قراءة في نتائج الانتخابات التشريعية لـ 23 شتنبر 2026 ومستقبل التحالف الحكومي
بعد أن تم الإعلان عن النتائج النهائية للانتخابات التشريعية لـ 23 شتنبر 2026، وفي ضوء المتغيرات التي طالت موازين القوى وأعادت ترتيبها بين مكونات المشهد الحزبي ولو بشكل نسبي، يمكن القول أن الرابح الأكبر في هذه الاستحقاقات التشريعية يبقى هو حزب العدالة والتنمية، الذي رفع من تواجده وحسن من تمثيليته السياسية داخل مؤسسة البرلمان، وذلك بانتقاله من مجموعة نيابية (13 مقعدا) في انتخابات2021 إلى فريق برلماني بـ (54 مقعدا)، بنواب تدرجت أكثريتهم داخل هياكل الحزب وتنظيماته الموازية، أي أنهم ينتمون مبدئيا، ووجدانيا، وأخلاقيا وسياسيا للحزب المعني ويدافعون عن أيديولوجيته ويؤمنون بأطروحته وبمبادئه السياسية، هذا أخذا بعين الاعتبار أنه الحزب الوحيد الذي لم يتأثر بظاهرة الترحال السياسي التي سبقت منح التزكيات للترشح برسم الاستحقاقات التشريعية 2026، كما أنها (أي التزكيات) لم تثر أية ردود أفعال غاضبة من داخل حزب العدالة والتنمية، فيما يعتبر حزب التجمع الوطني للأحرار الخاسر الأكبر في هذه الانتخابات وذلك بفقدانه عدد كبير من المقاعد السابقة، حيث (انتقل من 102 إلى 66 أي بخسران 36 مقعدا نيابيا)، بل حتى المقاعد البرلمانية، التي فاز بها حزب التجمع الوطني للأحرار، كانت بفضل نواب غالبيتهم لا تربطهم أية علاقة تنظيمية أو مبدئية بالحزب، لأنهم في أغلبيتهم نواب رُحل من أحزاب سياسية أخرى أو تم استقطابهم حديثا من قطاع الأعمال والاقتصاد ولا يتوفرون على مسار نضالي متدرج داخل هياكل الحزب. ونفس الأمر لحزب الأصالة والمعاصرة، إذ بالرغم من كونه حقق تفوقا بعد حصوله على 97 مقعدا (بإضافة 10 مقاعد)، فهو الآخر بدوره يفتقر لنواب تربطهم علاقة تنظيمية وسياسية بالحزب، بل نحن أمام نواب يضعون مصلحتهم الشخصية في مرتبة أعلى من مصلحة الحزب كتنظيم سياسي دائم ومستمر ومستدام، وهي مؤشرات لا تخدم مصلحة الحزبين لا في الحاضر السياسي ولا في الاستحقاقات المستقبلية.
أما بالنسبة لحزب الاستقلال، فبالرغم من حصوله على المركز الثالث بـ 65 مقعدا، وبالرغم من كونه سجل تراجعا بـ 16 مقعدا، بالمقارنة مع انتخابات 2021، إلا أنه يعيش ظاهريا من الناحية التنظيمية والداخلية وضعا متماسكا ومريحا، بالمقارنة مع حزبي التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة نفسه، وهو وضع يجعل حزب الاستقلال مؤهلا على الاستمرار والتأثير في المشهد السياسي حاضرا ومستقبلا، كما يبقى مرشحا بشكل كبير لضمان التوازن الحكومي، لأنه له من المقاعد البرلمانية ما يجعله يدخل في المشاورات والمفاوضات من أجل الدخول للأغلبية الحكومية التي سيقودها حزب الأصالة والمعاصرة.
أما حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، فيبدو من خلال النتائج المحصل عليها، أنه حزب بدأ فقد جاذبيته ونفوذه داخل المجتمع منذ سنوات وهو محصلة طبيعية للوضع الداخلي والتنظيمي الذي يعيشه الحزب على الأقل منذ اعادة تمديد ولاية كاتبه الأول لمرات متتالية، فضلا عن الانتقادات التي طالت طريقة تدبيره للتزكيات بالترشح في الانتخابات التشريعية الحالية، كلها مؤشرات جعلته يتراجع للمركز السادس بـ 26 مقعدا، أي بخسارة 8 مقاعد، بالمقارنة مع انتخابات 2021. وهذا المركز المتأخر يجعله فاقدا للتأثير في المشهد السياسي حاضرا ومستقبلا، بيد أنه من غير المستعبد جريا على عادته أن تكون له رغبة جامحة للتواجد في الأغلبية الحكومية ولو بوزراء قليلون، لأنه حزب “فاقد للهوية السياسية”، التي تتميز بها عادة الأحزاب ذات المرجعية اليسارية، ورغم تواضع النتائج التي حصل عليها الاتحادالاشتراكي للقوات الشعبية، فإنه في حالة ذهابه للمعارضة بشكل اضراري لا اختياري، فإنه من المرجح، بل من المؤكد أنه ستكون له رغبة في استعادة توازنه وجاذبيته السياسية، وهو ما قد يدفعه للتنسيق مع الأحزاب ذات المرجعية اليسارية (تحالف اليسار الذي رفع من رصيده إلى 8 مقاعد، إضافة لحزب التقدم والاشتراكية، في حالة ذهابه سواء اختياريا أو اضراريا للمعارضة، لأنه لا يتوفر على النصاب القانوني لتكوين فريق نيابي، الذي يجب أن لا يقل عن 20 عضوا، طبقا للمادة 40 من النظام الداخلي لمجلس النواب). وبالتالي، فهذا التنسيق في حالة تحققه، فإن حزب الوردة ستكون له مطامع واضحة لقيادته مؤسساتيا من داخل قبة البرلمان، بالرغم من كونه يبقى تنسيقا ظرفيا، ومجد مستبعد من ناحية الاختيارات السياسية للأحزاب المعنية، وبشكل كبير من قبل تحالف اليسار، الذي يرى في نفسه الامتداد الوحيد والحقيقي حاليا للمشروع اليساري بالمغرب الذي يتبنى خيار المشاركة السياسية ويطالب بالتغيير والإصلاح من داخل المؤسسات الدستورية المنتخبة، ومن جانبه قد يرفض حزب التقدم والاشتراكية، أية محاولة من الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية للاستفراد بقيادة “التحالف اليساري” من داخل مؤسسة البرلمان وتوظيفه واستثماره سياسيا لحساب ومصلحته (أقصد حزب الاتحاد الاشتراكي للقواتالشعبية)، لكن في حالة ما تحقق هذا التنسيق بين الأحزاب السياسية ذات التوجه اليساري في المعارضة البرلمانية، فمن شأنه أن يعيد لهذه الأحزاب تأثيرها السياسي ولو نسبيا في ظل الفترة الانتدابية الحالية، بالشكل الذي يضفي عليها نوعا من الجاذبية الجديدة ويؤهلها لعب دور مؤثر مستقبلا، كما فعل حزب العدالة والتنمية في الولاية البرلمانية المنتهية ولايتها.
أما حزبي الحركة الشعبية والاتحاد الدستوري، فهما حزبان ارتبط اسمهما تاريخيا وعلى مر جميع التجارب الحكومية السابقة، بكونهما حزبان ضامنان للتوازنات السياسية ومكملان للتحالفات الحكومية، بحيث تتم المناداة عليهما من أجل استكمال النصاب القانوني لتأليف وتشكيل الحكومة الجديدة، في حالة ما وجد الحزب الذي حل في المرتبة الأولى صعوبات في ايجاد أغلبية عددية مريحة. وبالتالي، فتواجدها في التشكيلة الحكومية المقبلة يبقى أمرا واردا وممكنا، وقد تفرضه معيطات سياقية وظرفية، خاصة في حالة رغبة حزب الأصالة والمعاصرة عدم التحالف مع حزب التجمع الوطني للأحرار، أو في حالة رفض الأخير العمل المشترك مع الأصالة والمعاصرة، ففي هذه الحالة تبقى احتمالية تواجد الحركة الشعبية والاتحاد الدستوري في الحكومة مرجحة وقائمة. أما في حالة ذهابهما للمعارضة مضطرين، فإن دورهما لن يخرج عن لعب دور المعارضة الناصحة أو المساندة النقدية كما فعل حزب الاتحاد الدستوري في الولاية البرلمانية المنتهية.
لكن السؤال الكبير الذي يصعب التكهن بجوابه حاليا، فهو يرتبط بمصير حزب التجمع الوطني للأحرار بمناسبة تشكيل الحكومة المقبلة، فإذا كانت المؤشرات توحي بأن حظه من التصويت كان عقابيا واستفاد منه بشكل أساسي ورئيسي حزب العدالة والتنمية، الذي سيرفض في تقديري الشخصي بشكل مبدئي واختياري، العمل المشترك مع حزب الأصالة والمعاصرة من داخل الأغلبية الحكومية، فالسؤال هو هل سيلتقط التجمع الوطني للأحرار إشارة الناخبين، ويذهب بشكل تلقائي لصف المعارضة البرلمانية، خاصة أن كل المؤشرات التي رافقت الحملة الانتخابية، توحي أنه يستعبد أي تحالف مع حزب الأصالة والمعاصرة، وهي نفس المؤشرات التي أكدها الأخير بدوره، الذي نفى أي تنسيق أو تحالف مستقبلي مع حزب التجمع الوطني للأحرار، وإن كانت هذه المؤشرات عادية في الظرفية السياسية التي تسبق عادة نتائج الاقتراع، فإنه ليس هناك ما يمنع أن يستمر حزب التجمع الوطني للأحرار في التشكيلة الحكومية تحت قيادة حزب الأصالة والمعاصرة، والتجارب الحكومية السابقة تكشف بأن التدافع السياسي الذي تعرفه الحملة الانتخابية بين مختلف الأحزاب السياسية، لا يعني بالضرورة عدم تصور تحالف بينهما.
اترك تعليقاً