وجهة نظر

خصوصية الحملات الانتخابية للأحزاب في تشريعيات 23 شتنبر 2026 (1)

بين الشخصنة السياسية وتشديد المراقبة القانونية

تتميز انتخابات 23 شتنبر 2026 بخصوصية سياسية تتجاوز مجرد التنافس على 395 مقعداً في مجلس النواب. فهي تأتي في لحظة تتقاطع فيها أزمة الثقة والعزوف، وتحول علاقة الأحزاب بالناخبين، وإعادة تشكيل النخب، وتشبيب الخطاب السياسي، وتشدد الدولة في ضبط العملية الانتخابية. وبالتالي تبرز خصوصيتها في أنها انتخابات تشريعية تدور حول «المشاركة» بقدر ما تدور حول النتائج.إذ أن المسألة الأساسية ليست فقط: من سيفوز؟ وإنما أيضاً: من سيشارك في صناعة النتيجة؟ فهذه الانتخابات تأتي في سياق أصبح فيه العزوف، خصوصاً الحضري والشبابي، مشكلة سياسية قائمة بذاتها. لذلك فإن ارتفاع أو انخفاض المشاركة لن يكون مجرد مؤشر تقني، بل سيؤثر في درجة الشرعية التمثيلية للبرلمان والحكومة المقبلة. كما أن انتخابات 2026 ليست مجرد انتخابات لتوزيع المقاعد؛ فهي تجري قبل مرحلة سياسية مرتبطة بأفق 2030، بما في ذلك كأس العالم، ومشاريع البنية التحتية، والدولة الاجتماعية، وقضايا السيادة والتنمية. ولذلك فإن السلطة تحتاج إلى أن تكون النتائج قابلة للدفاع عنها سياسياً أمام الداخل والخارج. وهذا ما يجعل شرعية طريقة الوصول إلى النتائج مهمة بقدر شرعية النتائج نفسها. من هنا يمكن فهم الاهتمام الرسمي المتزايد بسلامة العملية الانتخابية وتتبعها وكذا باهتمام الأحزاب المتنافسة ليس فقد بتجويد برامجها الانتخابية بل أيضا في إدارة حملة انتخابية محفزة ومتطورة.

1. التأطير القانوني لحملات الأحزاب الانتخابية

اعتمدت السلطة لاجراء تشريعيات 23 شتنبر 2026 لضمان سلامة العملية الانتخابية منظومة متعددة المستويات ، لا تقتصر على يوم الاقتراع، بل تمتد إلى اللوائح الانتخابية، والترشيحات، والحملة، والتمويل، والاقتراع والفرز.

1-1 آليات مراقبة شفافية العملية الانتخابية

ركزت مدونة الانتخابات الجديدة على مراجعة اللوائح الانتخابية وتحيينها، تحت إشراف لجان إدارية يرأسها قضاة، ثم نُشرت اللوائح النهائية في 10 يوليوز2026. حيث كان الهدف من ذلك تقليص النزاعات المرتبطة بالتسجيل والشطب والانتساب غير المشروع إلى الدوائر الانتخابية. فبالنسبة لتشريعيات 23 شتنبر 2026، شهدت شروط الأهلية للترشح تشديداً واضحاً في ما يتعلق بالمترشحين ذوي السوابق أو القضايا الجنائية، وذلك من خلال تعديل القانون التنظيمي المتعلق بمجلس النواب 53.25، الذي أقرته المحكمة الدستورية في دجنبر 2025 وقرر تطبيقه على هذه الانتخابات التشريعية. وهكذا أصبح الحكم النهائي بالإدانة مانعاً من الترشح في حالات أوسع، خصوصاً الأحكام النهائية بعقوبة حبس نافذة أو موقوفة التنفيذ، وذلك وفق الحالات التي حددها القانون.بالاضافة
إلى الأحكام الاستئنافية بالإدانة التي يترتب عليها فقدان الأهلية الانتخابية ومنع الترشح. بينما أصبح الحكم الابتدائي بالإدانة من أجل جناية في حد ذاته، من حالات عدم الأهلية للترشح، حتى قبل صيرورة الحكم نهائياً. وهذه نقطة مهمة جداً في تشديد شروط النزاهة الانتخابية. والأكثر دلالة أن التعديل أدخل أيضاً الأشخاص المتابعين بعد ضبطهم في حالة تلبس بارتكاب جناية أو بعض الجنح الانتخابية المحددة قانوناً ضمن حالات عدم الأهلية. أي أن المنع لم يعد مرتبطاً دائماً بصدور حكم نهائي.وهذا التشديد له دلالة سياسية مهمة في هذه الانتخابات . فقد انتقل المشرع من التركيز فقط على سلامة العملية الانتخابية إلى محاولة رفع مستوى «جودة المرشح» نفسه ومدى نزاهته. فالحزب لم يعد وحده صاحب القرار الأخلاقي في قبول مرشح مثير للجدل، بل أصبح القانون يضع عتبة قانونية للأهلية، مع إلزام ملف الترشيح بإرفاق نسخة حديثة من السجل العدلي أو بطاقة السوابق. فالتزكية الحزبية لم تعد كافية وحدها، لأن المرشح يمر أيضاً عبر “غربال قانوني وقضائي” قبل الوصول إلى الاقتراع.واللافت أن هذا يأتي في انتخابات 2026 تحديداً، وفي سياق سياسي أصبحت فيه نزاهة المرشح، والفساد الانتخابي، واستعمال المال والنفوذ، والسمعة القضائية جزءاً من النقاش حول إعادة بناء الثقة في الأحزاب والانتخابات. ورغم أن هذا التشديد القانوني على الوضعية القضائية للمرشحين لم يُلغِ منطق الأعيان والمرشحين ذوي النفوذ، لكنه أعاد تعريف حدود المقبول منهم. فالقانون وضع «خطاً أحمر» قانونياً أمام الحزب. فهذا الأخير لم يعد يستطيع التعامل مع الوضعية القضائية للمرشح باعتبارها مسألة داخلية محضة. حيث أن المقتضيات القانونية الجديدة تمنع ترشح من يوجد في حالات قضائية محددة، ومنها التلبس بجرائم معينة، والإدانة ابتدائياً في جناية، وبعض حالات الإدانة استئنافياً.وهذا مهم لأن التزكية الحزبية أصبحت مشروطة بسلامة قانونية سابقة عليها. فالحزب يمكن أن يختار «من يربح له الدائرة الانتخابية»، لكن ليس من بين جميع الأسماء التي تتوفر على القوة الانتخابية.

2-1 آليات تشديد مراقبة الحملة الانتخابية

وضع القانون التنظيمي الجديد رقم 53.25 ضوابط تستهدف ضمان تكافؤ الفرص بين المترشحين؛و تنظيم وسائل وأماكن وكيفيات الحملة؛ وحماية حرية الناخب في الاختيار؛ وتنظيم التجمعات واللقاءات الانتخابية؛و منع الوسائل التي يمكن أن تحول المنافسة السياسية إلى ضغط مادي أو شخصي على الناخب. فالدولة في حرصها على الانتقال من مجرد مراقبة نتيجة الانتخابات إلى مراقبة شروط إنتاج النتيجة نفسها، عملت على وضع آليات لمواجهة شراء الأصوات والتأثير على الناخب. فمن أبرز الإجراءات الزجرية التي تم التنصيص عليها قانونيا حظر الحصول أو محاولة الحصول على أصوات الناخبين بواسطة الهدايا أو التبرعات أو المنافع، وكذلك استعمال هذه الوسائل لدفع الناخب إلى الامتناع عن التصويت.كما تشمل العقوبات التأثير في إرادة الناخب بالعنف أو التهديد أو التخويف، بما في ذلك التهديد المتعلق بالوظيفة أو الأسرة أو الممتلكات.وهذا له أهمية خاصة في الوسط القروي، حيث تكون العلاقة بين المرشح والناخب أكثر قابلية لأن تأخذ شكلاً شخصياً أو علائقيا، وليس فقط علاقة بين برنامجين انتخابيين. كما أنه بالنسبة للمترشحين، فقد اشترط عليهم تقديم مصادر تمويل الحملة؛ و جرد المصاريف؛ وكذا تقديم الوثائق المثبتة لهذه المصاريف. كما حددت سقوف قانونية للإنفاق الانتخابي، حيث توضح بوابة المجلس الأعلى للحسابات أن السقف بالنسبة لمترشح مجلس النواب هو 500 ألف درهم، مع احتساب سقف اللائحة وفق عدد أعضائها. والجديد المهم هو استعمال منصة إلكترونية لإيداع حسابات الحملات، إلى جانب الإيداع المادي لدى المجلس الأعلى للحسابات أو مجالسه الجهوية. كما أن المراقبة لا تتوقف عند المرشح الفردي؛ فالمجلس الأعلى للحسابات يفحص أيضاً الدعم العمومي الذي تحصل عليه الأحزاب لتمويل حملاتها الانتخابية، ويتحقق من استعماله للأغراض التي منح من أجلها.وهذا يكتسب أهمية أكبر في انتخابات 2026، بالنظر إلى أن الأحزاب أصبحت تستعمل بكثافة الإعلانات الرقمية، الإنتاج السمعي البصري، التجمعات، التنقلات والوسائط التواصلية في حملاتها. في حين أطلقت الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها بوابة خاصة بانتخابات 2026 للتبليغ عن أفعال مرتبطة بالفساد الانتخابي، بما فيها مخالفات مرحلة الحملة والاقتراع.وهذا يضيف مستوى آخر من الرقابة تتمثل في الرقابة المجتمعية والتبليغ من المواطنين، وليس فقط الرقابة الإدارية والقضائية.

3-1 آليات مراقبة نزاهة العملية الانتخابية

تم بتعليمات ملكية، بتاريخ 20 يوليوز 2026 تفعيل اللجنة المركزية لتتبع الانتخابات بمقر وزارة الداخلية، بالتوازي مع لجان إقليمية على مستوى العمالات والأقاليم وعمالات المقاطعات. حيث تضم هذه اللجان، على المستوى الترابي، الوالي أو العامل والوكيل العام للملك أو وكيل الملك.وهذا مهم سياسياً لأنه يعني أن الدولة لا تتعامل مع نزاهة الانتخابات كمسألة تقنية تخص الإدارة الانتخابية فقط، وإنما باعتبارها مسؤولية مشتركة بين الإدارة الترابية والنيابة العامة. لذلك، يمكن القول إن رهان السلطة في انتخابات 23 شتنبر 2026 ليس فقط ضمان سلامة الصندوق يوم الاقتراع، وإنما ضبط “السلسلة الانتخابية” كاملة التي تبدأ من التسجيل والترشيح، مروراً بالحملة وتمويلها، وصولاً إلى التصويت والفرز وإعلان النتائج.والأكثر دلالة أن الدولة، في خطابها الرسمي بشأن حملة 2026، تربط صراحة بين نزاهة المنافسة، وتكافؤ الفرص، وحرية إرادة الناخب. وهذا يجعل شفافية الحملة الانتخابية وتمويلها جزءاً من مفهوم أوسع لنزاهة الانتخابات، وليس مسألة محاسبية منفصلة. فقد وجه الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، رئيس النيابة العامة هشام بلاوي، في 1 شتنبر 2026 دورية إلى الوكلاء العامين للملك ووكلاء الملك، دعاهم فيها إلى التعبئة والمواكبة الفعالة للاستحقاقات، والتصدي بحزم لكل الممارسات التي يمكن أن تمس سلامة العملية الانتخابية. وبالتالي ، فقد حول هذا القرار النيابة العامة إلى جهاز يقظة انتخابية. فهذه الدورية لا تنتظر وقوع الخروقات ثم تتحرك فقط، وإنما تطلب من النيابات العامة المواكبة الفعالة لمختلف مراحل العملية الانتخابية. ولهذا دعت إلى التنسيق بين الخلية المركزية لرئاسة النيابة العامة والخلايا الجهوية والمحلية، وكذلك مع الفرق الأمنية المكلفة بقضايا الانتخابات. كما ان من أبرز التعليمات إنجاز الأبحاث المرتبطة بالشكايات الانتخابية بالسرعة اللازمة، مع تأمين المداومة خلال فترة الاستحقاقات. وهذا ما جعل النيابة العامة لا تتدخل فقط لمعاقبة المخالف بعد الانتخابات، وإنما تصبح حاضرة أثناء الحملة ويوم الاقتراع لمنع التأثير غير المشروع في إرادة الناخبين. ففي 3 شتنبر 2026، أي بعد أيام قليلة من هذه الدورية، أعلن الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بالقنيطرة فتح بحث قضائي بشأن تصريحات مرشح انتخابي تحدث فيها عن إمكانية توظيف أموال متحصلة من المخدرات للتأثير على الانتخابات. وأوضح البلاغ أن الهدف هو التحقق من ظروف وملابسات التصريحات وترتيب الآثار القانونية اللازمة. وهذا مثال واضح على أن النيابة العامة تتعامل مع ما يمكن أن يمس نزاهة الاقتراع باعتباره موضوعاً للتحقق القضائي، حتى عندما يكون مصدر المعطيات تصريحاً انتخابياً متداولاً. كما تم تحريك المسطرة فيما ادعاه الأمين العام للحركة الشعبية من اختراق لمكالماته الشخصية. من هنا يظهر بأن هناك بنية مؤسساتية أوسع جرى تفعيلها لانتخابات 2026 تتمثل في لجنة مركزية لتتبع الانتخابات تضم وزير الداخلية ورئيس النيابة العامة، ولجان ترابية تضم الوالي أو العامل والوكيل العام للملك أو وكيل الملك. ومهمتها السهر على سلامة وصدقية العملية الانتخابية في مختلف مراحلها. فانتخابات 2026 تشهد انتقالاً من مجرد “تدبير الانتخابات” إلى “تدبير قضائي لنزاهة الانتخابات”.أي أن وزارة الداخلية تظل مسؤولة عن التنظيم والإدارة الترابية للعملية الانتخابية، بينما أصبحت النيابة العامة شريكاً مركزياً في حماية شرعية المنافسة الانتخابية وزجر ما يمكن أن يؤثر في إرادة الناخبين . فإشراك رئيس النيابة العامة شخصياً في اللجنة المركزية لتتبع الانتخابات يعطي للنزاهة الانتخابية طابعاً مؤسساتياً أقوى من مجرد كونها مهمة إدارية لوزارة الداخلية. وبالتالي يمكن النظر إلى انتخابات 2026 باعتبارها محاولة لبناء «سلسلة نزاهة» تبدأ من اختيار المرشح، وتمر بالحملة والتمويل والاقتراع، وتنتهي بالمساءلة القضائية عن الاختلالات. فالسلطة لا تبدو فقط بصدد حماية “نزاهة الصندوق”، وإنما بصدد حماية “شرعية الصندوق”؛ أي ضمان ألا تصبح ظروف إنتاج النتيجة نفسها موضع تشكيك.وهذا يفسر لماذا أصبحت شفافية الحملة الحزبية والإنفاق الانتخابي ومحاربة شراء الأصوات مركزية في خطاب انتخابات 2026، وليس مجرد قضايا تقنية هامشية.

2- خصوصية إدارة الاحزاب المتنافسة لحملاتها الانتخابية

يمكن اعتبار إدارة الأحزاب لحملاتها الانتخابية في 2026 إحدى أبرز مظاهر اختلاف هذه الانتخابات عن سابقاتها. لكن الاختلاف لا يكمن فقط في الأدوات المستعملة، بل في طريقة بناء الحملة نفسها: من حملة انتخابية تقليدية تركز على المرشح والدائرة، إلى حملة أكثر مركزية ورقمية ومبنية على الرسالة والأرقام والصورة السياسية. فمن أبرز مظاهر هذا التحول في إدارة هذه الحملة الانتخابية التدشين الشخصي لرؤساء الأحزاب المتنافسة للحملات الانتخابية، وكذا اللجوء إلى آليات الرقمنة في إدارة الحملة الانتخابية، والتراشق اللفظي وكذا برود انطلاق الحملة الانتخابية بالدارالبيضاء.

2. 1شخصنةالحملات الانتخابية

إن تدشين رؤساء الأحزاب للحملات الانتخابية وتقديمهم للمرشحين في مختلف الدوائر والأقاليم يمثل إحدى أبرز سمات إدارة الحملة الانتخابية في تشريعيات 2026، ويمكن قراءته سياسياً بأكثر من مستوى.

– من الحملة المحلية إلى «الحملة الوطنية»

ففي الانتخابات التشريعية السابقة كان المرشح المحلي يحتل غالباً موقعاً مركزياً في الحملة داخل دائرته الانتخابية من خلال علاقاته، و شبكته الاجتماعية وقدرته على تعبئة الناخبين.أما حضور رئيس الحزب لتدشين الحملة في عدة أقاليم وتقديم المرشحين، فيعني أن الحزب يحاول إضفاء طابع وطني على المعركة الانتخابية المحلية. فالمرشح لم يعد يقدم نفسه فقط باعتباره شخصاً داخل الدائرة الانتخابية، وإنما باعتباره ممثلًا لمشروع سياسي وطني يقوده الحزب. حيث يمكن اختصار هذا التحول في: من «المرشح الذي يقدم نفسه للناخب» إلى «الحزب الذي يقدم مرشحه للناخب». وفي هذا السياق يتحول رئيس الحزب إلى «مُزكٍّ انتخابي» لمرشح حزبه. فحين يحضر الأمين العام أو رئيس الحزب شخصياً لتقديم مرشحيه، فإنه لا يقوم بمجرد نشاط بروتوكولي، بل يمنح المرشح شرعية رمزية إضافية تشير إلى أن «هذا هو مرشح الحزب، وهذه هي القيادة التي تقف وراءه».وبذلك تصبح التزكية ذات مستويين: تزكية تنظيمية داخل الحزب تسمح للمرشح بالترشح وتزكية انتخابية علنية يقوم بها رئيس الحزب أمام الناخبين. وهذا يرفع قيمة القيادة الحزبية في الحملة التي تقوم بنقل شعبية القيادة إلى المرشح خصوصاً عندما تكون هناك فجوة بين الحضور الوطني للحزب والحضور المحلي للمرشح. فرئيس الحزب يمتلك رصيداً إعلامياً وشهرة أكبر من كثير من المرشحين، وبالتالي فإن حضوره يمكن أن يعمل كنوع من نقل الرصيد السياسي: رئيس الحزب ← الحزب ← المرشح ← الدائرة الانتخابية. ومن هنا نفهم لماذا أصبح تدشين الحملة من طرف القيادة، ثم تقديم المرشحين، جزءاً من صناعة الصورة الانتخابية لمرشحي جل الأحزاب . ولعل هذه الممارسة الانتخابية تعكس شخصنة متزايدة للحملة الانتخابية. فالحزب الذي يريد أن يقول إن الانتخابات هي انتخابات برامج ومشاريع، خصوصاً مع بروز البرامج المرقمة والأهداف الكمية، هو نفسه الذي يجعل رئيس الحزب حاضراً بقوة في تقديم هذه البرامج والمرشحين. وهكذا تلتقي ثلاثة عناصر: البرنامج المرقم + القيادة الشخصية + المرشح المحلي.وهذا ينسجم مع ما لاحظناه في استعمال الأحزاب للأرقام، مثل وعود خلق فرص العمل. فالرقم لا يبقى مجرد هدف تقني في البرنامج الانتخابي للحزب، وإنما يحتاج إلى وجه سياسي يقدمه ويضمنه أمام الناخب. لكن هذا لا يمنع من أن جولات رؤساء الأحزاب عبر الأقاليم تسمح كذلك بفرض قدر أكبر من المركزية الاتصالية تتمثل في رفع شعار موحد؛ وخطاب موحد؛ وأرقام موحدة؛ ورسائل انتخابية موحدة؛وصورة موحدة للمرشحين؛ وتغطية إعلامية وطنية للنشاط المحلي. وبالتالي يمكن القول إن إدارة الحملة أصبحت تقوم على صيغة مركزية صناعة الرسالة، ولا مركزية تنفيذ التعبئة. فالقيادة الحزبية تحدد الرسالة والصورة والأرقام، بينما يتولى المرشح والشبكات المحلية ترجمتها إلى أصوات داخل الدائرة الانتخابية. غير أن هذه الظاهرة لا تشكل قطيعة مع الانتخابات السابقة.فرؤساء الأحزاب كانوا دائماً يقومون بجولات انتخابية ويشاركون في الحملات الانتخابية لاحزابهم .لكن الجديد في انتخابات 2026 هو ارتفاع القيمة الاتصالية والسياسية لهذا الحضور، بسبب وسائل التواصل الاجتماعي والفيديو القصير. فزيارة رئيس الحزب إلى إقليم لم تعد تنتهي بانتهاء التجمع؛ بل يمكن تحويلها إلى عشرات المقاطع والصور والرسائل التي تصل إلى ناخبين خارج الدائرة نفسها.لذلك فإن رئيس الحزب أصبح يؤدي وظيفتين في آن واحد: قائد تعبئة ميدانية و منتج للمحتوى الانتخابي الرقمي. وهذا يقربنا من مفهوم «الحملة الانتخابية الهجينة» التي تقوم على قيادة وطنية تتحرك ميدانياً، ومرشحين محليين، وشبكات تقليدية للتعبئة، ومنصات رقمية لإعادة نشر الحملة على المستوى الوطني.ومن زاوية أعمق، يمكن القول إن انتقال رؤساء الأحزاب بين الأقاليم لتدشين الحملات وتقديم المرشحين يعكس انتقال الانتخابات المغربية تدريجياً من «انتخابات الدوائر» إلى «انتخابات الأحزاب»؛ حيث لا تختفي شخصية المرشح المحلي، لكنها تصبح أكثر ارتباطاً بصورة القيادة الوطنية والحزب وبرنامجه.

– بن كيران وشخصنة حملة حزب العدالة والتنمية

عادة ما يقوم الموقع الرسمي لحزب العدالة والتنمية منذ بداية حملة الحزب على نقل تحركات الأمين العام بن كيران بشكل مكثف سواء من خلال مهرجاناته وخطبه وتحركاته الانتخابية. فانطلاق الحملة الانتخابية للحزب في 10شتنبر 2026 ارتبطت بكلمة بنكيران وهجومه على حكومة أخنوش.فبنكيران يمثل أقصى حالات «شخصنة الحملة».إذ أن بن كيران لا يحضر كأمين عام لحزب العدالة والتنمية فقط لتقديم البرنامج أو دعم المرشحين، بل هو نفسه جزء أساسي من الرسالة الانتخابية. فهو يجذب الجمهور إلى المهرجان؛ ويصنع العناوين الإعلامية؛ ويهاجم الخصوم السياسيين؛ ويدعو إلى التصويت؛ ويقدم الحزب باعتباره بديلاً؛ ثم تنتقل كلمته إلى شبكات التواصل الاجتماعي. أي أن المرشح المحلي يستفيد من حضور بنكيران، لكن بنكيران نفسه يصبح أحياناً أهم من المرشح في صناعة الحدث الانتخابي. وهذا يختلف عن حزب يستطيع أن يدير حملته من خلال البرنامج والمرشحين والهياكل المحلية حتى مع حضور رئيسه.فبنكيران ليس مجرد أمين عام لحزب؛ إنه شخصية سياسية معروفة لها خطاب وأسلوب ولغة وسخرية وخصومات سياسية وذاكرة حكومية. ولذلك فإن حضوره يمكن أن يؤدي وظيفة لا يستطيع مرشح محلي عادي أداءها.وهنا تتحول الحملة من:«صوّتوا لمرشح العدالة والتنمية» إلى رسالة أقرب إلى:«صوّتوا للمشروع الذي يمثله بنكيران والعدالة والتنمية».وهذا ما يجعل القيادة نفسها أداة انتخابية.

-شوكي وأخنوش وثنائية قيادة الحملة الانتخابية

يلاحظ خلال هذه الحملة الانتخابية لحزب التجمع الوطني للأحرار المتصدر للحكومة ، أن محمد شوكي هو رئيس الحزب رسمياً منذ فبراير 2026، لكن عزيز أخنوش يظل أكثر حضوراً في الحركية الانتخابية والميدانية للحزب. ففي افتتاح الحملة بمديونة يوم 10 شتنبر2026، ظهر الاثنان معاً، لكن الخطاب الانتخابي ظل مرتبطاً بقوة بأخنوش وبالحصيلة الحكومية التي ترأسها.وهذا يسمح بقراءة الظاهرة على ثلاثة مستويات:
* انفصال نسبي بين «رئاسة الحزب» و«القيادة الانتخابية» ، فهذه ربما أهم خصوصية. ففي الحالة العادية يكون رئيس الحزب هو قائد الحملة الانتخابية.أما في حالة الأحرار في 2026 فنجد شيئاً أقرب إلى الصورة الانتخابية التالية :شوكي = رئيس الحزب والمنظم السياسي للحملة و أخنوش هو صاحب الحصيلة والوجه الانتخابي الأبرز. وهذا يفسر لماذا لا يبدو انتخاب شوكي خلفاً لأخنوش بمثابة انتقال كامل للزعامة الانتخابية. فالبرنامج الانتخابي الحالي يقدمه شوكي رسمياً، وهو يتحدث عن «كرامة وفرص للجميع» و«مغرب 2031»، لكن أخنوش يظل حاضراً بقوة عندما يتعلق الأمر بالدفاع عن حصيلة الحكومة.
*أخنوش يتحرك باعتباره «صاحب الحصيلة» أكثر من كونه رئيس الحزب. وهنا تظهر خصوصية حزب التجمع. فالأحرار لا يخوضون انتخابات 2026 من موقع حزب معارض يريد تقديم بديل، بل من موقع حزب يقود الحكومة ويريد تجديد التفويض الشعبي لمواصلة مساره.لذلك فإن أخنوش يمتلك شيئاً لا يستطيع شوكي امتلاكه بنفس الدرجة: الرمزية الشخصية للحصيلة الحكومية خلال خمس سنوات.ولهذا يصبح حضوره الانتخابي منطقياً جداً. فإذا كانت الانتخابات استفتاءً سياسياً جزئياً على حصيلة الحكومة، فإن الشخص الذي قاد الحكومة يصبح جزءاً من الحملة، حتى وإن لم يعد رئيس الحزب. وهذا يختلف مثلاً عن بنكيران، حيث تتحرك الشخصية السياسية لأنها هي نفسها جزء من هوية المعارضة والخطاب السياسي للحزب.

* الأحرار يقدمون نموذجاً لـ«ثنائية القيادة».فالتجمع الوطني للأحرار في انتخابات 2026 يدير حملته من خلال ثنائية أخنوش – شوكي. حيث يعطي شوكي الحملة شرعيتها التنظيمية والحزبية الجديدة. و أخنوش: يعطيها الاستمرارية الحكومية والرمزية التنفيذية. وعادة ما يترجم مرشحوا هذا الحزب هذه الثنائية محلياً داخل الدوائر الانتخابية التي تتمثل في الصورة التالية :

شوكي – الحزب ، أخنوش – الحكومة والحصيلة ، المرشح – الدائرة الانتخابية

وهذا يفسر أيضاً لماذا يصعب اختزال حملة الأحرار في «شخصنة» واحدة؛ فهي ليست شخصنة شوكي، وإنما استثمار سياسي مزدوج لشخصية الرئيس الحالي وشخصية الرئيس السابق للحزب ورئيس الحكومة الحالي. وقد يكون هذا في حد ذاته مؤشراً على أن التجمع لم يتحول بعد بالكامل من حزب أخنوش إلى حزب شوكي. فشوكي أصبح رئيساً للحزب، لكن الرصيد الانتخابي الذي يحتاج الحزب إلى تحويله إلى أصوات انتخابية ما زال مرتبطاً بدرجة كبيرة بأخنوش وبالحصيلة التي تحمل اسمه.وهنا تصبح انتخابات 2026 اختباراً حقيقياً: فهل يستطيع حزب الأحرار تحويل شرعية الحصيلة المرتبطة بأخنوش إلى شرعية حزبية مستقلة مرتبطة بشوكي؟ فإذا نجح الحزب، سيكون ذلك انتقالاً من «حزب القائد» إلى «حزب المؤسسة». وإذا ظل أخنوش هو الوجه الأكثر حضوراً في الحملة، فيمكن القول إن الانتقال التنظيمي سبق الانتقال الرمزي والانتخابي.وهذه النقطة تجعل مقارنة أخنوش/شوكي مع بنكيران مثيرة جداً: بنكيران يقود الحزب والرسالة والشخصية في الوقت نفسه، بينما الأحرار في 2026 يفصلون بين رئاسة الحزب وبين الشخصية التي تحمل أكبر رصيد انتخابي للحملة.

-لقجع كواجهة انتخابية لحملة حزب الاصالة والمعاصرة

تتجاوز تحركات فوزي لقجع خلال حملة البام في انتخابات 23 شتنبر 2026 الدور التقليدي لعضو انضم مؤخرا إلى المكتب السياسي للحزب أو لمرشح انتخابي. بل تقترب من دور واجهة انتخابية وطنية للحزب.ففوزي لقجع يتحرك كـ«رجل حملة» أكثر منه كمرشح محلي. إذ منذ بداية الحملة، لم يحصر لقجع تحركه في دائرته ببركان خاصة وأنه لم يترشح فيها ، بل ظهر في محطات حزبية متعددة: مراكش، الدار البيضاء، الداخلة وغيرها، إلى جانب فاطمة الزهراء المنصوري وقيادات الحزب. ففي الداخلة مثلاً قاد وفداً قيادياً للحزب في محطة انتخابية جهوية قبل انطلاق الحملة الرسمية.وهذا يعطي تحركاته طبيعة وطنية، خلافاً للمرشح الذي يركز أساساً على تعبئة ناخبي دائرته. كما يتحرك حاملاً «أرقام البرنامج». وهذه ربما أهم خصوصية في أدائه. فلقجع لا يقدم نفسه فقط باعتباره سياسياً يخاطب الناخبين، بل باعتباره تقنياً وخبيراً في المالية العمومية يحوّل البرنامج إلى أرقام وتكاليف ومصادر تمويل. ففي أكادير مثلاً قدم تصور البام بتكلفة تبلغ 350 مليار درهم خلال خمس سنوات، بمعدل 70 مليار درهم سنوياً، مع محاولة شرح كيفية التمويل دون زيادة الضرائب.وبالتالي يمكن القول إن لقجع أصبح في الحملة «المترجم المالي» لبرنامج البام.فحضور لقجع يعطي هذه الأرقام وجهاً وشخصية وصوتاً. بمعنى أن الحزب لا يقول فقط: سنخلق فرص عمل أو سنستثمر كذا، وإنما يظهر لقجع ليشرح: كم؟ كيف؟ وبأي موارد؟ وهذا يحول البرنامج من وثيقة حزبية إلى “عرض سياسي مشخصن”. بالإضافة إلى ذلك يقوم لقجع أيضاً بدور «المهاجم» الانتخابي.فتحركاته ليست تقنية فقط : ففي مراكش ثم الدار البيضاء رفع مستوى المواجهة مع الحكومة، منتقداً حصيلتها ومستخدماً شعار «تغيير المسار» باعتباره مدخلاً للتغيير الحكومي.وهنا تظهر مفارقة مهمة:لقجع عضو في الأغلبية الحكومية ووزير فيها، لكنه يتحرك انتخابياً باعتباره أحد الأصوات التي تدعو إلى تغيير المسار الحكومي.وهذا يمنح البام إمكانية بناء خطاب انتخابي يقوم على ما يلي : “نحن جزء من التجربة الحكومية، لكننا نريد تصحيح مسارها وقيادتها بطريقة مختلفة.”وبالتالي ،فدخول لقجع إلى الحملة الانتخابية يخلق، عملياً، مركز ثقل شخصياً جديداً داخل الحزب، من دون أن يعني ذلك إلغاء القيادة الجماعية. لذلك يمكن وصف تحركاته بأنها «حملة داخل الحملة». فالبام يخوض حملة جماعية، لكن لقجع يخوض داخلها حملة شخصية ذات وظيفة حزبية وطنية تتمثل في شرح برنامج، الحزب ، و الدفاع عن أرقامه، ومهاجمة خصومه، واستقطاب فئات جديدة للانضمام إلى الحزب .فخصوصية لقجع خلال هذه الحملة ليست فقط في كثرة تحركاته، وإنما في نوع الوظيفة السياسية التي يؤديها داخل الحملة. فهو يتحول من مجرد عضو جديد في البام إلى «واجهة البرنامج الانتخابي» و«رجل الأرقام» و«المهاجم الانتخابي» و«الوجه الوطني» للحزب في آن واحد. وهذا ما يجعل استقطابه مفهوماً في إطار رهان البام على شخصنة البرنامج والأرقام، وعلى تحويل الكفاءة التقنية إلى رأسمال انتخابي وشعبية سياسية.

2-2 رقمنة الحملة الانتخابية

إن الفارق الأكثر وضوحاً الذي يميز هذه الحملة الانتخابية عن الحملات الانتخابات السابقة هو اللجوء إلى وسائل الرقمنة . فلم تعد الحملة تعتمد أساساً على: المهرجان و الملصق والجولة الميدانية و الخطاب.بل أصبحت تعتمد على :
الفيديو القصير → فيسبوك/إنستغرام/تيك توك → إعادة النشر → التعليق والسخرية → صناعة صورة المرشح.

وبالتالي أصبحت الأحزاب تدير الحملة على مستويين في الوقت نفسه: حملة ميدانية محلية للحصول على الأصوات، وحملة رقمية وطنية لصناعة الصورة والرسالة. ففي السابق كان السؤال الأساسي: ماذا يقول المرشح للناخب؟ أما الآن فأصبح سؤالاً آخر مهماً:كيف سيظهر المرشح أمام الكاميرا وكيف سيعاد تداول صورته؟ ولهذا أصبحت طريقة الكلام، الملابس، الحضور الجماهيري، المصافحة، الرقص، المزاح، وحتى لحظات الخطأ أو السخرية، كلها يمكن أن تتحول إلى مادة انتخابية.وهذا يجعل الانتخابات الحالية أقرب إلى حملة سياسية مستمرة على مدار اليوم، وليس مجرد لقاءات انتخابية محددة.وبالتالي ، أصبحت الحملة أصبحت أكثر اعتماداً على “الفرجة السياسية”. فالرقص، والموسيقى، والبندير، واللباس المحلي، والصور الجماعية، والفيديوهات الطريفة، والتفاعل مع الجمهور… لم تعد مجرد مظاهر جانبية، وإنما أصبحت جزءاً من استراتيجية التواصل الانتخابي.بمعنى أن الحزب يحاول ألا يقدم نفسه فقط باعتباره مؤسسة سياسية، بل باعتباره مشهداً سياسياً قابلاً للتصوير والمشاركة الرقمية.وهنا تلتقي الحملة الرقمية مع ما يمكن تسميته “فرجة الانتخابات”. فإذا كانت الحملات الانتخابية السابقة تقوم أساساً على تعبئة الناخب داخل الدائرة الانتخابية، فإن حملات 2026 تجمع بين تعبئة الناخب محلياً وصناعة رأي انتخابي وطنياً عبر الإعلام الرقمي. وبالتالي أصبحت إدارة الحملة في 2026 تقوم على أربعة عناصر متداخلة: البرنامج المرقم و القيادة الشخصية و التعبئة الميدانية و الفرجة الرقمية.وهذا يجعل الحملة الانتخابية أكثر احترافاً من حيث إدارة الصورة والرسالة، لكنه لا يعني بالضرورة أنها أصبحت أكثر مضموناً سياسياً؛ فقد تتحول كثافة الصور والفيديوهات والأرقام إلى تعويض عن ضعف الاختلاف الأيديولوجي والبرنامجي بين الأحزاب. لكن لا ينبغي أن يؤدي تركيز الأحزاب المتنافسة على آليات الرقمنة إلى الاعتقاد بأن الحملة القديمة اختفت.ففي الدوائر القروية خصوصاً، تستمر أهمية: الأعيان و العلاقات الشخصية و الأسواق الأسبوعية و التجمعات و العائلة و الشبكات المحلية و التعبئة يوم الاقتراع. لذلك فإن خصوصية 2026 ليست أنها استبدلت الحملة التقليدية، وإنما أنها أضافت إليها طبقة رقمية وإعلامية قوية.

3-2 التراشق اللفظي والشخصي بين قيادات الاحزاب

يمكن اعتبار التراشق اللفظي والشخصي بين قيادات الأحزاب من سمات الحملة الانتخابية لسنة 2026، لكن الأهم هو فهمه باعتباره تحولاً في طبيعة التنافس من صراع بين البرامج إلى صراع بين الأشخاص حول البرامج والحصيلة. ويظهر هذا بوضوح في المواجهة بين عبد الإله بنكيران وعزيز أخنوش. فقد تصاعدت لهجة بنكيران تجاه أخنوش إلى انتقادات شخصية وسياسية حادة، ووصلت في أواخر غشت إلى التلويح بالمساءلة القضائية والسجن. كما أن هذا النوع من المواجهة ليس جديداً تماماً في السياسة المغربية؛ فقد شهدت مرحلة 2016–2017 أيضاً مواجهات كلامية مباشرة بين الرجلين. «تتجه الحملات الانتخابية لسنة 2026 نحو شخصنة متزايدة للتنافس الحزبي، إذ لم تعد المواجهة تجري فقط بين البرامج والمرشحين، وإنما بين قادة الأحزاب أنفسهم، من خلال تراشق لفظي وشخصي يحول الخصومة السياسية إلى جزء من الفرجة الانتخابية ويجعل شخصية القائد، مثل البرنامج والرقم والصورة، مورداً من موارد التعبئة الانتخابية.».فهناك ثلاثة تحولات مهمة تميزت بها هذه الحملة :

أولا شخصنة الخصومة السياسية، إذ لم يعد الخطاب يقول فقط:«برنامجنا أفضل من برنامج الحزب الآخر» بل يصبح: «قيادة هذا الحزب فشلت». و«هذا الشخص مسؤول عن الوضع» و«هذه القيادة تمثل الماضي أو الفشل أو التحكم». مما يجعل الشخصية السياسية نفسها موضوعاً انتخابياً.
ثانيا. تحويل الخصم إلى «شخصية انتخابية»، حيث أن مهاجمة الخصم قد تزيد حضوره الانتخابي . فأخنوش مثلاً يصبح حاضراً بقوة في خطاب بنكيران حتى عندما يكون بنكيران بصدد تقديم برنامجه هو. وهكذا تنشأ ثنائية:

بنكيران ↔ أخنوش بدلاً من:PJD ↔ RNI. وهذا مهم جداً لأن التنافس يتحول من تنافس مؤسسات حزبية إلى مواجهة بين شخصيات سياسية.
ثالثا. تضخيم وسائل التواصل للتراشق الشخصي. فالعبارة الحادة أو السخرية أو الاتهام الشخصي أصبحت مادة انتخابية بحد ذاتها. فخطاب يستغرق ساعة يمكن اختزاله في مقطع من 30 ثانية، ويعاد نشره خارج سياقه. فالخصومة لا تكتفي بإقناع الناخب؛ إنها تنتج مشهداً انتخابياً.لكن هناك فرق بين الأحزاب.فليس كل حزب يحتاج إلى التراشق بنفس الدرجة. فهناك أحزاب تجعل الحملة تتمحور حول البرنامج والأرقام والحصيلة، وأخرى تستفيد أكثر من الصدام بين القيادات. حيث يمكن تصور ثلاثة أنماط:
النمط محور الحملة
حملة البرنامج الأرقام، الوعود، المشاريع
حملة الحصيلة ما أنجزته الحكومة
حملة المواجهة مهاجمة الخصم وقيادته

والأكثر إثارة في الحملة الانتخابية لتشريعيات 23 شتنبر 2026 هو أن هذه الأنماط تتداخل: فالبرنامج يعطي الأرقام، والقيادة تعطيه وجهاً، والتراشق يعطيه الإثارة والانتشار.

لكن يمكن القول أن التراشق اللفظي داخل أحزاب الأغلبية الثلاثة في حملة انتخابات 23 شتنبر 2026 تركز أساساً بين حزبي التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة، بينما يبدو حزب الاستقلال أكثر ابتعاداً عنه. فقد عكست تطورات الحملة الانتخابية أن الأحرار والبام هما الثنائي الأكثر اصطداماً ، لأن المنافسة بينهما ليست فقط على الأصوات، وإنما على من يملك حق قيادة المرحلة الحكومية المقبلة.فهما شريكان في الحكومة الحالية، لكنهما تحولا خلال الحملة إلى منافسين مباشرين على المرتبة الأولى والثانية وعلى قيادة الأغلبية المقبلة. لذلك أصبح نقد أحدهما للآخر يحمل ضمناً سؤالاً: من يتحمل مسؤولية الاختلالات التي عرفتها هذه الولاية؟ ومن يمتلك الأهلية لقيادة المرحلة المقبلة؟فكلاهما يريد تقديم نفسه باعتباره قوة حديثة، قادرة على التدبير، ولها حضور قوي داخل مؤسسات الدولة والحكومة. وبالتالي فالمنافسة بينهما ليست منافسة «هوية» بالمعنى التقليدي، كما كان الحال بين اليمين واليسار، وإنما هي منافسة على الكفاءة في التدبير؛ والإنجاز الحكومي؛ واستقطاب الأعيان والمنتخبين؛ والأرقام والوعود الاقتصادية؛ والقدرة على قيادة الحكومة المقبلة.وهذا ما يجعل الصراع الشخصي واللفظي أكثر احتداما.أما حزب الاستقلال وإن كان لا يغيب عن المنافسة، لكنه يرفض إلى حد كبير الدخول في منطق المبارزة الكلامية مع شريكيه بحكومة أخنوش. الشيء الذي أشار إليه أحد قياديي الحزب عبد الجبار الراشدي الذي قال صراحة في 13 شتنبر إن الحزب «لا يثير الكثير من الضجيج»، وإنه لا يريد الانجرار إلى نقاشات سياسية لا تقدم أجوبة عن انتظارات المواطنين، مؤكداً أن الحزب يدافع عن أفكاره وبرنامجه.وهذا الموقف يتطابق مع خطاب الأمين العام نزار بركة عند تقديم البرنامج الانتخابي للحزب ، حيث ركز الحزب على الأسرة، والقدرة الشرائية، والخدمات العمومية، ومحاربة الفساد والريع والسيادة، بدل جعل الحملة مواجهة شخصية مع مكونات الأغلبية. وقد يفسر تصرف هذا الحزب بهذه الطريقة إلى تموقعه في وضعية وسطية. فهوليس حزباً معارضاً يستطيع أن يقول أن هذه الحكومة فاشلة ونحن البديل. وفي الوقت نفسه ليس الحزب القائد للحكومة حتى يستطيع أن ينسب لنفسه وحده إنجازات هذه الحكومة .فهوشريك فقط في الحكومة إلى جانب الأحرار والبام. ولذلك فإن دخوله في حرب كلامية معهما قد يؤدي إلى نتيجة عكسية حيث إذا هاجم الحكومة، فإنه يهاجم جزءاً من الحكومة التي شارك هو نفسه في تدبيرها. لذلك اختارت قيادة حزب الاستقلال «المسافة الآمنة» التي تضمن المنافسة دون القطيعة، والنقد دون التراشق، والتميز دون نسف الأغلبية. مما قد يخدمه أيضاً لما بعد 23 شتنبر. فإذا احتاجت النتائج إلى إعادة تشكيل أغلبية، فإن الاستقلال لا يريد أن يكون قد أحرق جسوره مع الأحرار أو البام خلال هذه الحملة. فالتراشق الانتخابي قد يكون مفيداً لجذب الانتباه، لكنه مكلف في مرحلة ما بعد الانتخابات، خصوصاً بالنسبة لحزب يعرف أنه قد يكون جزءاً من أي صيغة حكومية مقبلة. وهكذا تتميز الحملة الانتخابية لأحزاب الأغلبية بتفاوت واضح في درجة الصدام السياسي؛ ففي الوقت الذي تحولت فيه المنافسة بين التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة إلى تراشق حول المسؤولية والإنجاز والاستقطاب الانتخابي، اختار حزب الاستقلال استراتيجية أقل صدامية، تقوم على التمايز البرنامجي والاحتفاظ بمسافة من الصراع بين شريكيه، وهو ما يرتبط بوضعه المزدوج كشريك في الحكومة ومنافس انتخابي لهما في الوقت نفسه.وهذا يجعل حزب الاستقلال أكثر الأحزاب الثلاثة استفادة من عدم التراشق: فهو يترك الأحرار والبام يستهلكان جزءاً من رصيدهما السياسي في المواجهة، بينما يقدم نفسه باعتباره «الخيار الهادئ» داخل الأغلبية.

3-برودة انطلاق الحملة االانتخابية بالدارالبيضاء

تميزت بداية الحملة الانتخابية في الدوائر الانتخابية بالدارالبيضاء بنوع من البرود مقارنة بدوائر انتخابية في مدن أخرى بالمملكة. فقد لوحظت برودة نسبية في انطلاق الحملة الانتخابية داخل عدد من الدوائر الحضرية بالدار البيضاء، خصوصاً إذا قورنت بالصورة التقليدية للحملة في المدينة التي تتمثل في كثافة الملصقات، وتزايد الجولات، واستخدام مكبرات الصوت، والتجمعات، وحضور المرشحين في الأحياء. وكذا بشدة المنافسة حيث يتنافس وطنياً 7288 مرشحاً على 395 مقعداً، وهو ما يعني أن كثافة التنافس على المستوى الوطني مرتفعة جداً. من هنا ، يمكن أن يعزى هذا البرود في بداية الحملة التي انطلقت صباح يوم 10 شتنبر 2026 إلى عدة أسباب من بينها :

1.3طبيعة الناخب البيضاوي

فالدار البيضاء ليست مجالاً انتخابياً شبيهاً بالوسط القروي. فالناخب الحضري في الدارالبيضاء أكثر انفصالاً عن المرشح والحزب، وأكثر ميلاً إلى التعامل مع الانتخابات باعتبارها شأناً سياسياً لا مناسبة اجتماعية. لذلك لا تنتج بداية الحملة بالضرورة مظاهر التعبئة الجماهيرية التي نشاهدها في الدوائر القروية.فكلما كان المجال الحضري أكثر كثافة سكانياً، لا يعني ذلك بالضرورة أنه أكثر كثافة انتخابياً. بالإضافة إلى ضعف قدرة الأحزاب على تعبئة الشارع في مدينة من أكبر مدن المملكة كثافة . فالأحزاب تستطيع أن تقدم برامج وأرقاماً وقيادات وطنية، لكنها تواجه صعوبة أكبر في تحويل ذلك إلى تعبئة محلية في مدينة ضخمة ومجزأة مثل الدار البيضاء.وهذا يفسر لماذا أصبح جزء من الحملة ينتقل من الشارع إلى الهاتف والشبكات الاجتماعية: فيديو قصير، لقاء محدود، بث مباشر أو تصريح للمرشح قد يحل محل جولة انتخابية كبيرة. كما أن المرشحين والأحزاب يعرفون أن الناخب قد لا يقرر إلا في الأيام الأخيرة، ولذلك يميلون إلى توزيع جهودهم زمنياً، خصوصاً في الدوائر التي تكون فيها المنافسة متقاربة.وبعبارة أخرى فالبرودة الحالية قد تكون برودة البداية وليست بالضرورة برودة الانتخابات كلها.

2.3. خصوصية الدار البيضاء كمدينة للامتناع الانتخابي

تحمل مدينة الدارالبيضاء تاريخاً من ضعف المشاركة الانتخابية مقارنة بحجمها الديمغرافي. لذلك لا تستطيع الأحزاب أن تفترض أن كثافة السكان تعني سهولة تعبئتهم. إذ أن رهانها في انتخابات 2026، ليس فقط على إقناع الناخب، بل على إخراجه من حالة اللامبالاة إلى التصويت. فالدار البيضاء تعتبر من أبرز المدن المغربية التي يظهر فيها الامتناع الانتخابي بصورة بنيوية، نظرا لضعف الروابط التقليدية بين الناخب والمرشح. فإذا كان المرشح في المجال القروي، يستطيع الاعتماد على العائلة، والقبيلة، والأعيان، وشبكات القرابة والمعرفة الشخصية ، فالعلاقات الاجتماعية في هذه المدينة المترامية الاطراف أكثر تفككاً، والسكان أكثر حركة، وبالتالي يصعب تحويل العلاقات الاجتماعية إلى تعبئة انتخابية مباشرة. فالدار البيضاء هي أكبر تجمع حضري في المغرب، لكن ضخامة السكان تجعل الناخب يشعر أحياناً بأن صوته الفردي بعيد عن التأثير في القرار. وهنا تظهر مفارقة مهمة:ا لكثافة السكانية العالية لا تنتج بالضرورة كثافة سياسية وانتخابية عالية. بالإضافة إلى تراجع حضور الأحزاب باعتباره إطاراً يومياً “للمواطن البيضاوي” الذي قد يعرف أسماء الأحزاب والقيادات الوطنية، لكنه لا يعرف بالضرورة مرشح الدائرة أو فرع الحزب في حيه. وهذا ما يفسر لماذا تبدو الحملة أحياناً باردة في الشارع، رغم أن المنافسة بين الأحزاب قوية. كما أنه بالنسبة إلى جزء من الناخبين البيضاويين ، فالانتخابات لا تبدو دائماً قادرة على تغيير أوضاعهم اليومية بسرعة: النقل، السكن، الأسعار، البطالة، الصحة، التعليم، والنظافة. لذلك يتحول الامتناع إلى شكل من اللامبالاة السياسية أو الاحتجاج الصامت. فالأحزاب ركزت في برامجها على أرقام كبيرة تشمل خلق فرص العمل، وتحسين القدرة الشرائية، والرفع من نسب الاستثمار، وتحسين خدمات الصحة والتعليم وغيرها، لكن الناخب في الدار البيضاء يريد أن يعرف: ماذا سيتغير في حيه؟ ماذا عن النقل؟ النظافة؟ السكن؟ الاكتظاظ؟ الأمن؟ المرافق؟ البطالة؟ لذلك توجد فجوة بين الحملة الوطنية التي تتحدث بلغة الأرقام الكبرى وبين الحملة المحلية التي تحتاج إلى خطاب يومي ملموس.

3.3. طبيعة المنافسة الانتخابية

يبدو أن الأحزاب المتنافسة في الانتخابات الحالية تحاول أكثر فأكثر تشخيص الحملة عبر شخصيات معينة: بنكيران بالنسبة إلى العدالة والتنمية، أخنوش بالنسبة إلى التجمع، لقجع بالنسبة إلى الأصالة والمعاصرة، وغيرهم.لكن هذه الشخصنة لا تنتقل آلياً إلى الدائرة الانتخابية خاصة بمدينة كبيرة كالدارالبيضاء. فقد تكون القيادة الوطنية شديدة الحضور إعلامياً بينما يبقى المرشح المحلي محدود الحضور في الحي. فبرودة بداية الحملة في الدار البيضاء لا تعكس بالضرورة ضعف التنافس، وإنما تعكس جزئياً تأخر انتقال التنافس من مستوى الأحزاب والقيادات إلى مستوى المرشحين والدوائر؛ وقد ساهم عدم حسم وضعية بعض المرشحين في تقليص الزمن الفعلي للحملة وإضعاف حضورها الميداني في الأيام الأولى. وهنا يمكن تفسير جزء من البرودة البيضاوية بأنها نتيجة لفجوة بين الحملة الوطنية الساخنة والحملة المحلية الباردة. فالحملة الانتخابية في الدار البيضاء بدأت ببرودة جماهيرية أكثر منها برودة سياسية. فالتنافس موجود، لكن أدوات التعبئة التقليدية تبدو أقل حضوراً، بينما تنتقل المنافسة تدريجياً إلى الإعلام الرقمي، والشبكات الاجتماعية، والعلاقات الانتخابية المحلية.وهذا يجعل الدار البيضاء مؤشراً مهماً جداً على طبيعة انتخابات 2026: فإذا بقيت الحملة باردة في الأيام الأخيرة، فقد يكون ذلك دليلاً أقوى على استمرار أزمة التعبئة الحضرية؛ أما إذا ارتفعت سخونتها في الأسبوع الأخير، فسنكون أمام استراتيجية انتخابية تؤجل التعبئة إلى اللحظة الحاسمة. فالدار البيضاء ليست فقط مدينة تعرف عزوفاً انتخابياً؛ إنها تمثل نموذجاً لتحول الامتناع من موقف فردي إلى سلوك حضري جماعي، تغذيه هشاشة الروابط الحزبية، وضعف الثقة في فعالية التصويت، واتساع المسافة بين المواطن والمؤسسات التمثيلية.لكن يجب الاحتراز من جعل ذلك حقيقة إحصائية مطلقة. فالامتناع يختلف بقوة بين دوائر وأحياء الدار البيضاء، كما أن الفروق الاجتماعية والاقتصادية داخل المدينة نفسها كبيرة. ولذلك فإن تحليل انتخابات 23 شتنبر 2026 سيكون أكثر دقة إذا انتقلنا من سؤال «هل البيضاويون يعزفون؟» إلى سؤال «أي أحياء وفئات من الدار البيضاء تعزف، ولماذا؟».

وعموما ، فخصوصية انتخابات 23 شتنبر 2026 تظهر بوضوح الجمع بين مسارين متوازيين: تشديد الإطار المؤسساتي والقانوني لنزاهة الانتخابات من جهة، وتحول شكل المنافسة والحملة الانتخابية من جهة أخرى. وهذا يجعلها، انتخابات تتميز بمحاولة أكبر لضبط العملية الانتخابية، مقابل حملة أقل تقليدية وأكثر شخصنة ورقمية وتفاوتاً بين المجالين الحضري والقروي. وبالتالي ، فهذه الانتخابات تعرف تطوراً واضحاً في تقنيات ضبط النزاهة والشفافية، بالتوازي مع تحول في طبيعة المنافسة السياسية نفسها التي انتقلت من الحملة الجماهيرية التقليدية إلى حملة أكثر شخصنة ورقمية وتفاوتاً بين الدوائر، ومن الصراع حول البرامج فقط إلى الصراع حول الأرقام والأشخاص القادرين على تجسيدها. والمفارقة أن تشدد الدولة في حماية نزاهة الاقتراع يقابله ضعف نسبي في قدرة الأحزاب على تعبئة المواطن، خصوصاً في المجال الحضري.وهذه المفارقة تجعل انتخابات 2026 مختلفة عن مجرد كونها انتخابات تشريعية عادية. فالسلطة تحاول حماية «نزاهة الاختيار»، بينما الأحزاب تحاول أولاً إقناع المواطن بأن الاختيار نفسه يستحق أن يمارسه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *