بين حسابات الدولة وضمير الشعب: لماذا أتحفظ على رفع التمثيل الدبلوماسي مع إسرائيل؟
المغاربة أحرار في مواقفهم واختياراتهم، ومن الطبيعي أن يختلفوا في قراءة الأحداث والقرارات والسياسات، ومن بينهم المغربي المسلم الذي يرى أن نصرة الشعوب المستضعفة، ورفض الاحتلال والتمييز والاستبداد، ليست مجرد مواقف سياسية عابرة، وإنما امتداد لقيم دينية وإنسانية راسخة، والمؤكد أن النسبة الغالبة من السكان مسلمون، تتفاوت درجات تدينهم.
وليس المغرب، في تاريخه الحديث، بعيدًا عن قضايا التحرر الوطني، فقد ساند في مرحلة الاستعمار الفرنسي للجزائر، المطالبة باستقلالها وسمح بوجود ودعم نشاطات مرتبطة بالثورة الجزائرية، وإن كانت علاقة الدولة المغربية آنذاك بالملف الجزائري محكومة أيضًا بحسابات ومصالح وتعقيدات إقليمية.
وفي قضية جنوب أفريقيا، كانت للمغرب مواقف رسمية رافضة لنظام الفصل العنصري، وتظهر وثائق الأمم المتحدة في الثمانينيات أن المغرب أعلن عدم إقامة علاقات مع نظام بريتوريا العنصري، وطالب بإنهاء نظام “الأبارتايد”.
أما القضية الفلسطينية، فقد ظلت حاضرة في السياسة المغربية الرسمية، ويشغل الملك محمد السادس رئاسة لجنة القدس التابعة لمنظمة التعاون الإسلامي، كما واصلت المملكة تقديم المساعدات الإنسانية للفلسطينيين حكوميا وشعبيا.
والمغرب كذلك، يده بيضاء ناصعة في نصرة القدس وأهلها، ولعل من أبلغ الشواهد على ذلك ما يختزنه التاريخ المغربي من حضور في الدفاع عن القدس، وما يحمله باب المغاربة من دلالة تاريخية ورمزية على ارتباط المغاربة بهذه الأرض المباركة، وعلى الدور الذي لعبه المغاربة في نصرة القدس والدفاع عنها.
وليس هذا الارتباط بالقدس وليد اللحظة، ولا هو موقف عابر فرضته ظروف سياسية معاصرة، وإنما هو امتداد لذاكرة تاريخية طويلة، ظلت فيها القدس حاضرة في وجدان المغاربة، كما ظلت قضايا المسلمين وشعوب المنطقة جزءًا من مجالهم الطبيعي الذي لم ينظروا إليه يومًا باعتباره بعيدًا عنهم.
والمغرب نفسه، في لحظات من تاريخه، لم يكن قادرًا على مواجهة الأخطار الكبرى منفردًا، ولم يكن ليستنكف عن طلب العون من أشقائه أو قبول الدعم من قوى إقليمية أخرى عندما كانت مصلحته واستقلاله مهددين.
فقد استفاد المغرب، في مراحل تاريخية مختلفة، من الدعم العثماني في مواجهة التوسع والغزو البرتغالي، كما أن معركة وادي المخازن، التي هُزم فيها الجيش البرتغالي سنة 1578م، تظل شاهدًا على أن صراعات المنطقة لم تكن يومًا منفصلة عن توازنات العالم الإسلامي آنذاك.
وفي التاريخ الحديث أيضًا، لم تكن قضية الصحراء المغربية بمعزل عن محيطها العربي والإسلامي، فقد حظيت المسيرة الخضراء بدعم وتأييد عربي وإسلامي، وشارك في مسارها متطوعون من عدد من الدول العربية والإسلامية.
وهذه الوقائع التاريخية كلها تقول لنا شيئًا بالغ الأهمية: إن المغرب لم يكن يومًا جزيرة معزولة عن محيطها، ولم تكن قوته في الانغلاق على ذاته، وإنما كان جزءًا من فضاء مغاربي وعربي وإسلامي وإفريقي، يتبادل معه الدعم والمساندة والتأثير.
ولهذا، فإنني لا أتفق مع من يرفع شعار “تازة قبل غزة” إذا كان المقصود منه أن على المغرب أن ينكفئ على نفسه، وأن يدير ظهره لما يحدث في محيطه العربي والإسلامي، وكأن التضامن مع قضايا الآخرين ترف لا علاقة له بالمصلحة الوطنية.
نعم، تازة قبل غزة عندما يتعلق الأمر بمسؤولية الدولة المباشرة تجاه مواطنيها، وبضرورة حماية أمن المغاربة وصيانة مصالحهم وتحقيق التنمية والعدالة الاجتماعية.
لكن هذا لا يعني أن غزة لا تعنينا، ولا أن القدس بعيدة عنا، ولا أن ما يحدث في محيطنا يمكن أن نضع أمامه جدارًا ونقول: “لا شأن لنا”.
فالتاريخ يعلمنا أن الظلم إذا تُرك يتمدد خارج حدودك، فلن يضمن لك أحد أنه سيتوقف قبل أن يصل إليك، والنار التي تشتعل في بيت الجار قد لا تحرق بيتك اليوم، لكن الحكمة تقتضي أن تساعد في إطفائها قبل أن تحملها الرياح إلى بيتك.
ولذلك، فإن خط الدفاع الأول عن أي وطن لا يبدأ دائمًا عند حدوده الجغرافية، بل قد يبدأ أحيانًا بمساعدة الآخرين على إطفاء الحرائق قبل أن تتحول إلى حرائق إقليمية، وبمواجهة الظلم قبل أن يصبح قاعدة، وبالوقوف إلى جانب الشعوب عندما تتعرض للاحتلال أو التهجير أو القهر، كلٌّ بحسب قدرته وإمكاناته.
وهذا لا يعني أن على المغرب أن يدخل في كل صراع، أو أن يتخلى عن حساباته الوطنية، أو أن يقدم مصالح الآخرين على مصالح شعبه.
عندما تكون الدولة أصغر من ميزان القوى
المغرب، مثل غيره من الدول، يتحرك داخل نظام دولي غير متكافئ، فهناك دول كبرى تمتلك قدرات عسكرية واقتصادية وسياسية هائلة، وتستطيع التأثير في مسارات دولية لا تستطيع الدول المتوسطة والصغيرة التأثير فيها بالدرجة نفسها.
ومن هنا يمكن فهم جانب من السياسة الخارجية المغربية باعتبارها محاولة للموازنة بين المبادئ والمصالح، وبين الحفاظ على الاستقلالية السياسية والاقتصادية وبين التعامل مع القوى الكبرى التي يصعب تجاهل نفوذها.
وهذا الفهم لا يعني بالضرورة أن كل قرار رسمي صحيح، ولا أن المواطن مطالب بالقبول بكل الخيارات التي تتخذها الدولة، لكنه يعني أن الحكم على السياسة الخارجية يحتاج إلى النظر في ميزان القوى، وكلفة الخيارات، والبدائل المتاحة، وليس فقط في النتيجة الظاهرة للقرار.
النقطة الأكثر حساسية: التطبيع.. المسألة التي لا يمكن اختزالها
في ديسمبر 2020، أُعلن استئناف العلاقات الدبلوماسية بين المغرب وإسرائيل ضمن اتفاق ثلاثي جمع المغرب والولايات المتحدة وإسرائيل، وتضمن الإعلان الأمريكي في ذلك الوقت عناصر سياسية مرتبطة أيضًا بقضية الصحراء المغربية، ومن حق الدولة أن تنظر إلى هذا القرار من زاوية مصالحها الاستراتيجية وحساباتها الدولية.
لكن من حق المواطن المغربي، في المقابل، أن ينظر إليه من زاوية أخرى، زاوية فلسطين، والاحتلال، وما يجري على الأرض، ومدى انسجام العلاقات السياسية مع مشاعر قطاعات واسعة من المجتمع المغربي.
وهنا لا ينبغي وضع المغربي الذي يدافع عن الخيار الرسمي في مواجهة المغربي الذي يرفض التطبيع، ولا أن يتحول الخلاف إلى اتهام بالخيانة أو نقص الوطنية.
قد يعتقد أحدهما أن الحفاظ على علاقات دولية معينة يخدم المصلحة الوطنية، وقد يرى الآخر أن استمرار هذه العلاقات، في ظل الحرب والانتهاكات التي يشهدها الفلسطينيون، يمثل تنازلًا سياسيًا وأخلاقيًا لا يستطيع قبوله وكلاهما مغربي.
بين البراغماتية والمبدأ
أعتقد أن السياسة الحكيمة ليست دائمًا في اختيار المواجهة، كما أنها ليست دائمًا تعني الاستسلام للأمر الواقع، في السيرة النبوية نفسها نجد نموذجًا بالغ الدلالة في صلح الحديبية، فقد قبل النبي صلى الله عليه وسلم اتفاقًا تضمن تنازلات في الصياغة والشروط، حتى إنه قَبِل حذف عبارة “رسول الله” من وثيقة الاتفاق استجابة لمفاوضيه، مع أن ذلك لم يكن تراجعًا عن العقيدة أو تنازلًا عن جوهر الرسالة، وتورد روايات صحيحة في صحيح مسلم تفاصيل هذا التفاوض.
وهذا لا يعني أن كل تنازل حكمة، ولا أن كل اتفاق سلام فضيلة، ولا أن البراغماتية تبرر التخلي عن المبادئ، لكنه يذكرنا بأن إدارة الصراع ليست دائمًا مواجهة مباشرة، وأن الحفاظ على القدرة والاستقلال قد يقتضي أحيانًا قبول تسوية مؤقتة أو تحمل كلفة سياسية محدودة من أجل تحقيق أهداف أبعد، خصوصا إذا كانت الدولة تعاني من تحرش جار متربص أو عدو مناوش.
وفي الحديث الصحيح: “الحرب خدعة”، وهو حديث في سياق الحرب والتدبير العسكري، ويمكن أن يُستأنس به في إبراز أهمية حسن التقدير والمناورة، دون تحميله أكثر مما يحتمل أو تحويله إلى مبرر عام للخداع في السياسة.
لكن أين يقف ضمير المواطن؟
هنا تحديدًا أجد نفسي أقرب إلى وجدان الشارع المغربي والعربي والإسلامي الرافض للاحتلال والظلم الواقع على الفلسطينيين.
يمكنني أن أفهم لماذا تختار الدولة أن تحافظ على علاقاتها ومصالحها، ويمكنني أن أدرك أن السياسة الخارجية ليست عاطفة، وأن الدول لا تتحرك في فراغ، وأن للمغرب ملفات استراتيجية كبرى يحتاج إلى الدفاع عنها.
لكن فهم منطق الدولة لا يلزمني بأن أتخلى عن موقفي الأخلاقي من الاحتلال، ولا يمنعني من رفض ما أراه ظلمًا بحق الشعب الفلسطيني.
لا نريد معركة داخلية
أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يتحول الخلاف حول فلسطين والتطبيع والسياسة الخارجية إلى معركة بين المغاربة أنفسهم، فالجبهة الداخلية أهم من أن تُستنزف في تخوين متبادل.
لا ينبغي أن يصبح المغربي الذي يرفض التطبيع “عدوًا للدولة”، كما لا ينبغي أن يصبح المغربي الذي يرى في العلاقات الدولية ضرورة استراتيجية “متنازلًا عن مبادئه” لمجرد اختلافه في تقدير الوسائل.
المغرب في النهاية دولة لها حساباتها، وشعب له مشاعره ومبادئه، وبين الاثنين مساحة واسعة يمكن أن يجتمع فيها الحرص على الوطن، والتمسك بالسيادة، ودعم فلسطين، واحترام المؤسسات، ورفض الاحتلال، وتجنب المغامرات التي قد تكون كلفتها أكبر من قدرة البلد على تحملها.
موقفي باختصار
أنا أفهم الدولة عندما تبحث عن مساحة للمناورة في عالم تحكمه موازين قوة غير متكافئة.
وأتفهم أن الملك، باعتباره رئيس الدولة، لا يتخذ قراراته من فراغ، وأن أمامه حسابات تتعلق بالأمن والسيادة والمصالح والتحالفات والاقتصاد وموازين القوى الدولية.
لكنني، في الوقت نفسه، لا أريد أن أفقد البوصلة الأخلاقية التي تجعلني لا أنحاز إلى الإنسان الفلسطيني راضٍ بالاحتلال والتهجير والقتل والاستيطان.
وأعتقد أن المغرب يستطيع أن يحافظ على مصالحه الوطنية وأن يدير علاقاته الدولية ببراغماتية، دون أن يتحول ذلك إلى تخلي عن موقفه التاريخي من القضية الفلسطينية أو إلى محاولة لإقناع شعبه بأن عليه أن يتخلى عن قناعاته، فالسياسة قد تفرض أحيانًا الانحناء أمام العاصفة، لكن الانحناء شيء، والانكسار شيء آخر.
والذكاء السياسي، في تقديري، ليس أن تنتصر في كل معركة، وإنما أن تحافظ على وطنك، وتصون استقلال قرارك، وتحمي جبهتك الداخلية، وتحتفظ في الوقت نفسه بالقدرة على العودة إلى الموقف الذي تراه حقًا عندما تتغير موازين القوة والظروف.
وفي النهاية، يبقى السؤال الذي لا أجد مفرًا من طرحه: ماذا عن الحزب السياسي الذي يشارك في تدبير الشأن الحكومي، بينما يجد نفسه أمام ملف يبدو فيه موقف جزء واسع من الرأي العام المغربي مختلفًا عن الخيار الرسمي للدولة؟
هل يستطيع هذا الحزب أن يدير هذه المسافة بينما يطالب به أنصاره وما تقتضيه مسؤوليته داخل الحكومة؟ وهل أصبح قطع العلاقات وتجريم التطبيع، كما يطالب بذلك جزء من الشارع والرأي العام، أولوية سياسية فعلية بالنسبة إليه، أم أن المشاركة في تدبير الدولة تفرض عليه حسابات أخرى؟
أنا أتفهم أن للدولة حساباتها، وأن في العلاقات الدولية ملفات وأسرارًا ومعطيات أمنية ودبلوماسية لا يمكن، وربما لا ينبغي، أن توضع كلها أمام الرأي العام، لكن تفهّم منطق الدولة لا يعني بالضرورة أن يتخلى المواطن عن حقه في السؤال، ولا أن يتوقف الصحفي عن التعبير عن موقفه.
ولهذا، فإن موقفي واضح، أحتفظ بحقي كمواطن مغربي في أن أقول إن رفع مستوى التمثيل الدبلوماسي مع إسرائيل يطرح لديّ أسئلة سياسية وأخلاقية لا أستطيع تجاوزها، خصوصًا في ظل ما يجري في فلسطين والدول المجاورة لها.
وفي النهاية، ربما لا تكون المشكلة في أن تختلف الدولة والمواطن في تقدير بعض الملفات، بقدر ما تكمن في السؤال الأهم، كيف نحافظ على حق الدولة في إدارة أسرارها ومصالحها، وفي الوقت نفسه، تقوم الأحزاب المسيرة للشأن الحكومي بخدمة الشعب والاستجابة لاحتياجاته الأساسية وتعمل على إيجاد حلول لمشاكله الحياتية وتوفير الغذاء والشغل والحرص على تخفيض الأسعار والقضاء على الفساد المستشري بين قطاعات واسعة باتت تشكل خطرا على المجتمع.
نحافظ على حق المواطن في أن يفهم، وأن يسأل، وأن يختلف؟، فيصبح دور الأحزاب السياسية المشاركة في الحكومة أكثر حساسية، هل تعتبر نفسها مجرد جزء من تدبير الدولة، أم أنها أيضًا صوت المجتمع داخل مؤسسات الدولة؟، المجتمع الذي صوت عليها أولا لضمان حياة رغدة آمنة بلا خوف أو انزعاج، وهو يعلم يقينا أن إدارة العلاقات الدولية وتوجيهها بيد الدولة، الدولة التي يمثلها القصر أولا مع وزارة الخارجية التي تخضع لتوجيهاته.
اترك تعليقاً