رسالة الشامي من بروكسيل: المغرب يختار الحوار في مواجهة قرار سبتة
لم يكن تصريح السفير المغربي لدى الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، أحمد رضا الشامي، مجرد تعليق على قرار للبرلمان الأوروبي بشأن أحداث سبتة، بل حمل رسائل دبلوماسية تتجاوز لحظة التصويت نفسها. فالشامي اختار أن يضع النقاش داخل منطق الشراكة المغربية الأوروبية، مؤكدا أن تدبير الخلافات لا ينبغي أن يتحول إلى مواجهة سياسية، وأن الحوار المفتوح والصريح والرصين يظل السبيل لتدبير التحديات المشتركة. وفي هذا السياق، أوضح أن القرار الأوروبي، في صيغته النهائية، لا يتضمن أي اتهام أو إملاء تجاه المغرب، كما أشار إلى أن عددا من التعديلات التي وصفها بالعدائية تجاه المملكة لم يتم اعتمادها.
لكن قراءة موقف الشامي تقتضي أيضا النظر إلى مضمون القرار الأوروبي نفسه. فالبرلمان الأوروبي أدان عمليات العبور الجماعي غير النظامي إلى سبتة، ودعا إلى تعزيز حماية الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي وإلى تعاون أكبر مع المغرب في قضايا الهجرة والعودة وإعادة القبول. كما أشار القرار إلى استخدام الهجرة غير النظامية . وبالتالي فإن عدم توجيه القرار اتهاما مباشرا إلى المغرب، كما يؤكد الشامي، لا يعني غياب الملفات التي يطالب البرلمان الأوروبي بتدبيرها بشكل أوضح في إطار التعاون مع الرباط.
ومن هنا تبرز أهمية الرسالة التي بعث بها السفير الشامي: الخلاف لا يعني القطيعة، والاختلاف لا ينبغي أن يتحول إلى أزمة دبلوماسية دائمة. فالهجرة أصبحت ملفا مشتركا بين المغرب والاتحاد الأوروبي، وتدبيرها يحتاج، كما قال الشامي، إلى (انخراط عملياتي يومي، وحوار مستمر، والبحث عن حلول مشتركة ومستدامة)،وهذه المقاربة تضع المسؤولية على الطرفين معا، لأن الحدود والهجرة والأمن لا يمكن فصلها عن طبيعة الشراكة القائمة بين المغرب وأوروبا.
واللافت كذلك أن الشامي لم يكتف بالرد على مضمون القرار، بل انتقد ما وصفه بحملات تواصلية ودعائية تحاول إسناد مواقف أو مقتضيات إلى النص لا يتضمنها. وهي نقطة تكشف أهمية المعركة حول قراءة الوثائق السياسية نفسها: فبين النص الذي صوت عليه البرلمان الأوروبي، والتأويلات السياسية والإعلامية التي ترافقه، قد تتسع مساحة الجدل. ولذلك جاء موقف السفير ليؤكد ضرورة العودة إلى مضمون القرار كما تم اعتماده، بدل الاكتفاء بالعناوين أو القراءات السياسية المتداولة.
في النهاية، فإن رسالة الشامي من بروكسيل يمكن قراءتها باعتبارها دعوة إلى إعادة وضع ملف سبتة والهجرة داخل إطار أوسع للعلاقات المغربية الأوروبية. فالمغرب والاتحاد الأوروبي أمام ملفات متشابكة تتجاوز الهجرة إلى الاقتصاد والأمن والتعاون الإقليمي، وأي خلاف حول ملف واحد لا يلغي باقي المصالح المشتركة. لذلك فإن الرهان الحقيقي في المرحلة المقبلة لن يكون فقط في كيفية قراءة قرار البرلمان الأوروبي، وإنما في قدرة الطرفين على تحويل الاختلاف إلى حوار مؤسساتي، والحوار إلى حلول عملية، بما يحافظ على الشراكة دون أن يلغي حق كل طرف في التعبير عن مواقفه ومصالحه.
اترك تعليقاً