منتدى العمق

“مي حسبية” الوجه الخفي لتحولات العالم القروي

تحولات القرية المغربية بين «التويزة» والهجرة والحاجة إلى حماية اجتماعية تصل إلى الإنسان قبل أن تصل إليه الكاميرا

كنزة لعليليس

لم تكن صورة امرأة مسنّة تعيش داخل مغارة بإحدى دواوير إقليم آسفي مجرد صورة عابرة من صور الفقر، لقد كانت صورة صادمة لأنها وضعتنا، دفعة واحدة، أمام مفارقة عميقة: كيف يمكن أن تعيش امرأة تجاوزت الثمانين في هذا الوضع، في مغرب قطع أشواطًا مهمة في فك العزلة عن العالم القروي، وتعميم الكهرباء والماء، وتوسيع شبكة الطرق والخدمات، بينما تظل فئات من السكان خارج دائرة الحماية الفعلية.

إن قصة «مي حسبية» لا تطرح سؤال الفقر وحده، ولا سؤال السكن اللائق فقط، بل تفتح أسئلة أكبر حول التحولات التي عرفتها القرية المغربية، وحول مصير التضامن التقليدي، وحول حدود التنمية حين تصل إلى المجال ولا تصل بالقدر نفسه إلى الإنسان.

لقد أفادت التقارير الوطنية المتعلقة بتنمية العالم القروي بأن المغرب حقق تقدمًا ملحوظًا في مجالات الربط بالكهرباء والماء، وفك العزلة، والتعليم، والصحة والبنيات الأساسية. غير أن هذه التحولات لم تُنهِ الفوارق المجالية والاجتماعية، خصوصًا في المناطق النائية والجبلية والمهمشة، حيث ما زالت بعض الفئات تواجه صعوبات في الوصول إلى الخدمات الأساسية والحماية الاجتماعية.

القرية التي كان فيها الإنسان يعرف الإنسان

كان العالم القروي المغربي، في مراحل سابقة، يقوم على شبكة واسعة من العلاقات المباشرة. كانت الأسرة الممتدة، والجيران، والدواوير والجماعة، والقبيلة، ومؤسسات العرف المحلي، تؤدي أدوارًا أساسية في حماية الأفراد ومساندتهم.

لم تكن هذه الحماية مؤسساتية بالمعنى الحديث، لكنها كانت تقوم على معرفة الناس بعضهم ببعض. كان أهل الدوار يعرفون الأرملة، والمريض، والشيخ الوحيد، والأسرة التي فقدت معيلها، والطفل الذي يحتاج إلى مساعدة. وكانت «التويزة» إحدى صور التعاون الجماعي في البناء والحصاد وإصلاح المسالك، كما كانت المواساة والتكافل وإغاثة المحتاج جزءًا من الحياة اليومية.

ولم يكن التضامن آنذاك مثاليًا أو خاليًا من التفاوتات. فقد عرفت القرية الفقر والأمية والحرمان والتهميش، كما عرفت علاقات القوة والتراتبية والإقصاء. لكن ما ميّزها هو وجود شبكة اجتماعية كثيفة، تجعل معاناة الفرد معروفة داخل الجماعة، ولا تسمح غالبًا بأن يظل الإنسان مجهولًا تمامًا في محيطه.

كان الإنسان، في كثير من الحالات، يجد من يسأل عنه، ومن يطرق بابه، ومن يشاركه مرضه أو عوزه أو وحدته.

أما اليوم، فقد تغيرت البنية الاجتماعية والاقتصادية والديمغرافية للقرية. هاجرت أعداد كبيرة من السكان إلى المدن أو إلى الخارج، وتراجعت الأسرة الممتدة، وتغيرت أنماط العمل، واتسعت حاجات الأفراد، وأصبحت العلاقات أكثر ارتباطًا بالمال والتنقل والمصلحة والوقت. ولم تعد الروابط القديمة تؤدي الوظائف نفسها بالقوة والانتظام نفسيهما.

رياح العولمة وصلت إلى الدوار

لم تعد القرية المغربية معزولة عن العالم. فقد دخلتها المدرسة الحديثة، والتلفزيون، والهجرة، والطرق، والأسواق، والهواتف الذكية، والإنترنت، ومنصات التواصل الاجتماعي. بل يمكن القول إن العولمة وصلت إلى بعض الدواوير عبر شاشة الهاتف الذكي قبل أن تصل إليها بعض الخدمات الاجتماعية بالسرعة نفسها.

أصبح سكان القرية يتابعون أنماط العيش في المدن والعالم، ويقارنون أوضاعهم بأوضاع الآخرين، ويتعرفون على قيم جديدة تتعلق بالنجاح والاستهلاك والاستقلال الفردي والاختيار الشخصي. وفي المقابل، تراجعت بعض أشكال الرقابة الاجتماعية القديمة، وتغيرت صورة الأسرة، وأصبح الفرد أكثر ارتباطًا بمشروعه الشخصي وبحياته الخاصة.

أين كانت المؤسسة قبل أن تصل الكاميرا؟

لقد تحركت السلطات المحلية ولجنة طبية واجتماعية لمعاينة وضع «مي حسبية» بعد انتشار صورها، كما جرى اقتراح نقلها إلى المستشفى من أجل الفحص والعلاج، غير أنها رفضت مغادرة مكانها. ويُحسب للمؤسسات أن تتدخل عندما تظهر حالة إنسانية صعبة، لكن السؤال الأعمق يظل قائمًا:
هل ينبغي أن تحتاج معاناة شخص مسن ووحيد إلى كاميرا حتى تصبح مرئية.

إن الحماية الاجتماعية الحقيقية لا ينبغي أن تكون مجرد رد فعل على الصور المتداولة أو على ضغط الرأي العام. بل يفترض أن تقوم على آليات استباقية لرصد الأشخاص الموجودين في وضعية هشاشة، خصوصًا المسنين الذين يعيشون وحدهم، والأشخاص ذوي الإعاقة، والمرضى، والأسر التي لا تتوفر على دخل قار، وسكان المناطق النائية.

فالمؤسسة الاجتماعية لا ينبغي أن تنتظر دائمًا أن يصل الخبر إليها من وسائل الإعلام. عليها أن تكون قريبة من المجال، وأن تتوفر على معطيات محينة، وأن تعرف من يعيش في العزلة، ومن يحتاج إلى رعاية، ومن يفتقد إلى السكن اللائق أو العلاج أو الوثائق أو الدخل.

الصحافة بين كشف المعاناة وتحويلها إلى فرجة

لا شك أن الصحافة تؤدي دورًا مهمًا في كشف الحالات التي قد تظل مجهولة، وفي لفت انتباه المسؤولين والرأي العام إلى معاناة الفئات المهمشة. ولولا تداول قصة «مي حسبية»، ربما لم يكن وضعها ليحظى بهذا القدر من الانتباه.

لكن الصحافة مطالبة، في الوقت نفسه، بأن توازن بين حق المجتمع في المعرفة وحق الشخص الضعيف في الكرامة والخصوصية. فالمسن الذي يعيش في الفقر ليس مادة للفرجة، ولا ينبغي أن تتحول معاناته إلى صورة للاستهلاك العاطفي المؤقت.

كم «مي حسبية» لا تعرفها الكاميرا؟

ربما تكون حالة «مي حسبية» فردية، ولا يجوز تحويلها إلى دليل على أن جميع القرى تعيش الوضع نفسه. لكن الحالات الفردية قد تكشف أحيانًا عن أسئلة جماعية عميقة.

فكم من مسن يعيش وحيدًا في بيت متداعٍ؟ وكم من امرأة مريضة لا تصل إلى المستشفى؟ وكم من أسرة فقيرة تخفي حاجتها حفاظًا على كرامتها؟ وكم من شخص لا يعرف كيف يطلب المساعدة أو لا يملك القدرة على الوصول إلى المؤسسة؟

لقد تغيرت القرية المغربية، ووصلتها رياح العولمة، وتوسعت حاجاتها، وتراجعت بعض أشكال التضامن القديم، وظهرت أشكال جديدة من الفردانية. لكن التحدي اليوم لا يتمثل في الحنين إلى الماضي، ولا في اتهام الحاضر، بل في بناء توازن جديد بين الأسرة والمجتمع والمؤسسة.

فالسؤال الذي تتركه لنا مغارة «مي حسبية» ليس فقط: كيف تعيش امرأة مسنة في هذا المكان؟ بل هو سؤال أكثر إزعاجًا وعمقًا:

إن التنمية التي نطمح إليها ليست تلك التي تصل إلى الدوار فقط، وإنما تلك التي تصل إلى الإنسان، وتحفظ كرامته، وتصون وحدته، وتمنحه الحق في أن يعيش ما تبقى من عمره بعيدًا عن الخوف والعزلة والإهمال.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *