قراءة تحليلية في البرامج الانتخابية للأحزاب المغربية على ضوء استحقاقات 23 شتنبر 2026
تكتسي الانتخابات التشريعية المقرر إجراؤها بالمغرب في 23 شتنبر 2026، والتي حدد لها زمن حملة انتخابية ممتد من 10 إلى 22 من الشهر نفسه، أهمية سياسية ودستورية خاصة، باعتبارها الاستحقاق التشريعي الثاني عشر في تاريخ المملكة ومحطة ستعيد رسم موازين القوى داخل مجلس النواب وتحديد طبيعة الأغلبية الحكومية المقبلة، غير أن الرهان الحقيقي لهذا الاستحقاق لا يختزل في مسألة تصدر النتائج أو توزيع المقاعد، بل يمتد إلى مضمون العرض السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي تقدمه الأحزاب للناخب، ذلك أن البرنامج الانتخابي يشكل اللحظة التي تنتقل فيها المنافسة الحزبية من مجرد طلب للأصوات إلى تقديم تصور متكامل بشأن نموذج المجتمع والاقتصاد والسياسات العمومية.
ومن هنا ننطلق في هذا المقال من إشكالية مركزية مفادها: إلى أي حد تعكس البرامج الانتخابية للأحزاب المغربية في أفق انتخابات 23 شتنبر 2026 عرضا سياسيا قابلا للتحقق والتنزيل، وما حدود الانتقال من الالتزام الحزبي الوارد في البرنامج الانتخابي إلى سياسات عمومية فعلية في ظل منطق الائتلاف وموازين القوى التي تحكم إنتاج البرنامج الحكومي؟
ويتفرع عن هذه الإشكالية عدد من الأسئلة: هل تقدم الأحزاب مقاربات جديدة للمشكلات الاقتصادية والاجتماعية، أم تعيد إنتاج الوعود الانتخابية السابقة؟ هل تتوفر الالتزامات المعلنة على مصادر تمويل واضحة؟ وهل تحدد البرامج آجالا زمنية ومؤشرات قابلة للقياس؟ وإلى أي حد تنسجم الوعود مع الإمكانات المالية والإدارية والمؤسساتية للدولة؟ ثم والأهم ما الذي يجعل وعدا انتخابيا معينا أكثر قابلية للانتقال من الوثيقة الحزبية إلى البرنامج الحكومي؟
وتزداد هذه الإشكالية تعقيدا في السياق المغربي، لكون البرنامج المعروض على الناخبين لا ينتقل بشكل آلي إلى برنامج حكومي، بل تتوسط بينهما سلسلة من المحطات المؤسساتية التي يؤطرها الدستور بدقة، فالفصل 47 يربط تعيين رئيس الحكومة بنتائج انتخابات مجلس النواب، بينما ينص الفصل 88 على وجوب عرض البرنامج الحكومي أمام البرلمان والتصويت عليه، في حين يحدد الفصل 89 مسؤولية الحكومة عن تنفيذ هذا البرنامج والقوانين المتفرعة عنه.
وبناء على ذلك، فإن المسار الفعلي للسياسة العمومية بالمغرب لا يتوقف عند لحظة الوعد الانتخابي، بل يمتد عبر سلسلة أكثر تعقيدا يمكن تلخيصها في التسلسل التالي:
البرنامج الانتخابي ← نتائج الانتخابات ← موازين القوى ← تشكيل الأغلبية ← التفاوض السياسي ← البرنامج الحكومي ← الترجمة التشريعية والميزانياتية والتنظيمية ← التنفيذ ← التقييم والنتائج
ومن هذا المنطلق، تصبح قراءة البرامج الانتخابية لسنة 2026 أكثر جدوى إذا تجاوزت السؤال التبسيطي “من وعد أكثر؟” إلى سؤال أكثر صرامة علميا: “من قدم رؤية أكثر إقناعا للانتقال من الوعد إلى النتيجة؟”
أولا: البرنامج الانتخابي بين الوثيقة السياسية والتعاقد الضمني
يمكن تعريف البرنامج الانتخابي، في مستواه الأول بوصفه وثيقة تختزل توجهات الحزب واختياراته ورؤيته إزاء مجموعة من القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية، وتتضمن مجموعة من التدابير المقترحة للاستجابة لانتظارات المواطنين. غير أن هذا التعريف الوصفي لا يفي وحده بفهم الوظيفة السياسية العميقة للبرنامج، الذي يشكل أيضا ومن الناحية النظرية صيغة من صيغ التعاقد الضمني بين الفاعل الحزبي والناخب، فالحزب يعرض أهدافا ورؤى وتصورات والناخب يمنحه صوته استنادا إلى تقديره لمدى استجابة هذا العرض لمصالحه وتمثلاته.
بيد أن استعمال مفهوم “التعاقد” في هذا السياق لا ينبغي أن يفهم بمعناه القانوني الصرف، ذلك أن البرنامج الانتخابي ليس عقدا مدنيا ولا ينشئ في حد ذاته التزاما قانونيا مباشرا شبيها بالالتزامات التعاقدية، وإنما تكمن قيمته الحقيقية في البعد السياسي والديمقراطي والمحاسباتي.
ثانيا: محددات قراءة البرنامج الانتخابي
يقتضي التحليل العلمي للبرنامج الانتخابي اعتماد شبكة قراءة مركبة، تقوم على سبع محددات متداخلة:
- المحدد الإيديولوجي: ما التصور الذي يحمله الحزب لموقع الدولة والسوق والمجتمع؟
- المحدد الاجتماعي: ما الفئات المجتمعية والمطالب الاجتماعية التي يسعى الحزب إلى تمثيلها؟
- المحدد الاقتصادي: ما النموذج الاقتصادي المقترح؟ وما علاقته بالاستثمار والضريبة والأجور والدعم والقطاع الخاص؟
- المحدد الانتخابي: كيف يصاغ الخطاب البرامجي بما يخدم التنافس على الأصوات والمقاعد؟
- المحدد الدستوري والمؤسساتي: ما الذي يستطيع الحزب فعله فعليا في حال مشاركته في التدبير الحكومي؟
- محدد القدرة التنفيذية: هل تتوفر الإدارة والموارد البشرية والمالية والمؤسسات اللازمة لتفعيل ما يقترح؟
- المحدد الظرفي: كيف يتفاعل البرنامج مع السياق الاقتصادي والاجتماعي والجيوسياسي الذي يمر به المغرب؟
وعليه، فإن البرنامج الانتخابي لا يختزل في قائمة من المطالب، بل هو محصلة تفاعل بنيوي بين الإيديولوجيا والمجتمع والاقتصاد والنسق الحزبي والمؤسسات والسياق التاريخي.
ثالثا: البرنامج الانتخابي ليس البرنامج الحكومي
تعد هذه المسألة من أهم القضايا المنهجية في قراءة برامج الأحزاب، ذلك أنه من الخطأ الافتراض بأن الحزب الفائز في الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر 2026 سيكون قادرا على تنفيذ برنامجه الانتخابي كما عرضه على الناخبين دون أي تعديل، فنتيجة الانتخابات لا تفرز حكومة بشكل مباشر وإنما فرز موازين قوى سياسية جديدة داخل مجلس النواب.
وينص الفصل 47 من الدستور على أن رئيس الحكومة يعين من الحزب السياسي الذي يتصدر ترتيب انتخابات أعضاء مجلس النواب استنادا إلى نتائجها؛ غير أن تشكيل الحكومة في الواقع العملي يخضع لمسار سياسي ومؤسساتي أوسع، لا سيما في الحالات التي لا يحصل فيها أي حزب على أغلبية تمكنه من تشكيل الحكومة بمفرده.
وهنا يبرز مفهوم تحليلي مركزي هو “قابلية الإدماج السياسي” للبرنامج الانتخابي، فقد يكون التدبير أو الاجراء المقترح قابلا للتنفيذ من الناحيتين المالية والإدارية، لكنه في المقابل قد يصعب إدماجه ضمن ائتلاف حكومي، بفعل تباين مواقف الأحزاب المتحالفة حول قضايا حساسة كالضرائب، أو الدعم أو دور الدولة أو السياسة الاجتماعية أو الطاقة أو الحريات…
وفي الاتجاه المقابل قد تحظى بعض التدابير بتوافق سياسي واسع، حتى وإن كان تنفيذها يستلزم موارد إضافية أو إصلاحات تدريجية. ويترتب عن ذلك ضرورة التمييز بوضوح بين مفهومين متمايزين:
- قابلية التنفيذ: هل يمكن تنفيذ التدبير تقنيا وماليا ومؤسساتيا؟
- قابلية الإدماج السياسي: هل يمكن أن يصبح هذا التدبير جزءا من برنامج أغلبية حكومية متعددة الأحزاب؟
ويشكل هذا التمييز مدخلا أساسيا لفهم منطق اشتغال السياسة الحكومية في الأنظمة القائمة على الائتلافات، كما هو الحال في التجربة المغربية.
رابعا: من البرنامج الانتخابي إلى البرنامج الحكومي
يمثل البرنامج الانتخابي وثيقة حزبية تقدم في سياق التنافس على الأصوات، في حين يشكل البرنامج الحكومي التزاما حكوميا ذا أساس دستوري وبرلماني تعرضه الحكومة أمام البرلمان، وفي هذا الاتجاه ينص الفصل 88 من الدستور على أن رئيس الحكومة يعرض البرنامج الذي يعتزم تطبيقه، وأن هذا البرنامج يحدد الخطوط الرئيسية للعمل الحكومي في مختلف مجالات النشاط الوطني، ويكون موضوع مناقشة أمام مجلسي البرلمان قبل أن يخضع للتصويت في مجلس النواب.، أما الفصل 89 فيربط ممارسة الحكومة للسلطة التنفيذية بتنفيذ البرنامج الحكومي والقوانين.
وعليه، فإن الانتقال من البرنامج الانتخابي إلى البرنامج الحكومي ليس عملية تقنية بسيطة، بل هو مسار ترجمة سياسية ودستورية، يمكن تفكيكه إلى أربع مراحل متعاقبة:
- المرحلة الانتخابية: تنافس الأحزاب ببرامج متباينة.
- مرحلة النتائج: تحدد موازين القوى الجديدة داخل مجلس النواب.
- مرحلة تشكيل الأغلبية الحكومية: يجري التفاوض حول الأولويات وتوزيع المسؤوليات.
- المرحلة الحكومية: تتحول الالتزامات المنتقاة إلى برنامج حكومي وقوانين وميزانيات وسياسات عمومية.
ويستنتج من هذا المسار أن البرنامج الحكومي ليس مجرد جمع حسابي للبرامج الانتخابية المتنافسة، بل هو حصيلة سياسية ناتجة عن التفاوض في ضوء نتائج الاقتراع من جهة، والقيود الدستورية والمالية والمؤسساتية من جهة أخرى.
خامسا: قراءة في البرامج الانتخابية لسنة 2026
تكشف القراءة المقارنة لمجموعة من البرامج الانتخابية لسنة 2026 عن ظاهرة منهجية لافتة، تتمثل في تقارب واضح بين الأحزاب في تشخيص المشكلات الكبرى المرتبطة بالتشغيل والقدرة الشرائية والصحة والتعليم والسيادة الاقتصادية والاستثمار والرقمنة ومحاربة الفساد، في مقابل اختلاف جوهري في أدوات المعالجة، يتمحور حول أسئلة: من يدفع؟ ومن ينفذ؟ ومن يتحمل الكلفة؟ وما الزمن اللازم؟
ويمكن، على ضوء هذا التقاطع والتباين، تمييز ثلاث اتجاهات تحليلية كبرى متجاورة داخل الحقل البرامجي المغربي:
الاتجاه الأول، النمو والاستثمار:
ويراهن على القطاع الخاص والاستثمار والصناعة والسياحة والرقمنة والمشاريع الكبرى بوصفها محركات للنمو وخلق فرص الشغل، وتندرج ضمنها بعض برامج الأغلبية الحالية التي تربط التشغيل بالنمو والاستثمار القطاعي، ومنها أحد احزابها الذي يقترح كلفة إضافية إجمالية قدرها 350 مليار درهم لخطة 2027-2031، مع ربط التمويل بأثر النمو وتحويلات لفائدة الجماعات الترابية وإعادة ترتيب النفقات العمومية.
الاتجاه الثاني، إعادة التوزيع وتعزيز الدولة الاجتماعية:
ويركز على الأجور والضرائب والخدمات الاجتماعية والحماية الاجتماعية وتقليص الفوارق، وتظهر بجلاء في برامج القوى اليسارية التي تربط الإصلاح الاقتصادي بإعادة توزيع الدخل وتعزيز دور الدولة، ومن أبرز تجلياتها برنامج تحالف اليسار (فدرالية اليسار الديمقراطي والحزب الاشتراكي الموحد) المعنون “من أجل مغرب ديمقراطي، منتج، وعادل”، الذي يضع الانتقال الديمقراطي نحو “ملكية برلمانية” في صدارة أولوياته، ويقترح تعبئة موارد إضافية تصل إلى 162 مليار درهم سنويا بحلول 2031 عبر إصلاح جبائي يعتمد الضريبة التصاعدية على الثروة والأرباح الريعية المحتكرة.
الاتجاه الثالث، السيادة الاقتصادية:
ويتمحور حول الطاقة والصناعة والغذاء والأمن الاستراتيجي والقدرة الوطنية على الإنتاج، وتتقاطع فيها أطروحات متعددة الانتماءات السياسية مع اختلاف واضح في أدوات التنفيذ، وهو ما يظهر بوضوح في محور “تعزيز السيادة الاستراتيجية” الذي وضعه حزب الاستقلال ضمن محاوره الخمسة الكبرى، إلى جانب حضور مطلب السيادة الطاقية بقوة أكبر في برنامج تحالف اليسار.
وليست هذه الاتجاهات التحليلية الثلاث متناقضة كليا فيما بينها، بقدر ما تعكس تفاوتا في ترتيب الأولويات وفي نظرية التغيير الاقتصادي المعتمدة لدى كل فاعل حزبي.
وإذا كانت هذه الاتجاهات التحليلية تكشف اختلاف الأحزاب في ترتيب الأولويات وفي الأدوات المعتمدة لتحقيق أهدافها، فإن اختبار مدى تماسك هذه التصورات لا يكتمل إلا بالانتقال من مستوى المبادئ والاختيارات العامة إلى المجالات التي يمكن فيها قياس الوعود بصورة أكثر دقة، وذلك وفق ما سيأتي بيانه:
- التشغيل: الاختبار الأكبر للبرامج
يحتل التشغيل موقعا مركزيا في البرامج الانتخابية لسنة 2026، وهو أمر منطقي بالنظر إلى استمرار تحديات البطالة، لا سيما في صفوف الشباب، وتكتسي هذه الوعود أهميتها الخاصة من كون خلق فرص الشغل لا يتوقف على قرار إداري منفرد، إذ يستلزم منصب الشغل المستدام توفر نمو اقتصادي حقيقي واستثمار خاص دينامي وتنافسية اقتصادية وتكوينا ملائما وتمويلا كافيا وبنية تحتية قادرة وبيئة أعمال منتجة للقيمة المضافة.
وتظهر مقارنة الالتزامات الحزبية في هذا الباب تباينا لافتا في الأرقام والآجال، فحزب التقدم والاشتراكية يتعهد بخلق مليون منصب شغل خلال خمس سنوات، ويربط ذلك بخفض معدل البطالة الوطني من 13% إلى أقل من 10%، ويطرح التجمع الوطني للأحرار بدوره هدف مليون منصب شغل موزع قطاعيا (100 ألف مرتبطة بكأس العالم و100 ألف في السياحة و150 ألفا في الفلاحة و300 ألف في الصناعة و250 ألفا في الرقمنة) مع خفض البطالة من 10.8% إلى 9%، عبر تعبئة استثمارية قدرها 15 مليار درهم ورفع معدل الاستثمار إلى 33% من الناتج الداخلي الخام، أما حزب الأصالة والمعاصرة فيحدد هدف مليون منصب شغل صاف على الأقل مع خفض البطالة إلى حدود 7% في أفق 2031، ضمن كلفة إجمالية تناهز 350 مليار درهم على امتداد خمس سنوات، ويستهدف الاتحاد الاشتراكي من جهته خفض معدل البطالة العام إلى أقل من 8% وبطالة الشباب إلى أقل من 10% وبطالة النساء إلى أقل من 15% مع إدماج 200 ألف شاب سنويا في سوق الشغل أو في مشاريع المقاولة الذاتية. وفي المقابل، يطرح تحالف اليسار مقاربة مغايرة نسبيا، قوامها ضمانة شغل لفائدة 150 ألف شاب في أفق 2031، إلى جانب دخل تنقل شهري بقيمة 1500 درهم لمدة ستة أشهر، فيما تحالف اليسار تحالف اليسار أعلن هو الأخر عدة إجراءات في مجال التشغيل، إذ تعهد بالوصول إلى معدل 300 ألف منصب شغل صاف سنويا في أفق 2031 بالموازاة مع رفع الاندماج الصناعي المحلي الحقيقي في القطاعات المصدرة إلى 60 في المئة.
غير أن مقارنة هذه الأرقام تكشف، قبل أي حكم، عن إشكال منهجي في القياس يسبق أي تفاضل بين الأحزاب؛ ذلك أن رقم “مليون منصب شغل” مثلا لا يحمل الدلالة الإحصائية نفسها لدى جميع الفاعلين الحزبيين، فبعضهم يتحدث عن رقم صاف على امتداد الولاية التشريعية، وبعضهم الآخر يوزعه قطاعيا وفق منهجية تراكمية، فيما تبقى بعض الصياغات المتداولة في التغطية الإعلامية عرضة للخلط بين الرقم التراكمي والرقم السنوي.
ويستدعي ذلك، منهجيا، ضرورة الرجوع إلى الوثيقة البرامجية الأصلية لكل حزب قبل الجزم بأي تفاوت حقيقي في مستوى الطموح المعلن.
كما أن الرقم في ذاته لا يكفي لتقييم واقعية الهدف المعلن، إذ يقتضي الأمر مقارنته بالحصيلة الفعلية السابقة، فحزب الأصالة والمعاصرة نفسه يبني تقديره الجديد على تشخيص صريح لحصيلة الفترة 2022-2025، التي لم تتجاوز 94 ألف منصب شغل، مستندا إلى معطيات البنك الدولي الصادرة في أبريل 2026 وتحيينات المندوبية السامية للتخطيط التي أظهرت استقرار معدل البطالة عند 10.8% وارتفاعه في صفوف الشباب إلى 29.2%.
ويشكل هذا التفاوت اللافت بين الحصيلة الفعلية المحققة (أقل من 100 ألف منصب في ثلاث سنوات) والهدف المعلن (مليون منصب في خمس سنوات) مدخلا ضروريا لمساءلة الفرضيات الاقتصادية الكامنة خلف الرقم: ما معدل النمو المطلوب لبلوغه؟ وما نصيب القطاع الخاص في تحقيقه؟ وما القطاعات المرشحة فعليا لاستيعاب هذا الحجم من التوظيف؟
وتشير تقديرات صندوق النقد الدولي لسنة 2026 إلى نمو اقتصادي في حدود 4.4%، مع استمرار تحدي خلق فرص الشغل المستدامة، والحاجة إلى قطاع خاص أكثر دينامية وإلى إصلاحات هيكلية في سوق العمل ورأس المال البشري وتوفر هذه التقديرات، دون أن تشكل حكما مسبقا على الفرضيات الواردة في البرامج الحزبية، مرجعا خارجيا يمكن الاستناد إليه لاختبار مدى طموح الفرضيات المتعلقة بالنمو والتشغيل.
القدرة الشرائية والضريبة: من الوعد الاجتماعي إلى المعادلة المالية
في هذا الصدد ، يذهب حزب العدالة والتنمية إلى وصف تراجع القدرة الشرائية بأنه أحد أبرز التحولات الاجتماعية المؤلمة في السنوات الأخيرة، ويربطه بموجة التضخم التي عرفها المغرب منذ 2022، ويقترح في هذا الإطار إخضاع الشركات ذات الوضعيات الاحتكارية أو شبه الاحتكارية وبالأساس شركات المحروقات والاتصالات والإسمنت للسعر الأعلى من الضريبة على الشركات مع إعادة النظر في جدول هذه الضريبة لتطبيق نسبة 10% على الأرباح التي تقل عن 300 ألف درهم إلى جانب مراقبة أسعار المواد الغذائية الأساسية عبر لجان مراقبة إقليمية دائمة وتغليظ العقوبات على الاحتكار والمضاربة.
ومن جهته، اقترح حزب الاستقلال، العضو الثالث في الأغلبية الحكومية إحداث آلية وطنية شفافة لتتبع هوامش الربح على السلع والخدمات المرتبطة بالحياة اليومية وخلق شركات جهوية لاقتناء وتخزين وتوزيع المنتجات الفلاحية والغذائية إلى جانب الرفع التدريجي من الحد الأدنى للأجور والمعاشات، ضمن برنامج أوسع يضع تحسين القدرة الشرائية وتقوية الطبقة الوسطى في صلب أولوياته.
في المقابل، يقدم تحالف اليسار مقاربة أكثر جذرية في هذا الباب؛ إذ يقترح تعبئة موارد مالية إضافية تصل إلى 162 مليار درهم سنويا بحلول 2031 عبر إصلاح جبائي يعتمد الضريبة التصاعدية على الثروة والأرباح الريعية المحتكرة حسبه، بالإضافة إلى إعفاء المواد الأساسية والأدوية من الضريبة على القيمة المضافة.
غير أن هذه الطموحات تقابلها تحفظات منهجية عبرت عنها بعض القراءات، مفادها أن جانبا من هذه البرامج يغلب عليه طابع العموميات والشعارات، بما يجعل من الصعب على الناخب الوقوف على تفاصيلها وآجال تنفيذها والآليات والموارد الكفيلة بتحقيقها.
وهو ما يعيد إلى الواجهة الإشكال المنهجي نفسه المطروح بخصوص وعود التشغيل، والمتمثل في التمييز بين مجرد الإعلان عن رقم أو هدف وبين بيان الفرضيات والسياسات والموارد التي تجعل بلوغه أمرا قابلا للتحقق.
ويظل السؤال التحليلي الهام في هذا الباب: هل ينتج الإصلاح الضريبي المقترح موارد إضافية كافية لتمويل الالتزامات الجديدة، دون إضعاف الاستثمار أو توسيع العجز؟
فالإصلاح الضريبي الناجح ليس ذلك الذي يكتفي برفع الضرائب، بل الذي يوسع الوعاء الضريبي ويحقق العدالة الجبائية مع الحفاظ في الوقت ذاته على الحوافز الضريبية اللازمة لجذب الاستثمار في المغرب.
- الطاقة والسيادة الاقتصادية
تظهر قراءة البرامج الانتخابية الحالية اهتماما متزايدا بمفهوم السيادة الاقتصادية، خصوصا في مجالات الطاقة والغذاء والصناعة والرقمنة، في سياق دولي جعل الأمن الطاقي والغذائي جزءا لا يتجزأ من الأمن الاقتصادي للدولة، وتبرز في هذا الإطار قضية مصفاة “سامير” بوصفها مثالا نموذجيا على الفرق القائم بين الشعار السياسي والسياسة العمومية الفعلية، إذ إن الدعوة إلى إعادة تشغيل المصفاة قد تبدو جذابة من منظور السيادة الطاقية، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات الجدوى الاقتصادية للمشروع.
ويظل السؤال الحقيقي مرتبطا بالنموذج القانوني والمالي والتقني لإعادة التشغيل، وبتحديد الجهة الممولة والجهة المتحملة للمخاطر، وبوضعية الأصول والالتزامات القائمة وبأثر ذلك كله على السوق والأسعار والأمن الطاقي الوطني.
وقد جعلت قوى حزبية متعددة، من بينها تحالف اليسار وحزب العدالة والتنمية، إعادة تشغيل مصفاة سامير أو معالجة ملفها جزءا من تصورها للسيادة الطاقية، كما اقترح تحالف اليسار إجراءات مرتبطة بالمخزون الاستراتيجي وأسعار المحروقات.
ويتضح من خلال هذا النموذج أن القرار السياسي لا يتحول إلى سياسة عمومية بمجرد الإعلان عنه، بل يحتاج إلى مسار قانوني ومالي وتقني ومؤسساتي متكامل.
- الرقمنة والسيادة الرقمية ومحاربة الفساد
تتجه البرامج الانتخابية أيضا نحو تكريس الرقمنة وتطوير الاقتصاد الرقمي وتحديث الإدارة ومحاربة الفساد، وهي مجالات تختلف عن الوعود الاجتماعية التقليدية من حيث كونها تستلزم، في المقام الأول إصلاح المؤسسات وآليات التدبير قبل أي إجراء تنفيذي مباشر، فالرقمنة ليست مجرد تحويل للوثائق الورقية إلى صيغة إلكترونية، بل هي إعادة تنظيم لمسارات القرار وتبسيط للمساطر الإدارية وتطوير للأمن السيبراني وضمان لحماية المعطيات الشخصية.
وتكشف قراءة برامج بعض أحزاب الأغلبية أن ملف محاربة الفساد لم يعد يطرح بصيغة الشعار الأخلاقي العام، بل بدأ يأخذ منحى أكثر تفصيلا؛ فحزب الاستقلال جعل من “محاربة الفساد والريع وتضارب المصالح” أحد أبرز خمسة محاور في برنامجه الانتخابي للفترة 2026-2031 تحت شعار “وطني.. مستقبلي”، ويقترح الحزب في هذا الباب مجموعة تدابير مؤسساتية متكاملة من بينها الانتقال من منطق الترخيص المسبق إلى منطق دفتر التحملات وتعميم رقمنة المساطر وتقليص السلطة التقديرية للإدارة وتحويل الرخص والامتيازات القائمة إلى دفاتر تحملات شفافة وتفعيل قاعدة “سكوت الإدارة بمثابة موافقة” وتوظيف الذكاء الاصطناعي في تحسين حكامة السياسات العمومية ودعم استقلالية مؤسسات الرقابة وحماية المبلغين عن الفساد، ونشر تقرير سنوي لمؤشرات النزاهة.
سادسا، البرامج الاجتماعية بين توسيع الحقوق واستدامة التمويل: من منطق الإنفاق إلى منطق الأثر
تقدم البرامج الانتخابية المعروضة تصورات متباينة حول التعليم والصحة والحماية الاجتماعية والسكن ودعم الأسر، غير أن الدولة الاجتماعية لا تقاس فقط بحجم الإنفاق العمومي، بل بقدرة المؤسسات على تحويل هذا الإنفاق إلى خدمات فعلية ذات جودة. فزيادة الاعتمادات المخصصة لقطاع الصحة، على سبيل المثال، لا تؤدي تلقائيا إلى تحسين الصحة العمومية إذا ظلت إشكاليات الموارد البشرية والتوزيع المجالي والحكامة والتجهيزات الأساسية قائمة، وينطبق المنطق نفسه على قطاعي التعليم والحماية الاجتماعية.
ويترتب عن ذلك ضرورة التمييز المنهجي بين الإنفاق الاجتماعي والأثر الاجتماعي للإنفاق: فالأول يقاس بحجم الاعتمادات المالية المرصودة، في حين يقاس الثاني بما يتغير فعليا في حياة المواطن، ويشكل هذا التمييز جوهر الفرق القائم بين سياسة اجتماعية تبنى شرعيتها على حجم الإنفاق العمومي، وسياسة اجتماعية أخرى تبنى شرعيتها على النتائج الملموسة المحققة على أرض الواقع.
خلاصة تحليلية تقييمية:
بالاطلاع على محتوى مجموعة من هذه البرامج الانتخابية (برامج الأحزاب المشكلة للائتلاف الحكومي الحالي والأقطاب الرئيسية في المعارضة البرلمانية) وتحليل مضامينها، أمكن الخروج بمجموعة من الملاحظات النقدية، منها على سبيل الذكر لا الحصر:
- تنزع بعض البرامج نحو تقديم إجراءات قطاعية متفرقة أكثر من كونها تصورا متكاملا، ما يطرح تساؤلا حول وجود رؤية سياسية جامعة تربط بين هذه الإجراءات ضمن نموذج مجتمعي واقتصادي واضح.
- يلاحظ في معظم البرامج غلبة المقاربة الحسابية والتقنية، في مقابل حضور محدود للنفس السياسي، سواء من حيث تحديد الاختيارات الكبرى أو ترتيب الأولويات أو تقديم تصور واضح للاتجاه الذي ينبغي أن تسلكه السياسات العمومية خلال الولاية المقبلة.
- أن واقعية بعض الوعود تظل موضع تساؤل، خصوصا عندما يتم اختبارها في ضوء الفرضيات الاقتصادية ونسب النمو والقدرة الفعلية على خلق فرص الشغل، وهو ما يبرز بشكل خاص في الوعود المتعلقة بخلق مليون منصب شغل، والتي تستدعي توضيح الفرضيات التي تستند إليها ومصادر تحقيقها والقطاعات القادرة على استيعابها.
- أن أغلب البرامج لم تقدم تصورات مبتكرة أو مفصلة بما يكفي بشأن مصادر تمويل الالتزامات الجديدة، وظلت المقاربات التمويلية ترتكز بدرجة كبيرة على الإصلاح الضريبي وتوسيع الوعاء الجبائي، دون أن تحظى بدائل التمويل وتعبئة الموارد الأخرى بالقدر نفسه من التفصيل.
- أن الفارق بين البرامج لا يكمن فقط في حجم الوعود أو عدد التدابير المقترحة، وإنما في مدى قدرتها على الانتقال من مستوى الالتزام الحزبي إلى مستوى السياسة العمومية القابلة للتنفيذ، وهو ما يجعل معيار قابلية التنفيذ وقابلية الإدماج السياسي أكثر أهمية من مجرد مقارنة عدد الوعود أو قيمتها المالية.
- يبقى البرنامج الانتخابي في نهاية المطاف لا يمثل نقطة الوصول وإنما نقطة الانطلاق لمسار سياسي ومؤسساتي يمر عبر نتائج الانتخابات وموازين القوى وتشكيل الأغلبية والتفاوض حول الأولويات، قبل أن يجد ترجمته في البرنامج الحكومي والقوانين والميزانيات وآليات التنفيذ والتقييم.
اترك تعليقاً