وجهة نظر

الحملة الانتخابية باعتبارها واقعة سوسيولوجية

أعتقد وأنا أتابع بالملاحظة -المباشرة أحيانا أو غير المباشرة أحيانا أخرى- عبر شوارع مدننا وأزقتها أو عبر مداشر ودواوير قرانا، بأن الحملات الانتخابية في بلادنا، لم يعد يمكن النظر إليها باعتبارها مجرد مرحلة إجرائية تسبق يوم الاقتراع، ولا باعتبارها نشاطا تقنيا غايته الوحيدة تعبئة الأصوات، بقدر ما أجدها واقعة سياسية واجتماعية تتقاطع داخلها تعقيدات اللغة وأنماط الصورة وتأويلات الرمز وأبعاد المصلحة وأصناف الهوية وأبعاد الذاكرة الجماعية وكل أنواع شبكات العلاقات الاجتماعية بمختلف درجاتها وأشكالها. فالحملة الانتخابية، في جوهرها ووفق ما استنتجته من هذه الملاحظة، هي لحظة مكثفة لإعادة إنتاج العلاقة بين المواطن والسياسة، بين الناخب والمرشح/ المنتخب، وبين المجتمع ومؤسساته التمثيلية.

وقد أصبح هذا الواقع الانتخابي أكثر تعقيدا مع الانتقال التدريجي من الحملة الميدانية التقليدية إلى الحملة متعددة الوسائط، حيث تتعايش اللقاءات المباشرة والخطابات الحاشدة والملصقات المزركشة والشعارات المستحدثة مع الصور المصنعة والفيديوهات المصطنعة ورسائل منصات التواصل الاجتماعي بمختلف أبعادها وأنواعها.

لقد أظهرت دراسة لنا حول الحملات الانتخابية بين سنة 2016 و2021 بأن حضور شبكات التواصل الاجتماعي قد غَيَّر بالفعل من أنماط التواصل السياسي الحزبي وأساليب التفاعل مع الرسائل الانتخابية. وقد أشار، في هذا الإطار، المجلس الوطني لحقوق الإنسان، خلال انتخابات 2021، إلى أن الشبكات الاجتماعية أصبحت فضاء مهما للإعلان الانتخابي وتقديم البرامج والتواصل مع المواطنين، مع استمرار تفاوت واضح بين الأحزاب في استخدامها والاعتماد عليها.

ومن هنا، نطرح للتحليل والنقاش التساؤل المركب الآتي: إلى أي حد أصبحت الحملة الانتخابية المغربية تتحرك من السياسة باعتبارها نقاشا حول البرامج والسياسات العمومية إلى السياسة باعتبارها إنتاجا للصور والرموز والانطباعات؟ وهل يمكن تفسير اختيار الناخب المغربي بمنطق العقلانية وحدها أم أن التفضيل/ الاختيار الانتخابي هو نتيجة لتفاعل معقد بين الحسابات النفعية والانتماءات الاجتماعية والعاطفة والثقة والتجربة السابقة والصورة التي يبنيها الناخب عن المرشح/ المنتخب؟

للتفاعل مع الطروحات السابقة، نقترح قراءة الحملة الانتخابية في الاستحقاقات الحالية (23 شتنبر 2026)، من خلال ثلاثة مداخل مترابطة فيما بينها: مدخل الرمزية البصرية في علاقتها بالسياسة البرامجية، ومدخل طبيعة السلوك الانتخابي وتركيبته، ومدخل ثالث حول ضرورة الانتقال نحو تفسير سوسيولوجي سياقي للتفضيل الانتخابي.

أولا: مدخل الرمزية البصرية في مواجهة السياسة البرامجية

لقد أصبحت الصورة عنصرا مركزيا في التواصل السياسي الانتخابي المعاصر. فاللون والشعار والصورة الشخصية والملصق والشريط القصير والحضور الجماهيري ليست مجرد عناصر تقنية، وإنما هي أدوات لإنتاج المعنى وبناء الانطباع وتسهيل التعرف على المرشح أو الحزب المنافس في الانتخابات. ولذلك، لا ينبغي، في نظرنا، أن ننظر إلى الرمز السياسي باعتباره ظاهرة سلبية في حد ذاته؛ لأن السياسة تحتاج دائما إلى رموز قادرة على اختزال الرسائل المعقدة وتكوين هوية مشتركة بين الفاعل السياسي وجمهوره.

غير أن الإشكال يبدأ عندما يتحول الرمز من وسيلة للتواصل إلى بديل عن المضمون، وعندما تصبح الصورة أقوى من الفكرة، والشخص أقوى من المؤسسة، والشعار أكثر حضورا من البرنامج. وهنا، نستفيد -أكيد- من تصور عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو PIERRE BOURDIEU للحقل السياسي، الذي يربط التنافس السياسي بالصراع على إنتاج التمثلات وعلى امتلاك الشرعية في الكلام باسم الآخرين. فالقوة السياسية لا تتحدد فقط بما يقال، وإنما أيضا بمن يملك القدرة على جعل خطابه ورسائله مقبولة ومرئية ومشروعة داخل المجال السياسي للصراع الرمزي.

ومن هذا المنطلق، يمكننا أن نميز بين ثلاثة مستويات للحملة الانتخابية. يبدأ المستوى الأول بالرمز، أي اللون والصورة والشعار والشخصية، ووظيفته الأساسية تسهيل التعرف وبناء الانطباع لدى المواطنات والمواطنين. وينتقل المستوى الثاني إلى الرسالة، أي القضايا والمواقف والوعود التي يقدمها المرشح أو الحزب للناخب. أما المستوى الثالث فهو البرنامج، حيث تتحول الوعود إلى أهداف قابلة للتحديد والقياس، مرتبطة بوسائل التنفيذ والموارد والآجال والمؤشرات التي تسمح فيما بعد بالمساءلة.

إن الانتقال من الرمز إلى البرنامج لا يلغي وظيفة الرمز أو يقوم مقامه، ولكن القيمة الديمقراطية للحملة تزداد كلما استطاع الرمز أن يقدم رسالة واضحة، واستطاعت الرسالة بدورها أن تقود إلى برنامج قابل للفحص والمقارنة والمحاسبة. وفي الحالة المغربية، يصبح هذا التمييز أكثر أهمية في ظل تصاعد أدوات التواصل السياسي الرقمي والتسويق الانتخابي. وقد لاحظنا خلال دراستنا حول الانتخابات التشريعية والجماعية لسنة 2021 بأن الأحزاب المغربية قد طورت استراتيجيات للتسويق السياسي الرقمي والتواصل الانتخابي بهدف تعزيز الظهور والتعبئة والتفاعل مع الناخبين في كافة الدوائر المحلية والجهوية.

وعليه، فإن الاسئلة السوسيولوجية التي تفرض نفسها، في نظري حاليا، هي: ماذا تفعل الصورة بالسياسة؟ وهل تفتح الطريق أمام النقاش العمومي أم تختصره؟ وهل تساعد المواطن على فهم البدائل السياسية أم تكتفي بإنتاج الانطباع؟

ثانيا: هل الناخب عقلاني؟ نحو تفكيك الثنائية بين العقل والعاطفة

“شخصيا”، نتحفظ على اختزال الناخب المغربي في صورة الناخب العقلاني الذي يحسب بدقة التكاليف والمنافع، كما نرفض اختزاله في صورة الناخب العاطفي الذي تحركه الانفعالات وحدها. فهاتان الصورتان، رغم فائدتهما التفسيرية المحدودة، لا تكفيان، في نظرنا، لفهم السلوك الانتخابي في واقعه السياسي والاجتماعي المغربي.

لقد قدم الفيلسوف والاقتصادي الأمريكي أنتوني داونز ANTHONY DOWNS في كتابه” نظرية اقتصادية للديمقراطية” الصادر سنة 1957 أحد أشهر النماذج العقلانية لتفسير السلوك السياسي، حيث ينطلق من فرضية أن الناخب يستطيع مقارنة البدائل السياسية واتخاذ القرار في ضوء المنافع المتوقعة والمعلومات المتاحة. لكن، هذا النموذج، لا يعني أن الناخب الواقعي يمتلك دائما معلومات كاملة أو أن اختياره يخضع لحساب اقتصادي مجرد.

ونحن، بدورنا، نرى أن التفضيل الانتخابي أقرب إلى عملية تركيبية تتداخل فيها عدة عناصر: المصلحة، الانتماء، الثقة، التجربة السابقة، القرب الاجتماعي، صورة المرشح، الهوية المحلية، القدرة على التواصل والانطباع الناتج عن الحملة، فضلا عن تقييم السياسات العمومية السابقة.

ولهذا، نفضل الحديث عن فاعل تواصلي سوسيولوجي للسلوك الانتخابي، بدلا من وضع الناخب داخل خانات مغلقة. فقد يكون الاختيار في لحظة معينة عقلانيا من وجهة نظر الناخب، وعاطفيا في جزء منه، ثم هوياتيا في جزء آخر أو نفعيا في جزء ثالث. وقد يصوت المواطن لمرشح لأنه يقتنع ببرنامجه، ولكنه في الوقت نفسه يتأثر بقربه الاجتماعي أو بسمعته المحلية أو بتجربة سابقة معه.

وبذلك، يصبح السؤال العلمي أكثر دقة حين نطرح السؤال: ما مجموع العوامل التي اجتمعت في لحظة انتخابية محددة وجعلت هذا المواطن يفضل هذا الحزب (أ) عن الحزب الآخر (ب)؟

في هذا الإطار، يمكن الاستفادة أيضا من أعمال بورديو حول “الهابيتوس” والرأسمال الرمزي والسياسي، لأن الاختيارات الفردية لا تتشكل في فراغ، وإنما داخل مسارات اجتماعية وتجارب متراكمة تحدد ما يبدو للفرد طبيعيا ومقنعا وقابلا للتصديق. كما أن قوة المرشح ترتبط بما يقدمه من أفكار من جهة ثم بدرجات قدراته على تحويل موارده الاجتماعية والرمزية إلى اعتراف سياسي. وتظل هذه المقاربة منسجمة مع تحليل بورديو للتمثيل السياسي باعتباره مجالا تتفاوت داخله القدرة على إنتاج الخطاب السياسي والحصول على الاعتراف به من خلاله.

ثالثا: الناخب والسياق: قراءة جديدة في محددات التصويت بالمغرب

نعتقد أن أهم تحول منهجي في دراسة الانتخابات المغربية يتمثل في الانتقال من البحث عن تفسير واحد للسلوك الانتخابي إلى دراسة السياق الذي ينتج داخله هذا السلوك. فالناخب لا يدخل المعزل الانتخابي بوصفه فردا مجردا، وإنما يدخل إليه محملا بذاكرة اجتماعية وتجارب سياسية وعلاقات مهنية وأسرية ومحلية ثم بصور ذهنية عن كل الأحزاب ومختلف المرشحين.

تبعا لذلك، نعتقد أيضا بأن سوسيولوجيا الانتخابات، كحقل معرفي، مطالبة اليوم بالجمع بين المستوى الشمولي، الذي يدرس الأحزاب والمؤسسات والنظام الانتخابي والتحولات السياسية، والمستوى الجزئي، الذي يدرس المواطن وعلاقاته وتمثلاته ودوافعه اليومية. كما ينبغي إدماج المستوى الوسيط بين المستويين والمتعلق بالشبكات الاجتماعية والجمعيات والفاعلين المحليين والأعيان وشبكات التواصل الرقمي.

وبالعودة إلى التجربة المغربية الحديثة، نجدها تكشف أهمية هذا المنظور. فقد لاحظ المجلس الوطني لحقوق الإنسان، في مراقبته للتواصل الانتخابي عبر شبكات التواصل سنة 2021، تفاوتا بين الأحزاب في حضورها الرقمي، كما سجلت دراسة ميدانية حول جهة فاس-مكناس أن أثر التواصل السياسي عبر الشبكات الاجتماعية على السلوك الانتخابي لم يكن بالضرورة حاسما، وهو ما يعني أن امتلاك أدوات التواصل الرقمي لا يؤدي آليا إلى تغيير تفضيلات الناخبين واختياراتهم.

ومن ثم، فإننا لا ينبغي أن نبالغ في تفسير الانتخابات من خلال التكنولوجيا وحدها (أو الرقمنة عامة)، كما لا ينبغي أن نقلل من أهميتها. فالشبكات الاجتماعية تعيد تشكيل فضاء الحملة، لكنها لا تلغي تأثير العلاقات الاجتماعية والثقة والتجربة والبيئة المحلية. إنها تضيف طبقة جديدة إلى العملية الانتخابية، ولا تستبدل بالضرورة البنية الاجتماعية التي تنتج شروط الاختيار والتفضيل.

ختاما، يمكننا القول بأن الحملة الانتخابية المغربية تمثل مجالا خصبا لفهم العلاقة بين السياسة والمجتمع، لأنها تكشف في لحظة واحدة كيف تتفاعل الصورة مع الفكرة والرمز مع البرنامج والمصلحة مع الهوية ثم العاطفة مع الحساب العقلاني.

وفي هذا الإطار، نرى بأن التحدي الأساسي لا يكمن في القضاء على البعد الرمزي في الحملات الانتخابية، فهذا غير ممكن ولا مرغوب فيه؛ وإنما، في منع تحوله إلى بديل عن السياسة البرامجية. فالحملة ذات القيمة الديمقراطية ليست التي تتخلى عن الصورة، وإنما التي تجعل الصورة مدخلا إلى الرسالة، والرسالة مدخلا إلى البرنامج، والبرنامج أساسا للمساءلة بعد الانتخابات. كما أن الناخب المغربي لا يمكن تفسير، تفضيلاته واختياراته، من خلال ثنائية مبسطة بين العقل والعاطفة؛ فهو فاعل اجتماعي مركب، تتقاطع في قراره المصالح والتمثلات والهويات والعلاقات والتجارب والثقة. ومن هنا، تصبح سوسيولوجيا الانتخابات مطالبة بدراسة الناخب داخل سياقه الفعلي، الواقعي والعملي، وليس باعتباره رقما انتخابيا فقط.

وبهذا المعنى، فإن دراسة الحملة الانتخابية المغربية تفترض طرح الأسئلة الآتية بشكل جدي وأعمق: كيف تصنع الحملات التفضيلات الانتخابية؟ وكيف تتحول هذه التفضيلات إلى تمثيل سياسي؟ وما الذي يجعل بعض الرسائل والرموز والمرشحين أكثر قدرة على إنتاج الثقة والقبول من غيرهم؟

إن الانتقال من دراسة “نتائج الانتخابات” إلى دراسة “اجتماع الانتخابات” هو، في نظرنا، أحد المداخل الأساسية لبناء سوسيولوجيا مغربية أكثر قدرة على تفسير التحولات التي يعرفها السلوك الانتخابي بصفة خاصة والتمثيل السياسي بصفة عامة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *