منتدى العمق

الصَّيفَ ضَيَّعتِ اللبَن

دختنوس النادمة:
هو مثل عربي قديم وشهير جداً، يُضرب لمن يُفوّت فرصة ذهبية بنفسه ثم يندم عليها بعد فوات الأوان ويطلبها في وقت متعذر.
عاشت امرأة في الجاهلية تُدعى دَخْتَنُوس بنت لقيط، وكانت متزوجة من رجل ثري وكريم جداً اسمه عمرو بن عُدَس.
كان هذا الزوج شيخاً كبيراً في السن، فلم ترضَ به وكرهت كبر سنه. طلبت منه الطلاق وألّحت في ذلك، فطلّقها وكان ذلك في فصل الصيف
تزوجت بعده شاباً جميلاً ولكنه كان فقيراً ومعدماً. ولما حلّ الجدب والقحط جاعت وعطشت، وتذكرت خيرات زوجها الأول.
: بعثت دختنوس رسولاً إلى طليقها الشيخ تطلب منه قليلاً من حلوبة أو لبن؛ فعرف عمرو أنها ندمت على تركه، فقال جملته التي أصبحت مثلاً:
“الصيفَ ضيعتِ اللبن”.

الحذر الحذر:

يأتيك اليوم – وقد يكون أتاك قبل سنوات لكنك نسيت – راكبا صهوة موكبه؛وفي ركابه وجوه فضية ،تدربت صباحا فقط على الضحك في وجه البسطاء،المنذورين للتكشير.
يحيطون بك ،تشع منهم بهجة تجارية ؛وما أن يأنسوا منك عجبا،حتى يقيدوك عناقا ؛أنت المتعرق الذي لم يستحم منذ أسبوع.
تحاول التملص ،حرجا وعرقا،فيزداد العناق حرارة؛ومعه ذكر اسمك،فتحار؛من أين علموا اسمي ؟
نعم هم مسحوا الحارة بعيونهم المنبثة في كل زاوية،وأخذوا من ظهورها ذرياتها وسكانها ،زنقة زنقة ،دارا دارا.
وعرفوا المصوتين وأهواءهم كلها.
ثم ينزل هو ،من سرج موكبه ،يفوح عطرا فاخرا ،مشرئب العنق النحاسي صوبك.
آه “هذا اديالنا”.
أنت الآن محاط بالحزب كله ،أشبعت عناقا ،وسماك الوجه النحاسي تقرُّبا.
وشهد أنك ملك له/لهم.
ثم تتوالى الوعود ،وعبارات تنتفخ لها أوداجك:
“هاوجهي عندك” ،”ماتفوتناش” ، “اتعاون امعنا” ” الخير جاي ف الطريق”.
وتتساءل :
أي صباح مبارك هذا ،الذي جعل عِلية الحزب والوطن تترجاني؟
ماذا أملك من استطاعة ،أنا لا أعلمها؟
تنسى أن تُكذِّب علية الحزب ،والقوم،والوطن؛لأنك صادق مع الناس ،وطيب ،وبسيط ؛وتعتقد أن الكل مثلك.
ولأن اللحظة بخَدَرها ،فأنت لم تألف أن يتبرك بك الناس صباحا أو مساء.
وحينما تهم بالنطق ،يسدون عليك منافذ النطق: نحن نعرف ما أنت بحاجة اليه الآن؛فلا داعي للكلام.كلنا ثقة فيك..
ثم يمضون الى بركات أخرى يتبركون بها .
تواصل خطواتك ،بين خدر وحذر ،بين عجب وعجاب ،بين احساس بالقيمة ،يتوالى عليك كل خمس سنوات.
تدس يدك في جيبك ،طلبا لما تجفف به أنفا هيجه العطر الفاخر ،فتلمس زرقتها قبل أن تراها.
لقد دسوا في جيبك ما دسوا ؛فتفهم لم قالوا لك:لاداعي للكلام.
تتلعثم بينك وبين لسانك ،أتصرخ وتلاحق ،أم تدس في فقرك ما يخفف وطأته.
وحتى لو لحقت بهم ،من سيعترف أنه صاحب الزرقاء.
تمضي صوب بعض ديونك تسددها ؛أنت الذي كنت قبلا تبحث عن من يقرضك غذاءك.
وهكذا يفعلون.
وحلال عليك ،فهي رزق أصابك ،بتوابل من عناق وعطر فاخر ،وعنق نحاسي.
وحينما تُصبِّح الصناديق يوم الامتحان ،فعاقب كسالى التلاميذ ،الذين رشَوك لتمنحهم نقط التفوق ،على كسالى آخرين.

خذها ولا تخف ،فأنت الحكم عليهم مرتين:

اذ انتزع الله منهم بعض الرزق الحلال،المسروق منك أصلا.
وإذ حكَّمك الله في خبثهم ،وملكك صوتا تعاقب به.
لكن رجاء امنح هذا الصوت لمن يستحقه.
ممن لم يطوقك بعناق ،ولا قبل ، ولا عطر فواح.
ولاجيد نحاسي.

وأنت سيدتي:

غالبا تقصدك الأخوات “الثُّريَّات” ،كما سماهم شيخهم.
ذاك الذي لا يرى المرأة إلا تكملة للفراش.
يعرفنك بالاسم ،ويعرفن فتاتك التي تخرجت ،أو التي تبحث عن فراش شرعي.
وان كان الزوج مرحوما ،فأنت الهدف السهل ،لأنك مهيضة الجناح.
وان كنت بصدد عملية جراحية ؛فمنهم الجراحون والممرضون والمخدرون.
تحاصرك العطايا والوعود .
أما ان تنقَّبت فقد فزت بربح الدارين.
لاعليك كل شيء حلال عليك ؛لأنه منك واليك.
ولا أحد يقف معك يوم الوقفة الانتخابية.
اجلدي ظهر من ترينه وعد كذبا ؛لكن لا تضيِّعي من تواتر صلاحه لدى الناس.
فأمتي لاتجتمع على ظلال.

لات ساعة مندم:

هما مثالان ذكرتهما ،لسبل حمل المواطنين الناخبين على تضييع اللبن ؛وحينما يندمون فلات ساعة مندم.
حينما تزكي مترشحا ،لا لشيء الا لوقفة دقائق ، وعسل الثواني ،فثق أن سنوات الحنظل قادمة.
حرثت لها وزرعت فها أنت تحصد.

لايقبل منك اشهاد جلالة الملك على ما يصيبك من ظلم وحيف.

اذ نبه جلالته ، مرارا، الى أن الحسم للصناديق ؛ومن تختارونه يزكيه.
فمارسوا حقكم حتى الثمالة.
لاتقبل منك حتى “عاش الملك” وأنت تتمرس بها خارج سياقها ،وداخل مظلمة ادارية أتت على حقوقك.
وقتها ،لاقدر الله، تكون ضيعت حتى التوجيه الملكي ،المحرض على السياسة النزيهة ،والاختيار الصائب.
لاتغرنك لحظة الوعود ،وحشود التملق ،فالأيام قُلَّبُ.
كما تبحث عن الدواء في الصيدلية ،وليس في المحلبة ؛فابحث عن الصلاح التدبيري في أسواق الصالحين،المناضلين النزهاء.
وقد يتواجد هؤلاء حتى في أحزاب راكمت الاساءات ،وشغَلت القضاءَ أكثر من غيرها.
وقد يتواجدون في أحزاب مغمورة ،متعففة لا تتسلح بعناق ،ولا بعطر ،وأعناق ذهبية أو نحاسية.
وفي جميع الحالات ،كن واثقا بأن من يساومك على صوتك ،سيبيعك ؛وان لم يفعل سيجلدك بالسوط.
من أراد أن يتعشى بك ،أفطر به يوم الحسم الانتخابي.
حتى لاتندم ندم “دختنوس”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *