سبتة ومليلية: عندما يتحول الإرث الاستعماري إلى حدود أوروبية خارج أوروبا
إشكالية تصفية الاستعمار وحدود النظام الدولي

تقديم، لنبدا أولا بسؤال لا يتعلق فقط بالتاريخ، هل يمكن لأوروبا القرن الحادي والعشرين أن تحمل داخل مجالها السياسي والقانوني حدوداً تعود جذورها إلى القرن الخامس عشر، ثم تقدمها باعتبارها حدوداً أوروبية طبيعية ونهائية، بينما توجد هذه الحدود جغرافياً على الساحل الإفريقي؟ هذا السؤال يضع قضية سبتة ومليلية في قلب مفارقة تاريخية وقانونية وسياسية لم تُحسم بعد. فالمسألة لا تتعلق فقط بنزاع ثنائي بين المغرب وإسبانيا، ولا بمجرد خلاف حول السيادة على مدينتين، وإنما تلامس قضية أوسع تتصل بالإرث الاستعماري في البحر المتوسط، وبحدود تطبيق مبدأ تصفية الاستعمار، وبكيفية تعامل النظام الدولي مع الأقاليم التي انتقلت من منطق الاحتلال والتوسع الإمبراطوري إلى منطق الحدود الدولية الحديثة.
فسبتة ومليلية ليستا مجرد نقطتين جغرافيتين على الخريطة. إنهما ذاكرة تاريخية حية لتحول المتوسط من فضاء للتبادل والتنافس إلى مجال للتوسع الإمبراطوري الأوروبي، ثم إلى فضاء يفترض أن تحكمه مبادئ القانون الدولي وتقرير المصير وعدم الاستيلاء على الأراضي بالقوة.
ومن هنا، فإنه لا يمفي السؤال: لمن تنتمي سبتة ومليلية؟ بل يجب ان نتساءل: كيف استطاع إرث استعماري قديم أن يعيد إنتاج نفسه داخل النظام الأوروبي المعاصر، وأن يتحول من واقع تاريخي قابل للنقاش إلى حدود سياسية تبدو وكأنها خارج دائرة المساءلة؟
أولاً: من الفتح البرتغالي إلى الإسباني… حين بدأ الاستعمار من بوابة المتوسط، انه لفهم الوضع الحالي لسبتة ومليلية، لا بد من العودة إلى السياق التاريخي الذي أنتج وجود القوى الإيبيرية في شمال إفريقيا.
لقد كانت سبتة، بحكم موقعها الاستراتيجي عند مدخل البحر المتوسط، مدينة ذات أهمية كبرى قبل الوجود البرتغالي. وقد تعاقبت عليها قوى وحضارات متعددة، قبل أن تدخل مرحلة جديدة مع التوسع البرتغالي في بداية القرن الخامس عشر. ففي سنة 1415 استولى البرتغاليون على سبتة، في واحدة من اهم المحطات المؤسسة للتوسع البرتغالي خارج شبه الجزيرة الإيبيرية. ولم يكن الأمر مجرد احتلال لمدينة، بل جزءاً من مشروع استراتيجي أوسع للسيطرة على الممرات البحرية والتجارية المحيطة بالمغرب والمتوسط.
أما مليلية، فقد احتلتها إسبانيا سنة 1497، في سياق تاريخي شهد تصاعد التوسع الإيبيري في شمال إفريقيا. وبذلك دخلت المدينتان في مسار تاريخي مختلف عن المجال السياسي والجغرافي المحيط بهما.
لكن المفارقة التاريخية الكبرى أن الاحتلال لم ينتهِ بانتهاء العصر الاستعماري التقليدي في القرن العشرين.
فقد تغيرت أوروبا، وتغيرت إفريقيا، وانتهى الاستعمار في معظم القارة، وتأسست منظمة الأمم المتحدة، وأصبح تقرير المصير أحد المبادئ المركزية في النظام الدولي، بينما بقيت سبتة ومليلية خارج هذا المسار التاريخي العام.
ثانياً: عندما ينتهي الاستعمار… لكن لا ينتهي الإرث الاستعماري، لقد كان القرن العشرون قرن تفكيك الإمبراطوريات الأوروبية. فبعد الحرب العالمية الثانية، دخل النظام الدولي مرحلة جديدة أصبحت فيها السيطرة الاستعمارية موضع مساءلة سياسية وقانونية وأخلاقية. وتأسست الأمم المتحدة سنة 1945، ثم تطور مفهوم تقرير المصير تدريجياً، وصولاً إلى القرار التاريخي للجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 1514 لعام 1960 بشأن منح الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمرة.
وعلى هدا الاساس، لا يمكن استمرار الاستعمار باعتباره وضعاً طبيعياً في عالم ما بعد الاستعمار. فقد ساهم هذا التحول في استقلال عشرات الدول الإفريقية والآسيوية، وفي إعادة رسم الخريطة السياسية العالمية. لكن تصفية الاستعمار لم تكن شاملة بالدرجة نفسها. فقد بقيت بعض الأقاليم موضع نزاع أو استمرار للوجود الاستعماري، وهو ما جعل عملية إنهاء الاستعمار مشروعاً تاريخياً غير مكتمل. ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى سبتة ومليلية باعتبارهما جزءاً من المسألة الأوسع للإرث الاستعماري في المتوسط.
ثالثاً: المفارقة الأوروبية الكبرى، تكمن هذه المفارقة في أن أوروبا الحديثة قامت على مجموعة من المبادئ التي يفترض أنها تجاوزت منطق الإمبراطوريات القديمة: السيادة، القانون، حقوق الإنسان، الحدود، التعاون، وعدم التوسع بالقوة. لكن وجود سبتة ومليلية يطرح سؤالاً محرجاً: ماذا يحدث عندما تنتقل قطعة من الجغرافيا الاستعمارية القديمة إلى داخل البناء الأوروبي الحديث دون أن تمر بالضرورة بكل المراحل التي مرت بها بقية المستعمرات؟ وهنا تظهر حالة سبتة ومليلية بوصفها حالة استثنائية. فهما جغرافياً في إفريقيا، لكن إسبانيا تعتبرهما جزءاً من ترابها الوطني، وبالتالي جزءاً من المجال الأوروبي السياسي والقانوني. وهكذا نشأت مفارقة يمكن التعبير عنها بالصيغة التالية: إفريقيا جغرافياً، وإسبانيا سياسياً، وأوروبا مؤسساتياً. وهذه الوضعية تجعل المدينتين نموذجاً بالغ الدلالة على كيفية استمرار بعض آثار الإمبراطوريات القديمة داخل النظام الدولي الحديث.
رابعاً: من المستعمرة إلى “المدينة الأوروبية”، فالمشكلة لا تكمن فقط في استمرار الوجود الإسباني، وإنما في إعادة صياغة هذا الوجود سياسياً وقانونياً. فبدلاً من تقديم سبتة ومليلية باعتبارهما امتداداً لإرث إمبراطوري قديم، جرى تثبيت تمثلهما ضمن الدولة الإسبانية الحديثة، ثم داخل البناء الأوروبي. وهكذا تحولت المسألة تدريجياً من سؤال حول أصل الوجود إلى سؤال حول الوضع الحالي. فالخطاب السياسي الحديث يميل إلى الاعتبار التالي: نحن أمام مدينتين إسبانيتين؛ وبالتالي فإن حدودهما حدود إسبانية، ومن ثم حدود أوروبية. لكن هذا المنطق يفتح الباب أمام سؤال تاريخي وقانوني آخر: هل يكفي مرور الزمن لتحويل وضع نشأ في سياق توسع استعماري إلى حقيقة نهائية غير قابلة للنقاش؟
إن الزمن يمكن أن يغير الواقع السياسي، لكنه لا يستطيع وحده أن يمحو التاريخ.
خامساً: إشكالية “الحقائق الميدانية”، ان من أخطر مظاهر النزاعات الاستعمارية أن تتحول الحقائق الميدانية إلى أساس لإنتاج شرعية سياسية. فكلما طال أمد السيطرة، أصبح من السهل التعامل معها باعتبارها أمراً طبيعياً. والمفارقة الكبرى، ان الاحتلال يبدأ باعتباره فعلاً تاريخياً استثنائياً، ثم يتحول بعد عقود إلى إدارة، وبعد قرون إلى مؤسسات، وبعد ذلك إلى حدود، ثم تصبح الحدود في الوعي السياسي “طبيعية”. لكن السؤال الذي يظل قائماً هو: هل طول مدة السيطرة يمنحها تلقائياً شرعية تاريخية؟ فإن كان الأمر كذلك، فإن جزءاً كبيراً من منطق تصفية الاستعمار يصبح بلا معنى.
سادساً: المغرب بين الذاكرة التاريخية والقانون الدولي،
بالنسبة إلى المغرب، لا تُفهم قضية سبتة ومليلية خارج الذاكرة التاريخية للدولة والمجال المغربي. فالمدينتان تقعان على الساحل الشمالي للمغرب، وترتبطان بمجاله الجغرافي والتاريخي والاجتماعي، بينما قام الاحتلال الأوروبي بإعادة تشكيل الخريطة السياسية للمنطقة.
ولهذا ظلت قضية المدينتين حاضرة في الخطاب السياسي والدبلوماسي المغربي، وإن بدرجات متفاوتة من الحدة وفقاً للظروف الإقليمية والدولية. غير أن أهمية الملف لا ترتبط فقط بالسيادة المغربية، بل أيضاً بسؤال أوسع: هل ينبغي للنظام الدولي أن يظل قادراً على مراجعة الأوضاع التي نشأت في مراحل استعمارية سابقة، أم أن مبدأ استقرار الحدود أصبح في بعض الحالات أقوى من مبدأ تصفية الاستعمار؟ وهنا تتقاطع قضيتان: الاولى، مبدأ عدم المساس بالحدود القائمة.
والثانية، مبدأ تصفية الاستعمار وتقرير المصير. وقد اثبت التاريخ المعاصر أن العلاقة بين المبدأين ليست دائماً بسيطة أو متجانسة.
سابعاً: أين تقف الأمم المتحدة من المسألة؟ ان النظام الدولي الذي قاد عملية إنهاء الاستعمار في إفريقيا وآسيا لم ينجح في إنتاج حل شامل لكل حالات الإرث الاستعماري. وتظل الأمم المتحدة مطالبة، من منظور مبدئي، بالتعامل مع قضايا الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي وفق الأطر التي يحددها القانون الدولي. لكن قضية سبتة ومليلية لا تحظى بالاهتمام نفسه الذي تحظى به أقاليم أخرى مدرجة صراحة ضمن أجندة تصفية الاستعمار الأممية. فهل يعكس ذلك اختلافاً في الطبيعة القانونية للحالات، أم أنه يعكس أيضاً موازين القوة السياسية داخل النظام الدولي؟ فالقانون الدولي لا يعمل في فراغ؛ بل يتحرك داخل نظام سياسي دولي تتداخل فيه الاعتبارات القانونية مع المصالح الاستراتيجية للدول الكبرى.
ثامناً: الاتحاد الأوروبي أمام اختبار جغرافي وتاريخي،
انه بعد إدماج إسبانيا لسكان الصحرلء فقد اصبح الملف أكثر تعقيدا في الاتحاد الأوروبي. فسبتة ومليلية أصبحتا جزءاً من نقاش أوروبي يتعلق بالحدود والهجرة والأمن والتجارة وحماية الحدود الخارجية. والمفارقة ان أوروبا التي تدافع عن تجاوز الحدود الداخلية بين الدول الأعضاء، أصبحت تملك حدوداً خارجية على التراب الإفريقي. وبذلك تحولت سبتة ومليلية إلى نقطتين متقدمتين من الحدود الأوروبية في إفريقيا. وهذا يجعل المدينتين أكثر من مجرد قضية إسبانية مغربية. فقد أصبحتا جزءاً من الجغرافيا السياسية الأوروبية. ومن هنا فإن أي نقاش مستقبلي حول المدينتين لن يكون محصوراً في مدريد والرباط، بل سيطرح نفسه بصورة متزايدة أمام المؤسسات الأوروبية.
تاسعاً: الحدود الأوروبية خارج أوروبا، ان هذه العبارة ليست مجرد مفارقة لغوية، فالاتحاد الأوروبي بنى جزءاً مهماً من سياسته المعاصرة حول مفهوم الحدود الخارجية للاتحاد، لكن سبتة ومليلية تكشفان عن ظاهرة جيوسياسية لافتة: فالحدود الأوروبية لا تنتهي بالضرورة عند حدود القارة الأوروبية. وهنا يصبح المتوسط مجالاً معقداً تتداخل فيه الجغرافيا بالتاريخ بالقانون بالأمن. فمن سبتة ومليلية إلى جبل طارق، مروراً بالمجالات البحرية المتنازع عليها، يكشف غرب المتوسط عن استمرار آثار المرحلة الإمبراطورية داخل النظام السياسي الأوروبي الحديث. وهذا يجعل البحر المتوسط ليس مجرد بحر يفصل بين قارتين، وإنما أرشيفاً مفتوحاً للصراعات التي لم يغلقها التاريخ بعد.
عاشراً: الهجرة… عندما يتحول الإرث الاستعماري إلى قضية أمنية، لقد أضافت الهجرة غير النظامية بعداً جديداً إلى قضية سبتة ومليلية. فالمدينتان أصبحتا نقطتين رئيسيتين في منظومة مراقبة الحدود الأوروبية، وأصبح المغرب شريكاً أساسياً لإسبانيا والاتحاد الأوروبي في إدارة تدفقات الهجرة. لكن هذا التطور أنتج مفارقة سياسية كبيرة، فالمغرب الذي ينازع تاريخياً حول وضع المدينتين أصبح في الوقت نفسه شريكاً أمنياً في حماية حدودهما ومحيطهما من الهجرة غير النظامية. وهكذا نشأت علاقة شديدة التعقيد، فهي نزاع سيادي من جهة، وتعاون أمني من جهة أخرى. وهذا يفسر جانباً من حساسية الملف في العلاقات المغربية الإسبانية. فإسبانيا تحتاج إلى المغرب في ملفات الأمن والهجرة ومحاربة شبكات الاتجار بالبشر، والمغرب يحتاج إلى علاقة مستقرة مع إسبانيا والاتحاد الأوروبي، لكن ذلك لا يعني أن الخلاف التاريخي حول سبتة ومليلية قد اختفى، بل يمكن القول إن التعاون اليومي أحياناً يؤجل الأسئلة التاريخية أكثر مما يحلها.
الحادي عشر: سكان المدينتان… البعد الإنساني الذي لا يمكن تجاهله، ان أي معالجة مسؤولة للقضية لا يمكن أن تكتفي بالسيادة والخرائط فقط، فوراء الحدود يوجد سكان، ومصالح اقتصادية، وذاكرة اجتماعية، وعائلات، وحركة بشرية، وتشابكات تاريخية بين ضفتي الحدود. فالمدن الحدودية لا تعيش فقط بالقرارات السياسية المركزية، وإنما تصنع علاقاتها اليومية من خلال التجارة، والعمل، والزيارات، والروابط العائلية والثقافية. ومن هنا، فإن أي تصور مستقبلي للملف يجب أن يضع حقوق السكان ومصالحهم واستقرارهم في قلب النقاش. فالسياسة التاريخية التي تتجاهل الإنسان قد تنتج حلولاً قانونية على الورق، لكنها تعجز عن إنتاج سلام مستدام على الأرض.
الثاني عشر: هل الزمن حليف للاستعمار؟ انه سؤال اشكالي، فكلما طال أمد السيطرة الإسبانية على سبتة ومليلية، أصبحت العودة إلى الوضع التاريخي السابق أكثر تعقيداً. لكن هل يعني ذلك أن الزمن يعمل لمصلحة الطرف المسيطر؟ فمن منظور تاريخي، يمكن للزمن أن يعيد تشكيل الذاكرة. فالجيل الذي ولد داخل واقع معين قد يتعامل معه باعتباره واقعاً طبيعياً، لا باعتباره نتيجة مسار تاريخي محدد. لكن من منظور القانون والسياسة الدولية، لا ينبغي أن يكون الزمن وحده مصدراً للشرعية.
وإلا لأصبح بالإمكان تحويل أي احتلال طويل الأمد إلى سيادة مكتسبة. وهذا من شأنه أن يضرب في العمق فكرة تصفية الاستعمار.
الثالث عشر: منطق القوة ومنطق القانون، تكشف قضية سبتة ومليلية عن سؤال أكبر يتعلق بالنظام الدولي، هل العالم تحكمه القواعد أم موازين القوة؟والإجابة الواقعية: كلاهما، فالقانون الدولي يضع المبادئ، لكن الدول الكبرى والمؤسسات الدولية وموازين القوى تحدد كثيراً من إمكانات تطبيقها، وهذا ما يجعل بعض القضايا الاستعمارية تجد طريقها إلى التسوية، بينما تبقى قضايا أخرى معلقة لعقود. لذلك فإن مستقبل سبتة ومليلية لا يتوقف فقط على الحجج التاريخية أو القانونية، وإنما على قدرة الأطراف على تحويل القضية من نزاع ثنائي إلى ملف سياسي ودبلوماسي أكثر نضجاً، دون تحويله إلى مصدر دائم للتوتر.
الرابع عشر: المغرب وإسبانيا… من إدارة الخلاف إلى التفكير في المستقبل، فقد شهدت العلاقات المغربية الإسبانية خلال السنوات الأخيرة تطوراً مهماً، خصوصاً في ملفات الاقتصاد والأمن والهجرة والتجارة والتنسيق السياسي. لكن العلاقات القوية لا تعني اختفاء الملفات التاريخية، بل إن العلاقات الناضجة هي التي تستطيع إدارة الخلافات التاريخية دون أن تسمح لها بتدمير المصالح المشتركة. ومن هنا يمكن أن تتحول قضية سبتة ومليلية من مصدر دائم للتوتر إلى موضوع للحوار الاستراتيجي طويل الأمد. فالمطلوب ليس بالضرورة حل سريع لا تسمح به موازين القوى الحالية، وإنما بناء تصور تدريجي يقوم على: الاعتراف بوجود الخلاف التاريخي،
احترام المصالح الإنسانية للسكان، عدم استخدام المدينتين كأداة ضغط سياسي متكرر، فتح نقاش أكاديمي وقانوني أكثر عمقاً، دراسة النماذج الدولية للنزاعات ذات الجذور الاستعمارية، وتطوير التعاون المغربي الإسباني بما لا يلغي الملفات التاريخية.
الخامس عشر: هل نحن أمام استعمار جديد أم أمام إرث استعمار قديم؟ بداية وجب الحذر من استخدام مفهوم “الاستعمار” بطريقة شعاراتية، فالواقع الحالي يختلف جذرياً عن الاستعمار الكلاسيكي الذي عرفته إفريقيا في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، لكن الاختلاف في الشكل لا يعني اختفاء الإشكالية التاريخية. فالمدينتان تحملان إرثاً استعمارياً واضحاً في أصل تشكل وضعهما السياسي الحديث، ومن ثم فإن التعبير الأكثر دقة ربما يكون: “استمرار أثر الاستعمار في النظام الدولي المعاصر”. وهذه الصياغة أكثر قوة من الناحية الأكاديمية؛ لأنها لا تختزل الواقع الحالي في نموذج استعمار القرن التاسع عشر، لكنها في الوقت نفسه لا تسمح للتاريخ بأن يُمحى من النقاش.
السادس عشر: سبتة ومليلية وجبل طارق… المتوسط بوصفه أرشيفاً استعمارياً، انه من الصعب فهم سبتة ومليلية بمعزل عن جبل طارق، فالثلاثة يكشفون عن ظاهرة جغرافية وسياسية واحدة بدرجات مختلفة:
وجود أقاليم ذات جذور تاريخية إمبراطورية أوروبية في مواقع استراتيجية خارج المجال الجغرافي المباشر للدولة الأوروبية التي تديرها، فالمضايق والموانئ والجزر والمدن الساحلية لم تكن مجرد مواقع جغرافية؛ بل كانت أدوات للسيطرة على التجارة والملاحة والنفوذ العسكري.
ولهذا فإن بقاء بعض هذه المواقع تحت السيطرة الأوروبية حتى القرن الحادي والعشرين يمثل نوعاً من الاستمرارية الجيوسياسية للإمبراطوريات القديمة.
السابع عشر: السؤال الأخطر: هل تصفية الاستعمار انتقائية؟ وهذه ربما هي النقطة المركزية في القضية.
فقد أصبح تصفية الاستعمار أحد أهم إنجازات النظام الدولي في القرن العشرين، لكن التجربة كشفت أيضاً أن تطبيق المبادئ الدولية لم يكن دائماً متساوياً، فهناك حالات حُسمت عبر الاستقلال، وأخرى عبر الاستفتاءات، وأخرى عبر التسويات السياسية، وأخرى بقيت مجمدة لعقود، ومن هنا يحق لنا التساؤل: هل تصفية الاستعمار مشروع قانوني عالمي، أم أنها في بعض الحالات تخضع لحسابات الجغرافيا السياسية؟ فإذا كان المبدأ عالمياً، فإن تطبيقه ينبغي أن يكون متسقاً. أما إذا كانت بعض الحالات مستثناة بحكم قوتها السياسية أو ارتباطها بدول نافذة، فإن النظام الدولي يواجه مشكلة في مبدأ المساواة نفسه.
الثامن عشر: منطق المستقبل… هل يمكن أن يتغير الوضع؟ من حيث الواقعية، لا يمكن لأي شخص أن يتنبأ بشكل قطعي بمستقبل سبتة ومليلية. لكن من الممكن تصور مجموعة من السيناريوهات المستقبلية الممكنة،
الأول: استمرار الوضع القائم، وهو السيناريو الأكثر احتمالاً على المدى القصير والمتوسط، حيث تستمر إسبانيا في إدارة المدينتين، ويستمر المغرب في التأكيد على موقفه، بينما تتواصل العلاقات الثنائية والتعاون الأوروبي المغربي.
الثاني: تطوير نموذج خاص للتعاون، بحث يمكن أن يتحول الوضع إلى صيغة أكثر مرونة تقوم على توسيع التعاون الاقتصادي والإنساني والحدودي، مع إبقاء قضية السيادة مفتوحة سياسياً.
الثالث: إعادة فتح الملف دبلوماسياً، فقد تؤدي تحولات إقليمية أو أوروبية أو دولية إلى إعادة إدراج قضية المدينتين ضمن حوار سياسي أوسع حول الإرث الاستعماري في المتوسط.
الرابع: تحول أوروبي في مقاربة القضية، فقد يصبح النقاش داخل أوروبا نفسها أكثر حساسية تجاه الأقاليم ذات الجذور الاستعمارية، خصوصاً مع تطور النقاش حول الذاكرة الاستعمارية والحدود وحقوق الشعوب. ولا يعني ذلك بالضرورة انتقالاً سريعاً نحو تغيير السيادة، وإنما قد يعني إعادة تعريف طبيعة المشكلة نفسها.
التاسع عشر: نحو دبلوماسية تاريخية مغربية
يحتاج المغرب، إلى التعامل مع قضية سبتة ومليلية ليس فقط كقضية سيادية، وإنما باعتبارها ملفاً تاريخياً وقانونياً وأوروبياً ودولياً متكاملاً. وهذا يتطلب تطوير ما يمكن تسميته بـ: “الدبلوماسية التاريخية، أي توظيف البحث الأكاديمي، والأرشيف، والوثائق، والخرائط، والدراسات القانونية، والذاكرة الجماعية، في إنتاج خطاب علمي متماسك، فالمعركة في القرن الحادي والعشرين ليست معركة خرائط فقط، بل، إنها أيضاً معركة وثائق ومفاهيم وروايات وذاكرة. ومن هنا تبرز أهمية الجامعات ومراكز البحث المغربية في إنتاج دراسات متعددة التخصصات حول: تاريخ المدينتين، الأرشيف البرتغالي والإسباني، الوثائق المغربية، القانون الدولي، تاريخ الاستعمار الأوروبي، تطور مفهوم السيادة، تصفية الاستعمار، الحدود في إفريقيا، السياسة الأوروبية تجاه شمال إفريقيا، والذاكرة الاستعمارية في المتوسط. فالجامعة التي لا تنتج المعرفة حول القضايا الاستراتيجية لبلدها تترك المجال مفتوحاً أمام الآخرين لصناعة الرواية.
العشرون: القضية ليست سبتة ومليلية فقط، في نهاية المطاف، فإن سبتة ومليلية تتجاوزان حدود المدينتين.
فهما تختبران قدرة النظام الدولي على التعامل مع الآثار الباقية من عصر الإمبراطوريات. ومن هنا السؤال: إذا كان العالم قد نجح في إزالة معظم الإمبراطوريات الأوروبية من إفريقيا وآسيا، فكيف يمكن تفسير بقاء بعض الجيوب الترابية ذات الأصل الاستعماري داخل النظام السياسي الأوروبي في القرن الحادي والعشرين؟
هل نحن أمام استثناء تاريخي؟ أم أمام قصور في منظومة تصفية الاستعمار؟ أم أمام انتقائية في تطبيق القانون الدولي؟ أم أن استقرار الحدود أصبح، في بعض الحالات، أقوى من سؤال كيفية نشأة تلك الحدود أصلاً؟
فهذه الأسئلة تحتاج إلى بحث تاريخي وقانوني وسياسي عميق.
في الختام، حين يصبح الماضي حاضراً، تختصر قضية سبتة ومليلية واحدة من أكثر المفارقات اثارة في التاريخ المعاصر. فهما مدينتان تحملان آثاراً عميقة من تاريخ التوسع الأوروبي في شمال إفريقيا، لكنهما تدخلان اليوم ضمن منظومة سياسية وقانونية أوروبية حديثة.
فقد لقد تغيرت أوروبا، وتغيرت إفريقيا، وتغير النظام الدولي، لكن بعض الحدود التي ولدت في عصر الإمبراطوريات ما زالت قائمة.
لذلك، فإن القضية، ليست مجرد نزاع على الأرض، وإنما سؤال حول الزمن والشرعية والذاكرة والقانون الدولي.
فهل يستطيع القرن الحادي والعشرون أن يظل يحمل داخله حدوداً تشكلت في القرن الخامس عشر، ثم يتعامل معها باعتبارها مجرد حقيقة جغرافية لا تحتاج إلى مساءلة تاريخية؟ إن الإجابة عن هذا السؤال ستحدد، إلى حد بعيد مستقبل سبتة ومليلية، بل قدرة النظام الدولي على مواجهة إرثه الاستعماري بقدر من الاتساق والعدالة، لذلك فإن سبتة ومليلية ليستا مجرد بقايا من الماضي؛ إنهما اختبار للحاضر. انه اختبار لمدى قدرة أوروبا على النظر إلى تاريخها الاستعماري دون انتقائية، واختبار لقدرة النظام الدولي على تطبيق مبادئه خارج حسابات القوة، واختبار لقدرة المغرب وإسبانيا على الانتقال من إدارة الخلاف إلى بناء رؤية تاريخية ودبلوماسية للمستقبل. انه لا يكفي ان تتغير خريطة سبتة ومليلية، بل متى يصبح من حق التاريخ أن يسأل الخريطة: كيف وُلدتِ؟
اترك تعليقاً