمة، وتجربة مؤسساتية، وشبكة من الفاعلين، يكون أقدر على فرض شروطه أو التفاوض عليها من طرف يكتفي بإعلان رفضه من خارج المؤسسات. القوة السياسية لا تولد من المقاطعة في حد ذاتها؛ المقاطعة لا تصبح قوية إلا عندما تكون وراءها قوة قائمة أصلا.
منطق التغيير لا منطق الرفض
لهذا فإن النقاش لا ينبغي أن يتحول إلى محاكمة أخلاقية للمقاطعين. من حق أي مواطن أو جماعة أو حزب أن يرفض المشاركة، ومن حقه أن يعتبر الانتخابات غير مستجيبة للشروط التي يراها ضرورية للديمقراطية. كما أن المقاطعة يمكن أن تكون رسالة سياسية مشروعة، بل قد تكون ضرورية في ظروف معينة عندما تصبح المشاركة مجرد تزكية شكلية لمسار قد يبدو مغلقا، لكن الانتقال من شرعية المقاطعة الأخلاقية والسياسية إلى جدواها الاستراتيجية يحتاج إلى برهان مختلف.
السؤال الذي ينبغي طرحه على دعاة المقاطعة ليس: لماذا لا تصوتون؟ وإنما: ماذا ستفعل المقاطعة ولا تستطيع المشاركة أن تفعله؟ وإذا كان الجواب أنها ستكشف فقدان الثقة، فذلك ممكن ومهم. وإذا كان الجواب أنها ستسحب الشرعية، فينبغي تحديد كيف يتحول ذلك إلى تغيير مؤسسي. وإذا كان الجواب أنها ستخلق ضغطا شعبيا، فيجب تحديد القوة التي ستنظم هذا الضغط. وإذا كان الجواب أنها ستقود إلى تغيير دستوري، فمن سيخوض معركة التغيير وكيف؟ وإذا كان الجواب أنها ستنتج أزمة، فمن سيدير الأزمة وماذا سيفعل بها؟
من دون إجابات واضحة عن هذه الأسئلة، تظل المقاطعة تكتيكا احتجاجيا مفهوما، لكنها لا تصبح بعد استراتيجية مكتملة للتغيير. وقد يكون التشخيص الذي تنطلق منه العدل والإحسان والنهج صحيحا في جوانب كثيرة، لكن صحة التشخيص لا تكفي لإثبات أن العلاج المقترح هو الأكثر فاعلية. فهناك فرق بين أن تقول إن المؤسسة غير ديمقراطية بما يكفي، وبين أن تقول إن أفضل طريقة لدمقرطتها هي مغادرتها.
السؤال الذي يقلب المعادلة
ربما يكون الخطأ الأكبر في منطق المقاطعة هو افتراض أن المشكلة تكمن في الانتخابات نفسها، بينما المشكلة الأعمق تكمن في ميزان القوى الذي يحيط بالانتخابات. الصندوق لا يصنع وحده سلطة سياسية، لكنه يكشف جزءا من توزيع القوة. والبرلمان لا يملك كل القرار، لكنه يمثل إحدى ساحات الصراع حول القرار. والحكومة لا تتحمل كل المسؤولية، لكنها تتحمل مسؤوليات يمكن محاسبتها عليها. والأحزاب قد تكون ضعيفة أو تتحكم فيها شبكات المصالح، لكنها تظل إحدى الأدوات التي يمكن تغييرها أو الضغط عليها أو تجاوزها بقوة اجتماعية منظمة.
وبالتالي، فإن تغيير قواعد اللعبة لا يقتضي بالضرورة مغادرة اللعبة. قد يقتضي أحيانا الدخول إليها، واستعمال أدواتها، وكشف حدودها، وبناء قوة موازية خارجها، ثم التفاوض على تغييرها من موقع أقوى. المشاركة والمقاطعة ليستا بالضرورة خيارين متناقضين في كل سياق؛ المشاركة يمكن أن تكون أداة، والمقاطعة يمكن أن تكون أداة، والاحتجاج أداة، والنقابة أداة، والإعلام أداة، والعمل الحقوقي أداة. السؤال الحقيقي هو: كيف تتكامل هذه الأدوات في استراتيجية قادرة على تغيير موازين القوة؟
وهنا بالضبط ينبغي أن تخضع دعوة العدل والإحسان والنهج إلى الاختبار الحجاجي الأصعب: هل تريد فعلا تغيير النظام السياسي، أم تريد فقط تسجيل رفضها له؟إذا كان الهدف هو الأول، فإن تسجيل الرفض لا يكفي. وإذا كانت المقاطعة مجرد محطة في مسار طويل، فإن قيمة المحطة تتوقف على ما سيأتي بعدها. أما إذا كان الرهان الضمني هو أن المقاطعة ستخلق فراغا، وأن الفراغ سيؤدي إلى أزمة، وأن الأزمة ستجبر السلطة على إعادة صياغة قواعد اللعبة، فإن كل حلقة من هذه السلسلة تحتاج إلى قوة سياسية قادرة على ضمان الانتقال إلى الحلقة التالية.
ليست المشكلة في الصندوق وحده
لهذا فإن السؤال الأعمق ليس: هل الانتخابات المغربية ديمقراطية بما يكفي؟ فالإجابة ليست مسألة نعم أو لا، وإنما تتعلق بدرجات وشروط ومؤسسات وصلاحيات. السؤال هو: ما الذي يمكن فعله لجعلها أكثر ديمقراطية وأكثر قدرة على إنتاج المحاسبة والتداول؟
إذا كانت المشكلة أن المنتخب لا يستطيع محاسبة كل من يملك القرار، فلنبدأ بتحديد من يملك ماذا. وإذا كانت المشكلة أن البرلمان ضعيف، فلنطالب بتقويته. وإذا كانت المشكلة في الدستور، فلنخض معركة الدستور. وإذا كانت المشكلة في المال الانتخابي، فلنواجه شراء الأصوات ومصادره وشبكاته. وإذا كانت المشكلة في الحريات، فلنوسع مجالها. وإذا كانت المشكلة في الأحزاب، فلنغير طرق تنظيمها وتمويلها وتمثيلها. وإذا كانت المشكلة في عزوف المواطنين، فلنسأل لماذا فقدوا الثقة وكيف يمكن استعادتها.
أما القول إن كل ذلك لا جدوى منه لأن النظام السياسي أقوى من المؤسسات، فيعيدنا إلى السؤال الأول: إذا كان النظام أقوى من المؤسسة، فكيف ستجعله المقاطعة أضعف؟ هذه هي الحلقة التي لا يستطيع منطق المقاطعة تجاوزها بسهولة.
فالانتخابات قد لا تكون كافية لصناعة الديمقراطية، وهذا صحيح. وقد تكون المشاركة فيها أحيانا مشاركة في قواعد غير عادلة، وهذا أيضا يمكن أن يكون صحيحا. لكن المقاطعة لا تصبح تلقائيا أكثر ديمقراطية لمجرد أنها رفضت تلك القواعد. إنها تصبح أداة تغيير فقط عندما تكون قادرة على تحويل الرفض إلى قوة، والقوة إلى تفاوض، والتفاوض إلى إصلاح، والإصلاح إلى مؤسسات جديدة أكثر قدرة على تمثيل الإرادة الشعبية ومحاسبة أصحاب القرار.
وإذا كان المقصود هو خلق أزمة، فالسؤال: هل توجد القوة التي تستطيع إدارة الأزمة؟ وإذا كان المقصود هو خلق فراغ، فالسؤال: من سيملؤه؟ وإذا كان المقصود إحراج النظام أمام الخارج، فالسؤال: هل الخارج مستعد لتحويل هذا الإحراج إلى ضغط سياسي؟ وإذا كان المقصود القضاء على شراء الأصوات، فالسؤال: لماذا سيختفي المال الانتخابي إذا انسحب المواطنون من التصويت؟ وإذا كان المقصود في النهاية تغيير قواعد الحكم، فالسؤال الحاسم: أين القوة التي ستفرض هذا التغيير أو تفاوض عليه؟
ربما لا تكون المشكلة أن المشاركة تمنح النظام شرعية، كما يقول المقاطعون، بل أن المقاطعة قد تمنح النظام استمرارية من دون أن تمنح المقاطعين القوة التي يحتاجونها لتغييره. وربما يكون الرهان الأكثر واقعية ليس على صناعة الأزمة أولا ثم البحث عن القوة لإدارتها، وإنما على بناء القوة أولا، داخل المؤسسات وخارجها، ثم استخدام التفاوض والضغط والاحتجاج، بل والمقاطعة عندما تصبح ضرورية، من موقع قوة لا من موقع رفض فقط.
فالسياسة، في نهاية المطاف، لا تقاس فقط بقدرة الفاعل على قول «لا». السياسة تقاس بقدرته على تحويل هذه الـ«لا» إلى شيء آخر: قوة، تمثيل، تفاوض، قاعدة جديدة، مؤسسة جديدة، وميزان قوى جديد. وإذا لم تستطع المقاطعة أن تفعل ذلك، فإنها قد تكون احتجاجا سياسيا قويا تجاه واقع غير ديمقراطي، لكنها لن تكون بالضرورة الطريق إلى تغييره.
تعليقات الزوار
ببساطة: تناول الكاتب بشكل منطقي ومن وجهة نظره موقف المقاطعة رغم طول المقال...وببساطة المتابع العادي أقول بان المتحكم في انتخاباتنا والموجه لها تعنيه ارتفاع نسبة المشاركة حتى ولو نتج عنها ارتفاع عدد الأصوات الملغاة لانه عندها سيوجه اللوم والعتاب الأحزاب والنقابات لكونها عجزت عن اقناع الناخب برامجها...تدني نسبة المشاركة هو رسالة لاصحاب القرار بضرورة القيام بالتغيير...تغيير ماذا؟الدستور أولا وقبل كل شيء...هل يفرز الصندوق من بإمكانه أن يمسك القرار؟آلية تدبير الشأن العام تقول العكس بالنطاق...وهنا تحضرني فيديوهات المرحوم خالد الجامعي...نخبتنا ريعية بامتياز،تتهافت عليه بشتى الوسائل والطرق...والمال الانتخابي موجود،وترويجه لا يمكن ان يحدث من دون علم السلطة المعنية...بنكيران كان يصرح بأنه لم يأتي ليحكم بل هو ينفذ فقط...سؤال آخر:هل تطبق الحكومات برامجها؟المقاطعة قد لا تكون ذات تأثير لكن ارتفاع نسبتها مؤشر يفرض على ماسك القرار أخذه بعين الاعتبار،لان من نتائج ارتفاع تلك النسبة هو ان المؤسسات المنتخبة لا تتوفر على المصداقية المعتبرة...