إسبانيا والمغرب.. الرابح الأكبر هو الاستقرار
لا يمكن لتغيير الجغرافيا أن يلغي واقع المصالح المشتركة أو يتجاهله. إن البيان الأخير الصادر عن وزارة الشؤون الخارجية المغربية، وإن كان يُقرأ ككشف للحقيقة ورداً على الاتهامات التي أعقبت أحداث سبتة الأخيرة، إلا أن رسالته الأهم تتجه نحو المستقبل: المغرب وإسبانيا سيكسبان معاً إذا حافظا على علاقات قائمة على الهدوء والعقلانية، في حين لن يجني أي منهما أي فائدة من الدخول في دوامة التوتر والشكوك المتبادلة.
لقد استهل المغرب بيانه بالتذكير بخياره السيادي والاستراتيجي لبناء علاقة مع إسبانيا تقوم على حسن الجوار، التفاهم السياسي، الشراكة الاقتصادية، والتعاون الأمني. وهي التوجهات التي رسخها الإعلان المشترك لـ 7 أبريل 2022، وتُرجمت منذ ذلك الحين إلى نتائج ملموسة؛ حيث تعد إسبانيا الشريك الاقتصادي الأول للمغرب، بينما يمثل المغرب ثاني شريك تجاري لإسبانيا خارج الاتحاد الأوروبي. كما أن التعاون الأمني بين البلدين يسهم بشكل فعال في مكافحة الإرهاب والشبكات الإجرامية، وتدفقات الهجرة غير النظامية، وإنقاذ الأرواح.
لا لتغييب الحقيقة أو بناء أحكام مسبقة
إن البيان المغربي لا يعارض إطلاقاً تسليط الضوء على ما حدث، بل يقر صراحة بضرورة إجراء تقييم شامل وموضوعي لتحديد ملابسات الأحداث، وكشف أي تجنّيد أو تلاعب محتمل، والعمل على منع تكرارها. لكن ما ترفضه الرباط قاطعاً هو أن تنطلق أي تحقيقات من فرضية مسبقة تحمل المغرب المسؤولية كاملة.
وحول ما تداولته بعض وسائل الإعلام بشأن إخطار مركز الاستخبارات الوطني الإسباني (CNI) لنظيره المغربي برصد دعوات عبر مجموعات فايسبوكية تضم آلاف المتابعين، فإن منطق التحليل الرقمي يؤكد أن حجم المتابعة الإلكترونية لا يعني إطلاقاً وجود حشد ميداني فعلي؛ إذ إن تلك الإشعارات تم تمريرها أيضاً إلى السلطات الإسبانية المحلية في سبتة والحرس العلمي بنطاق محدود، ولم تُصنّف حتى داخل إسبانيا كتحذير من هجوم وشيك بتلك الضخامة. وبالتالي، فإن تحويل ذلك الإشعار العادي إلى دليل على علم المغرب المسبق وتواطئه هو أمر جائر يفتقر للموضوعية.
سياق الصور وسردية الأحداث
ينطبق الأمر نفسه على مقاطع الفيديو التي أُخرجت من سياقها للادعاء بأن الجندرمة المغربية كانت توجه المهاجرين؛ إذ تبين أن أبرز المقاطع المتداولة تم تصويره على الطريق بين طنجة وتطوان (على بعد نحو 50 كيلومتراً من سبتة)، وكان يظهر محاولات الأمن المغربي اعتراض الشباب وصدهم. إن بناء اتهامات ضد دولة بناءً على مقاطع مقتطعة وتكهنات غير مجدية يُعد مجازفة سياسية غير محسوبة.
ولعل تصريح رئيس الحكومة الإسبانية أمام البرلمان، والذي أكد فيه عدم وجود أي دليل ملموس يثبت تنظيم المغرب لعملية الدخول، يقطع الشك باليقين. كما أن التفاعل الميداني والسريع للرباط من خلال إعادة قبول الفارين والتصدي للموجات التالية على الحدود تكشف حقيقة الشريك المسؤول الذي يسعى للحل وليس للتأزيم.
واقع جديد ومسؤولية مشتركة
لقد أشار المغرب سابقاً إلى التبعات التشغيلية لبعض القرارات القضائية التي تحد من عمليات الإعادة الفورية عبر البحر، مما أضعف العامل الردعي وأسهم في تدفق الدعوات على شبكات التواصل الاجتماعي. إن إعادة النظر في هذا الواقع تستوجب تنسيقاً وثيقاً وتكيفاً مع الآليات الثنائية لمواجهة هذه التحديات المستجدة.
تضع الرباط دائماً أطر التعاون في صيغتها الاستراتيجية؛ ومن هنا تبرز تساؤلات مشروعية تتعلق ببطء إجراءات إعادة القاصرين إلى أسرهم رغم الجاهزية المغربية، مما يتطلب قرارات شجاعة وتنسيقاً مرناً بين الجانبين.
الرهان على المستقبل
إن الأزمات العابرة بين المغرب وإسبانيا لا تقف عند حدود الحكومات، بل تمتد لتلقي بظلالها على الاقتصاد، حركة الأفراد، والأمن الإقليمي. والمدينتان (سبتة وميضية) بحاجة ماسة إلى الاستقرار والتعاون عبر الحدود بدلاً من تحويل الحوادث العارضة إلى أوراق للتجاذب السياسي الانتخابي.
إن التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في تبادل الاتهامات، بل في فهم الثغرات التي أدت لترجمة دعوة إلكترونية إلى تحرك ميداني، وبناء آليات مشتركة تمنع تكرار ذلك. تبقى الجغرافيا ثابته، والمصالح مصيرية، والرابح الأكبر دائماً هو من يختار منطق الحوار والهدوء والتعاون البناء.
* أستاذ جامعي ورئيس شعبة الدراسات الإسبانية بجامعة عبد المالك السعدي – تطوان.
اترك تعليقاً