العقل الفقهي وحدود الاستشراف بين الواقع والوهم
إن العقل الفقهي لا ينهض حين يوسّع دائرة التخيل، بل حين يضيّق مساحة الوهم ويعيد أدواته إلى مجالها الطبيعي: الواقع حين يتكوّن، لا المستقبل حين يُتخيّل. فالفقه لا يعمل في الفراغ، ولا يشتغل على الحوادث قبل وجود أسبابها، بل يتحرك حين تبدأ العلل في الظهور، وحين تتشكّل الاتجاهات الأولى التي تمنح الحدث ملامحه. ولهذا كان الإمام مالك يقول في النازلة: «دعها حتى تقع»؛ لا لأن الفقه ينتظر الكارثة، بل لأن الحكم لا يُبنى على الغيب، ولا على الاحتمالات التي لا سند لها في الأرض. فالعقل الذي يشتغل على ما لم يقع بعد، ولم تتكوّن مقدماته بعد، هو عقلٌ يضاعف مساحة الوهم ويقلّص مساحة العلم.
لقد اشتغلتُ في عدة نصوص على مفهوم قراءة الواقع، وفي نقد الإمام الذي لا يقرأ الواقع، بوصفه محاولة لإعادة العقل الفقهي إلى مكانه الطبيعي: فهم ما يجري، لا تخيّل ما قد يجري. فالواقع لا يُقرأ بالحدس، ولا بالاستشراف الغيبي، بل بتحليل المقدمات حين تظهر، والاتجاهات حين تتكوّن، والعلل حين تبدأ في العمل. ومن هنا جاء مفهوم عامل وقع الفتوى الذي قدّمته، بوصفه أداةً منهجية تضبط أثر الحكم قبل صدوره، لا بوصفه محاولة لاستشراف الحوادث قبل وجود أسبابها.
فعامل الوقع لا يشتغل على المستقبل بوصفه غيباً، بل بوصفه نتيجةً مباشرة لفعلٍ حاضر. إنه ينظر إلى الفتوى باعتبارها فعلاً اجتماعياً قد يصنع النازلة أو يمنعها، لا باعتبارها مجرد جوابٍ على سؤالٍ فردي. ومن هنا فإن ضبط أثر الفتوى أهمّ من تخيّل الحوادث، لأن الفتوى قد تكون هي نفسها سبباً في صناعة ما يُراد اتقاؤه. أما الغوص في استشراف الحوادث قبل وجود مقدماتها فهو خروجٌ من العقل إلى الخيال، ومن الفقه إلى السرد، ومن قراءة الواقع إلى صناعة عالمٍ افتراضي لا علاقة له بالعلم ولا بالاجتهاد.
فالاستشراف الحقيقي ليس تخيّلاً، بل تحليلٌ للمقدمات حين تظهر، وللاتجاهات حين تتكوّن، وللمآلات حين تصبح قابلة للقياس. أما الاستشراف الذي يتجاوز الواقع إلى ما لا وجود له فهو تهويمٌ فكري لا ينتج إلا تنظيراً يجرّ الخطاب إلى متاهات لا تنتهي. إن الفقه لا يصنع المستقبل بالتنبؤ، بل بصناعة شروطه في الحاضر، ولا يضبط المآلات بتخيّلها، بل بضبط أثر الأفعال التي تُنتجها.
وهكذا يتبيّن أن النهضة لا تُبنى بتخيّل النازلة قبل وجود علتها، بل بفهم أثر الفعل قبل وقوع أثره. ولا تُبنى بتوسيع دائرة الاحتمالات، بل بتقليص مساحة الوهم. ولا تُبنى بكثرة الكلام عن المستقبل، بل بامتلاك أدوات قراءة الواقع حين يتشكّل. إن العقل الذي يشتغل في الزمن الخطأ هو عقلٌ يضاعف الأزمة، أما العقل الذي يشتغل في لحظة تشكّل المقدمات فهو الذي يصنع المستقبل.
ومن هنا فإن إعادة بناء العلاقة بين الفقه والواقع تبدأ من هذا الأساس:
الفقه يشتغل على ما له وجود،
والاستشراف يشتغل على ما له مقدمات،
وعامل الوقع يشتغل على أثر الفتوى.
إن نهضة العقل تبدأ حين يعود إلى هذا الميزان: قراءة الواقع حين يتكوّن لا حين يُتخيّل، وصناعة المآلات من داخل الحاضر لا من خارج الزمن.
اترك تعليقاً