غياب البرامج الانتخابية: أفول الأفكار السياسية أمام الخوارزميات
لا يمكن تجاهل الغياب الصارخ الذي تعيشه الساحة الانتخابية اليوم، ولا الفراغ السياسي الذي أضحى يميز الساحة السياسية المغربية، ولا كذلك الغياب الفاضح للبرامج الانتخابية للأحزاب السياسية المغربية، خاصة ونحن الآن على بعد أيام معدودة من الاقتراع المزمع يوم 23 شتنبر 2026. وهذا ما يجعلنا أمام معضلة سياسية بامتياز، فالحملة الانتخابية بالفعل انطلقت، لكن الزمن المتاح للتأسيس لحملة انتخابية تهدف لإقناع الناخب المغربي تم استثماره واستنفاذه في أمر مختلف تمامًا.
إن المغرب اليوم أضحى أمام مفارقة سياسية غريبة، قررت فيها الأحزاب السياسية ذات المقدرات المالية الكبرى التخلي عن الحملات الانتخابية بشكلها المعهود وبمعناها الكلاسيكي. هذا الواقع يستدعي طرح تساؤل حول البرامج الانتخابية المقدَّمة، إن وُجدت فعليًا؟ وعلى أي أساس يتم تشكيل وبناء هذه البرامج التي من المفترض مناقشتها مع الناخب المغربي قبل أن يُطالَب بحسم اختياره؟
يبدو أن العبقرية السياسية للأحزاب المغربية الكبرى والمرشحة للمراتب الأولى جعلتهم يصلون إلى استنتاج خطير: لماذا علينا تطوير برامج انتخابية ما دام لدينا المقدرات المالية الكافية وprompt فعّال يمكّننا من التوجه إلى الفضاءات الرقمية ومخاطبة المواطن من خلال إعلانات موجهة تؤثر في مواقفه وتوجهاته، بدل صياغة برامج انتخابية عامة مبنية على التوجهات والخلفيات السياسية والفكرية لكل حزب ومواقفه من القضايا الوطنية والدولية؟
من حيث المبدأ والنظرية، فإن الانتخابات حسب علم السياسة يُفترض أن تقوم بجمع التفضيلات، وتنظيم النقاش العمومي العقلاني النقدي حسب ما يصفه هابرماس، ومنح الناخب القدرة على الفهم المستنير للبرامج الانتخابية المطروحة كما سمّاه روبرت دال. وهذا يعني أن وظيفة الأحزاب السياسية هي إثارة النقاش العمومي من خلال الاختلاف العلني حول أمور ملموسة وقضايا يعيشها ويعاني منها المواطن.
لكن في السياق المغربي، فإن الأحزاب استوعبت أن هذه النقاشات والتصادمات الفكرية مجالات محفوفة بالمخاطر ومكلفة، بحيث إن هامش الخطأ كبير وإمكانية فقدان ثقة الناخب احتمال جدّ وارد. وعليه، توصلت الأحزاب إلى التخلي عن هذه الوظيفة الأساسية بمجملها، لكونها أحزابًا غير قادرة على تحمّل مخاطر التصادم الفكري الحقيقي، بل اكتفت بالدفاع عن صورتها الإعلامية من خلال تلميعها على وسائل التواصل الاجتماعي، وإبراز فكرة أنها “تشتغل”وتعمل على إظهار أنها على مقربة من مشاكل وهموم المواطن، دون أن يكون هذا مصحوبًا بنتائج ملموسة ولا حتى بلقاءات فعلية.
بل أصبحنا اليوم أمام نخب حزبية تتهافت على التقاط الصور التي سيتم لاحقًا استعمالها لتصميم إعلانات خاصة موجَّهة بخوارزميات الذكاء الاصطناعي، تستهدف فئات معينة اعتبرها الذكاء الاصطناعي فئات يمكن التأثير فيها من خلال هذه الإعلانات الموجهة.
وهنا وجب التذكير بفضيحة “كامبريدج أناليتيكا”التي انفجرت سنة 2016، والتي تم فيها استغلال مخاوف المواطنين وهواجسهم في الغرب لتوجيه مواقفهم السياسية ودفعهم نحو اتخاذ مجموعة من الخطوات والقرارات التي أثرت في الانتخابات الرئاسية الأمريكية والبريكسيت البريطاني. والمغرب ليس بمعزل عن هذا المنطق، وإن كان بشكل أقل حدة وتطورًا من حيث التقنيات؛ فقد أنفق حزب التجمع الوطني للأحرار، حسب بيانات الشفافية الرسمية التابعة لمنصة فيسبوك، خلال الانتخابات التشريعية الفارطة لسنة 2021، مبلغًا يفوق 270 ألف دولار على مدى ستة أشهر بغية بناء دعاية رقمية على منصتَي فيسبوك وإنستغرام، بمعدل أسبوعي بلغ 34 ألف دولار خلال فترة الحملة، وهو مبلغ يمثّل أضعاف ما أنفقته أقرب الأحزاب المنافسة له بمراحل. هذا المبلغ وحجم الإنفاق وحدهما كفيلان بطرح سؤال حول العنصر الذي حسم الحملة الانتخابية لسنة 2021: البرامج الانتخابية أم الميزانية الإعلانية؟ وإن كانت هذه الظاهرة قد اتخذت شكلًا بدائيًا خلال فترة 2021، فالسؤال اليوم هو حول أثر الذكاء الاصطناعي التوليدي كأداة يمكن توظيفها في الصراعات السياسية الحالية، إضافة إلى قدرته الفائقة على تخصيص محتوى دقيق وذي نطاق تأثير أوسع.
ويجب الوقوف عند نقطة بالغة الأهمية لها علاقة بحقل سوسيولوجيا الانتخابات، وهي أنه عند توقف الأحزاب الغنية عن التنافس من خلال عرض أفكارها، فإنها تنتقل إلى ضخّ أموال مهولة لدى شركات الإعلانات وتوجيه الرأي العام من خلال صناعة إعلانات موجهة وقادرة على استهداف الفئات القابلة للتأثر بها عبر خوارزميات الذكاء الاصطناعي. الشيء الذي يقود الحزب إلى دفع الناخب إلى التصويت من خلال إثارة الانتباه ومخاطبة مخاوفه بدل إقناعه ومخاطبة عقله. فالتصويت هنا تصبح نتائجه ذات طبيعة عملية رقمية خالصة.
معضلة توظيف الذكاء الاصطناعي: التأثير الخفي على شفافية الانتخابات
اللافت في السياق المغربي أن خطاب الأحزاب حول رقمنة حملاتها يُقدَّم غالبًا كخطوة إيجابية صرفة، وهو أمر لا غبار عليه من حيث تسهيل الولوج وتوفير البنية التحتية اللوجستية لتسهيل العملية الانتخابية والاقتراع. لكن هناك خلط خطير تمارسه الأحزاب نفسها بين رقمنة الإدارة الانتخابية وتوظيف الذكاء الاصطناعي في دعايتها وحملاتها، وهما أمران يختلفان من حيث الجوهر في تأثيرهما على الاستحقاق ونزاهته.
فبقدر ما تُظهر التقنية قدرتها على ضمان الشفافية على مستوى التدبير، تستغل الأحزاب في المقابل غياب أي التزام طوعي منها بالإفصاح عن توظيفها لخوارزميات الاستهداف أو المحتوى المولَّد آليًا في حملاتها. وقد سبق لخبراء في القانون الإداري التنبيه إلى ضرورة إلزام الفاعلين السياسيين أنفسهم بالإفصاح عمّا إذا كان قد تم استعمال الذكاء الاصطناعي في المحتوى الانتخابي المقدَّم للناخب، وكذا إقرار المسؤولية القانونية عن الأحزاب في الحالات التي يثبت فيها التضليل والتزييف، بل وحتى إمكانية حجب أي محتوى حزبي تم إنتاجه باستعمال خوارزميات غير شفافة.
وغياب هذا الالتزام اليوم، ونحن على أعتاب استحقاق 23 شتنبر، يعني من الناحية العملية أن الناخب عرضة لمحتوى دعائي حزبي تمت برمجته خصيصًا لاستمالة صوته، دون علمه بأن هذا المحتوى مصمَّم خصيصًا لملاءمة توجهاته وتحيزاته، ودون أن تسمح له الأحزاب نفسها بمعرفة مصدر هذا المحتوى أو معايير الاستهداف الخاصة به.
والغريب أن هذا الغموض تحديدًا هو ما يجعل حديث الأحزاب عن الذكاء الاصطناعي وتعزيز الشفافية حديثًا منقوصًا؛ فالشفافية لا تتجلى في قدرة خوارزمياتها على الوصول إلى الناخب، بل في قدرة الناخب والمجتمع المدني على معرفة من تستهدفه هذه الأحزاب، وبأي مضمون، ولأي غاية، وبأي ميزانية. ومادامت الأحزاب نفسها غير مستعدة للخضوع لأي رقابة في هذا المجال الحساس، فإن حديثها عن انتخابات رقمية شفافة يبقى، في أحسن الأحوال، نصف حقيقة.
والمفارقة التي نجد أنفسنا أمامها اليوم هي أنه من الناحية النظرية، لا يُفترض أن تكون المقدرات المالية للحزب هي الأساس الذي تُحسم به الأصوات والانتخابات، بل يُفترض أن يكون التفوق للأفكار والمصداقية والأجندات السياسية الواضحة والمقنعة. لكن عندما نجد أنفسنا أمام أحزاب غير قادرة على إنتاج حتى فكرة بسيطة، تصبح المقدرات المالية للحزب هي العامل الأساس والوحيد الحاسم في الانتخابات، حيث يتم ضخّ أموال مهولة على الإعلانات وحملات التعبئة الإلكترونية. وهنا نصبح أمام نظريات سياسية صحيحة على الورق، غير قادرة على ملاءمة الوضع السياسي المغربي ولا سياقاته. والمشكل هنا لا يكمن في النظريات، بل في الواقع المغربي الذي يعاصر أحزابًا غير قادرة على أداء مهامها بشكل واضح وفعّال، بل وغير واعية بدورها في صناعة المشهد السياسي.
طبعًا، ستُعتبر الانتخابات قانونية، ولن تقوم المحكمة الدستورية بالتشكيك في نجاعتها ونتائجها، لكن في واقع الأمر نحن أمام حملة تسويقية ممنهجة أُلحق بها صندوق اقتراع، وليست انتخابات مبنية على صراع أفكار وبرامج. نحن أمام انتخابات تتنافس فيها الأحزاب الغنية القادرة على التسويق لنفسها بشكل أضخم عبر أدوات الذكاء الاصطناعي، بينما يظل النقاش السياسي الفعلي الذي يحدد الوضع والشكل السياسي لمستقبل البلاد غائبًا، وكأنه أصبح أمرًا متجاوَزًا.
والخطورة هنا أننا نتعامل مع حملات حزبية رقمية ببرامج انتخابية غير واضحة، تتغير بتغيّر الإعلان الإلكتروني المُنجَز والذي يتم نشره بشكل مجهول على وسائل التواصل الاجتماعي، وببرامج انتخابية هلامية تتغير بتغيّر حامل الهاتف وشخصية صاحب البروفايل في الفضاء الرقمي وتحيزاته وهواجسه وأفكاره الخاصة، وهذا إخلال بالأساس الذي تقوم عليه الانتخابات. وهنا، السؤال الذي وجب طرحه ليس فقط: أين البرامج؟ بل: من يملك اليوم، من بين هذه الأحزاب، القدرة على معرفة أي الناخبين رأى الإعلان، وبأي صيغة، وكم مرة؟ ومن الجهة التي تراقب هذه المعادلة قبل أن تتحول نتائج الصندوق إلى نتائج خوارزمية بامتياز؟ والإجابة هنا على سؤال “أين البرامج الانتخابية؟”هي: مرفوقة بالإعلانات والصور، في انتظار جواب واضح من الأحزاب نفسها لا يزال غائبًا.
اترك تعليقاً