انتخابات 2026، سياسة

خريطة حكومية مرتقبة: “البام” أمام سيناريوهات متعددة للأغلبية وحسابات التحالفات تتجاوز الأرقام

تتجه الأنظار، غداة الانتخابات التشريعية التي جرت أمس الأربعاء 23 شتنبر، إلى المشاورات السياسية المرتقبة لتشكيل الحكومة المقبلة، بعدما أفرزت النتائج المؤقتة خريطة برلمانية جديدة تصدرها حزب الأصالة والمعاصرة بـ97 مقعدا، متبوعا بالتجمع الوطني للأحرار بـ66 مقعدا، والاستقلال بـ65 مقعدا، فيما حصل حزب العدالة والتنمية على 54 مقعدا. وتحتاج الأغلبية الحكومية إلى 198 مقعدا على الأقل داخل مجلس النواب الذي يضم 395 عضوا.

ويضع هذا التوزيع حزب الأصالة والمعاصرة، باعتباره الحزب المتصدر للانتخابات، في واجهة المشاورات المرتقبة لتشكيل الأغلبية، في وقت لم تعد فيه الحسابات العددية وحدها كافية لرسم ملامح التحالف المقبل، بعدما بدأت مواقف الأحزاب وقياداتها تتضح بشأن طبيعة المشاركة الحكومية والجهات التي يمكن أن تدخل في تركيبتها.

وفي أحدث موقف صادر عن قيادة “البام”، أكدت فاطمة الزهراء المنصوري، المنسقة الوطنية للقيادة الجماعية للحزب، أن الأصالة والمعاصرة لم يحسم بعد في طبيعة التحالفات التي سيدخلها، مشددة على أن الحزب لا يضع “خطوطا حمراء” أمام أي حزب سياسي، وأن القرار النهائي سيخضع للنقاش داخل المؤسسات الحزبية، بعد تعيين رئيس أو رئيسة الحكومة وفق المقتضيات الدستورية.

وقالت المنصوري، خلال ندوة صحفية أعقبت إعلان النتائج، اليوم الخميس، إن التحالفات لا يقررها فريق القيادة الجماعية بمفرده، وإنما ستناقش داخل المكتب السياسي ومؤسسات الحزب، موضحة أن المحدد الأساسي سيكون مدى التقارب في البرامج والمواقف والقدرة على بناء أغلبية منسجمة وقادرة على تنفيذ التزاماتها أمام المواطنين.

وأضافت أن “البام” مستعد للجلوس مع مختلف الأحزاب التي تحترم ثوابت البلاد، وهو ما يفتح، من الناحية السياسية، المجال أمام أكثر من تركيبة ممكنة، بما فيها إعادة النظر في بعض التحالفات التي بدت قبل الانتخابات أكثر تعقيدا بفعل مواقف سابقة وتوترات طبعت العلاقة بين عدد من مكونات الأغلبية المنتهية ولايتها.

ويأتي هذا الموقف الجديد في سياق تصريحات سابقة لمحمد المهدي بنسعيد، أحد أبرز قيادات الحزب، كان قد شدد فيها قبل الانتخابات على ضرورة أن تراعي الحكومة المقبلة الانسجام بين مكوناتها، مع رفضه لحكومات تضم خمسة أو ستة أحزاب.

وقال في حوار مع جريدة “العمق” إن السياق والظرفية السياسية سيكونان حاسمين في تحديد مآل التركيبات الحكومية، مؤكدا أن عدد الأحزاب المشاركة في الحكومة ليس هو “جوهر النقاش”، بقدر ما تقتضي المرحلة ضمان الانسجام والاستجابة لانتظارات المواطنين.

وبالعودة إلى الحسابات التي أفرزتها النتائج المعلنة، يبرز أولا سيناريو يجمع الأصالة والمعاصرة والاستقلال والحركة الشعبية والاتحاد الدستوري، وهي أحزاب تتوفر مجتمعة على 208 مقاعد، أي بأغلبية تفوق العتبة المطلوبة بـ10 مقاعد. وتتميز هذه الصيغة بإمكانية تشكيل أغلبية من أربعة مكونات فقط، من دون الحاجة إلى إضافة حزب خامس.

وتبرز كذلك صيغة ثانية تجمع الأصالة والمعاصرة والاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتقدم والاشتراكية، بمجموع 207 مقاعد، أي بفارق تسعة مقاعد عن العتبة المطلوبة. غير أن هذه التركيبة تتكون من خمسة أحزاب، ما يجعلها مرتبطة بدرجة الانسجام السياسي بين مكوناتها، في ضوء المواقف السابقة التي عبر عنها عدد من قيادات “البام” بشأن ضرورة تفادي حكومات متعددة الأحزاب بشكل مفرط.

أما السيناريو الثالث، فيجمع الأصالة والمعاصرة والاستقلال والحركة الشعبية والحركة الديمقراطية الاجتماعية، بمجموع 199 مقعدا، أي بفارق مقعد واحد فقط عن عتبة الأغلبية. ويمنح هذا الخيار، من الناحية الحسابية، العدد المطلوب لتشكيل الأغلبية، لكنه يترك هامشا ضيقا للغاية بين عدد المقاعد المحصل عليها والعتبة المطلوبة.

وفي المقابل، يظل السيناريو الذي يجمع الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار والاستقلال من أبرز التركيبات الممكنة حسابيا، إذ تصل حصيلته إلى 228 مقعدا، أي بأغلبية تفوق العتبة المطلوبة بـ30 مقعدا، ما يجعله من بين أكثر السيناريوهات اتساعا من حيث الهامش البرلماني.

غير أن هذا الخيار يطرح أيضا معطى سياسيا خاصا، بالنظر إلى طبيعة العلاقة التي جمعت “البام” و”الأحرار” خلال الولاية الحكومية السابقة، والتجاذبات التي طبعت العلاقة بين الحزبين خلال الفترة الأخيرة، إضافة إلى مواقف سابقة للمنصوري بشأن إمكانية التحالف مع التجمع الوطني للأحرار في حال تصدره الانتخابات.

وكانت المنصوري قد عبرت، قبل الاستحقاق الانتخابي، عن موقف شخصي رافض لتجديد التحالف مع “الأحرار” في حال تصدر الأخير النتائج، مع تأكيدها أن قرار التحالفات يعود إلى المؤسسات الحزبية. غير أن موقفها الذي عبرت عنه اليوم بعد صدور النتائج جاء أكثر انفتاحا، بعدما أكدت أن “البام” لا يضع خطوطا حمراء على أي حزب، وأن البرامج والمواقف والقدرة على بناء أغلبية منسجمة ستكون محددات المشاورات.

ويعني ذلك أن الحسابات السياسية المرتبطة بعلاقة الحزبين لا يمكن فصلها عن الموقف المؤسساتي الجديد الذي أعلنته قيادة “البام”، في انتظار ما ستفرزه المشاورات الرسمية وما ستقرره المؤسسات الحزبية المعنية.

وفي المقابل، يبرز تحالف محتمل بين الأصالة والمعاصرة والاستقلال والعدالة والتنمية بمجموع 216 مقعدا، أي بفارق 18 مقعدا عن عتبة الأغلبية. غير أن هذا السيناريو يواجه، في الوقت الراهن، موقفا معلنا من قيادة “البيجيدي” يجعل إمكانية تحققه مرتبطة أولا بتغيير أو حسم الموقف المؤسساتي للحزب.

فعبد الإله بنكيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، أعلن عقب اجتماع الأمانة العامة للحزب، اليوم الخميس، أن قناعته الشخصية تتجه إلى عدم مشاركة “البيجيدي” في حكومة يقودها الأصالة والمعاصرة، مع إحالة القرار النهائي إلى المجلس الوطني للحزب.

وقال بنكيران إنه “ليس من شأن العدالة والتنمية أن يشارك” في حكومة يترأسها الأصالة والمعاصرة، معتبرا أن موقع الحزب في المرحلة المقبلة ينبغي أن يكون في المعارضة، ومؤكدا أن المجلس الوطني هو المؤسسة المخولة للحسم النهائي في هذا الموضوع.

وبذلك، فإن سيناريو التحالف الثلاثي بين “البام” والاستقلال و”البيجيدي”، رغم توفره على 216 مقعدا حسابيا، لا يبدو في وضع سياسي مماثل لباقي التركيبات المطروحة، ما دام الموقف المعلن من قيادة العدالة والتنمية يتجه نحو عدم المشاركة في حكومة يقودها الأصالة والمعاصرة، في انتظار القرار المؤسساتي النهائي للحزب.

ويعني مجموع هذه المعطيات أن أمام حزب الأصالة والمعاصرة عدة خيارات عددية لتأمين الأغلبية، لكن ليس جميعها تقف على الدرجة نفسها من الناحية السياسية. فبعضها يحتاج إلى 4 أحزاب، وبعضها إلى 5، بينما يتيح تحالف “البام” والأحرار والاستقلال أغلبية من 3 مكونات بـ228 مقعدا، في حين يبقى خيار التحالف مع العدالة والتنمية مرتبطا بموقف واضح أعلن بنكيران أن قناعته الشخصية تتجه إلى رفضه.

ولا تقتصر الحسابات على عدد المقاعد، إذ إن تصريحات المنصوري الجديدة أعادت ترتيب النقاش السياسي حول التحالفات، بعدما أكدت أن الحزب لا يضع خطوطا حمراء أمام أي طرف، وأن المشاورات ستبنى على التقارب في البرامج والمواقف والقدرة على العمل داخل أغلبية منسجمة.

وفي هذا السياق، وضعت المنصوري ضمن أولويات المرحلة المقبلة ملفات القدرة الشرائية والشباب وتقليص الفوارق المجالية، معتبرة أن الحكومة المقبلة مطالبة بإعادة الاعتبار للتواصل والحوار والتشاور، فيما رفضت تقديم لائحة نهائية للإجراءات التي يمكن أن يعتمدها الحزب خلال المائة يوم الأولى، على اعتبار أن البرنامج الحكومي سيكون نتيجة مشاورات بين مكونات الأغلبية المقبلة.

كما اعتبرت أن تجربة الحكومة المنتهية ولايتها لا يمكن وصفها بالناجحة أو الفاشلة بشكل مطلق، مشيرة إلى أنها عرفت نجاحات كما سجلت اختلالات، ومحددة التواصل مع المواطنين باعتباره أحد أوجه القصور التي ينبغي تجاوزها في المرحلة المقبلة.

وفي الجهة المقابلة، فإن اختيار العدالة والتنمية موقع المعارضة، إذا ما صادق عليه المجلس الوطني للحزب، سيعيد رسم موازين القوى داخل البرلمان، خصوصا أن الحزب انتقل من 13 مقعدا في انتخابات 2021 إلى 54 مقعدا في الاستحقاق الحالي، وفق النتائج المؤقتة المعلنة.

وأكد بنكيران أن قناعته تتجه نحو استمرار حزبه في المعارضة، معتبرا أن “المعركة السياسية” لم تنته، وأن الحزب سيواصل أداء دوره من داخل المؤسسات، فيما يبقى القرار النهائي بشأن المشاركة في الحكومة من اختصاص المجلس الوطني.

وهكذا، تضع نتائج انتخابات 23 شتنبر حزب الأصالة والمعاصرة أمام أكثر من مسار لتشكيل الأغلبية، أبرزها تحالف من أربعة أحزاب يوفر 208 مقاعد، وآخر من خمسة أحزاب يوفر 207 مقاعد، وتركيبة من خمسة مكونات لا تتجاوز 199 مقعدا، إلى جانب تحالف ثلاثي مع التجمع الوطني للأحرار والاستقلال يصل إلى 228 مقعدا.

لكن هذه الأرقام تظل، في هذه المرحلة، مجرد تركيبات حسابية لا ترقى إلى مستوى التحالفات السياسية الفعلية، في انتظار تعيين رئيس الحكومة وبدء المشاورات الرسمية، وما ستسفر عنه من مواقف وقرارات تصدر عن المؤسسات المخولة داخل كل حزب.

وبينما فتح “البام” الباب أمام مختلف الاحتمالات بإعلانه عدم وجود خطوط حمراء في التحالفات، يبدو حزب العدالة والتنمية متجها، وفق الموقف الذي عبر عنه أمينه العام، نحو موقع المعارضة، لتبقى بقية الأحزاب أمام اختبار المشاورات المقبلة، حيث ستتقاطع الحسابات العددية مع البرامج والمواقف السياسية وطبيعة الأغلبية التي ستشكل الحكومة المقبلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *