خطة تسديد التبليغ.. بين تكميم الأفواه وتأطير الخطاب الديني
لا يمكن بأي حال من الأحوال اعتبار خطة تسديد التبليغ خطة مقدسة، وأن انتقادها أو التعبير عن رفضها، كبيرة وخيانة للدين والوطن. لأنها في البداية والنهاية مبادرة بشرية تابعة لوزارة حكومية، لا يجرم القانون مناقشة خططها وبرامجها، ولا توجد نصوص دينية تثبت عصمتها. فماهي الحدود الفاصلة بين حرية التعبير وتكميم الأفواه في خطة تسديد التبليغ؟
مسؤولية تأطير الخطاب الديني
على اعتبار أن وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية هي الوصية على الشأن الديني في البلاد، فستكون مشكورة على تحمل مسؤوليتها اتجاه الثوابت الدينية للمملكة، للحفاظ على الأمن الروحي للمواطنين، ولهذا فتأطير الأئمة والخطباء يقع على عاتق الوزارة، وقد دأبت على حسن التوجيه والتأطير والتسديد، طيلة السنوات الماضية، دون الحاجة لاعتماد خطبة موحدة، وهذا يعكس مدى نضج الخطباء قبل الوزارة، وانخراطهم في مسؤولية تبليغ الدعوة والرسالة دون الانزلاق في متاهات السياسة والتطرف.
وتهدف الخطة لتقليص الهوة بين الدين والتدين، أي بين الجانب النظري وما يجب أن يكون، وبين الجانب العملي وما هو كائن أي الواقع، من التزام بالدين وسلوك مستقيم للعيش حياة طيبة، فهي خطة لإسعاد الناس وتقريبهم من رب العباد، ولا تقتصر على تسديد خطبة الجمعة، بل تشمل التبليغ عبر الوعاظ والمرشدين ووسائل الإعلام الديني العمومي كإذاعة وقناة محمد السادس، تحقيقا للأمن الروحي بعيدا عن التطرف والغلو والتدخلات الخارجية.
الوظيفة الكامنة وتكميم أفواه الخطباء
بغض النظر عن أهداف ومقاصد خطة تسديد التبليغ، فإن التأصيل وقوة التنظير لا تعنيان بالضرورة سلامة التنزيل، ولذلك فمن حيث التأصيل، فالمنطق السليم لا يسمح قطعا بالطعن في الخطة، فمن منا لا يريد عيش حياة طيبة؟ غير أن التنزيل قابل للنقاش والتعديل، خاصة في الشق المرتبط بتوحيد خطبة الجمعة.
قد يقول قائل، إن الوظيفة الظاهرة لتوحيد خطبة الجمعة هي تأطير الخطاب الديني وتوجيه الخطباء وحماية المنبر من الانفلات، غير أنها تخفي خلفها وظيفة كامنة، لا تدركها الأبصار لكنها الأشد تأثيرا، وهي تكميم أفواه الخطباء، ومنعهم من الحديث عن “المواضيع المزعجة” التي تلامس الواقع، وتقع في صلب الدين والتدين.
وقد تم استعمال هذه الخطة كغطاء “ناعم”، للترويج لسردية تصحيح السلوك والحياة الطيبة، لضمان تمريرها دون الاصطدام مع الخطباء، في نوع من “الإخضاع بالفن” باسم الدين، وليس باسم القانون والسلطة، كما أن سياسة عزل الخطباء، لا تدعم فرضية حرية التعبير، لكنها تؤشر على وجود نزعة للإقصاء والإسكات وتكميم أفواه الخطباء.
خطورة صناعة التطرف والغلو
هناك فئة من المواطنين قد قرروا الاحتجاج، بمقاطعة خطبة الجمعة، تعبيرا عن عدم الرضى اتجاه ما يجري على المنابر، وبغض النظر عن صحة المقاطعة من عدمها، فإنها تدل على آثار عكسية للخطة، حيث سيجد المقاطعون أنفسهم بشكل تلقائي في مهمة البحث عن خطاب بديل، يلبي حاجياتهم الدينية.
إن هندسة الخطاب الديني، تقتضي وجود متلق إيجابي، يستجيب لمضامين الخطب لعيش حياة طيبة عليه، غير أن المقاطعة، تعني ظهور نتيجة عكسية لأهداف الخطة، وهي دفع المقاطعين، للبحث عن تأطير ديني خارجي موازي، وهو ما جاءت الخطة لمحاربته والقضاء عليه.
وهذا ما يمكن وصفه مجازا، بانقلاب السحر على الساحر، والذي قد يؤدي لظهور تيارات دينية متطرفة معادية لثوابت المملكة، خاصة في الفضاء الرقمي، الذي يكرس فوضى المعرفية الدينية، والذي يمكن اعتباره منطقة رمادية، وبيئة مفتوحة داعمة لظهور التطرف والغلو، دون الحاجة لخطط ل”تخريب التبليغ”.
وفي أفضل الأحوال يعبر المقاطعون عن انعدام الشغف لحضور خطبة الجمعة، لأن الوزارة توفر نص الخطبة على موقعها يوم الأربعاء، ويمكن الاطلاع عليه دون الحاجة لولوج المساجد المزدحمة، وبهذا فالوزارة تساهم في هذا العزوف وهذه المقاطعة، فلماذا تطرح الوزارة الخطبة للعموم؟ ألم يكن من الحكمة إتاحتها حصرا للخطباء في تطبيقات مغلقة؟ ألم نقل أن التنزيل قابل للنقاش والتعديل؟
مرونة الخطة والحاجة للتوازن
في جميع الخطط والاستراتيجيات، لا يمكن الاستغناء عن التعديل والتكيف مع المعطيات الجديدة، ولهذا يعد التقييم بقياس الأثر أساسيا للوقوف على مدى نجاح الخطة، وحتى لا نخرج عن مقاصد خطة التبليغ المشروعة، ولكي نؤكد على أنه لا توجد وظيفة كامنة لتكميم الأفواه، سيكون على الوزارة أن تتبنى طرحا أكثر مرونة في توحيد خطبة الجمعة.
وانطلاقا من الحكمة القائلة: “ما لا يُدرك كُلّه، لا يُترك جُلّه”، فإن الحاجة لتخصيص الخطبة الأولى للوزارة، والخطبة الثانية للخطيب، ليتناول المواضيع المحلية وما يراه مناسبا، ستكون بمثابة “خلطة سحرية” تلبي حاجيات الوزارة من جهة، وحاجيات الخطباء والمواطنين من جهة أخرى، وذلك لتحقيق التوازن وأهداف خطة تسديد التبليغ، والقطع مع الصورة النمطية للوزارة.
اترك تعليقاً