بعد 4 سنوات.. تقادم تجهيزات “مدارس الريادة” يربك عمل المؤسسات ومطالب بافتحاص شامل
بعد نحو أربع سنوات على انطلاق تجربة “مدارس الريادة” بالمغرب، بدأت إشكالات مرتبطة بتقادم عدد من التجهيزات التي وضعت رهن إشارة المؤسسات تثير انتقادات وملاحظات داخل أوساط تربوية، في وقت تراهن فيه الوزارة على هذا النموذج لتحسين جودة التعلمات والرفع من أداء المدرسة العمومية.
وقال عدد من الممارسين العاملين بمؤسسات الريادة، في تصريحات متطابقة لجريدة “العمق”، إن عددا من التجهيزات التي تم تسليمها للمؤسسات عند انطلاق التجربة لم تعد تشتغل بالكفاءة نفسها، مشيرين بشكل خاص إلى أجهزة العرض التي أصبح بعضها يعاني من ضعف في جودة الصورة، ما يجعل قراءة المضامين المعروضة صعبة بالنسبة إلى الأساتذة والتلاميذ.
وأوضح المتحدثون أن السبورات التي جرى تجهيز عدد من الأقسام بها بدأت بدورها تفقد جزءا من جودتها بفعل الاستعمال اليومي، فيما لم تعد بعض الحواسيب التي سلمت للمؤسسات عند بداية المشروع في الحالة نفسها التي كانت عليها عند انطلاق التجربة.
وأضاف أساتذة أن استمرار العمل بهذه التجهيزات في وضعيتها الحالية أصبح يشكل عائقا أمام تنزيل بعض الأنشطة والممارسات المرتبطة بنموذج مدارس الريادة، معتبرين أن الوضع بدأ يتحول، بالنسبة إلى بعض العاملين، إلى مصدر إحباط، خصوصا عندما تصبح الوسائل التقنية غير قادرة على أداء الوظيفة التي خصصت لها.
وطالب الممارسون الوزارة الوصية بالتدخل من أجل إجراء افتحاص لحالة التجهيزات بمؤسسات الريادة، وتجديد ما لم يعد صالحا للاستعمال وإصلاح ما يمكن إصلاحه، بما يضمن استمرار المشروع في ظروف ملائمة، لاسيما أن هذه المؤسسات تعتمد بشكل كبير على الوسائل الرقمية والتجهيزات التقنية في تنزيل عدد من الممارسات التعليمية.
وكان وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، محمد سعد برادة، قد أدلى بتصريحات في نونبر 2024 خلال مناقشة ميزانية القطاع بلجنة التعليم والثقافة والاتصال بمجلس النواب. وأكد برادة آنذاك أن تكلفة تجهيز حجرة دراسية ضمن مشروع “مدارس الريادة” لا تتجاوز 15 ألف درهم، موضحا أن تغيير مصباح جهاز العرض داخل الفصول الدراسية، والذي يتم كل سنتين، لا تتجاوز كلفته ألف درهم، معتبرا أن هذه الأرقام تعكس، بحسبه، أن المشروع لا يثقل ميزانية القطاع بشكل كبير.
وفي هذا السياق، كشف الكاتب الوطني للاتحاد الوطني للتعليم، عز الدين أمامي، في تصريح لجريدة “العمق”، عن وجود اختلالات عميقة في تنزيل مشروع “مدارس الريادة”، مطالبا بإجراء افتحاص شامل للمشروع بعد مرور أربع سنوات على انطلاقه، لا يقتصر فقط على فحص حالة التجهيزات التقنية المتقادمة، بل يشمل بشكل دقيق أهداف المشروع وتكلفته ونتائجه ومدى استدامته، وتحديد حاجيات المؤسسات ورأي الأساتذة المطبقين له ميدانيا.
وأوضح المسؤول النقابي، ردا على سؤال للجريدة بخصوص تراجع أداء بعض التجهيزات في وقت تؤكد فيه الوزارة أن تكلفة تغيير مصباح جهاز العرض لا تتجاوز ألف درهم، أن هذا الوضع يؤكد غياب تصور واضح ومتكامل يضمن استدامة المشروع منذ بدايته، مشيرا إلى أن القضية تتجاوز مجرد تغيير مصباح أو صيانة تجهيز معين، لتطرح إشكالا أعمق يتعلق بدورة حياة المشروع بأكمله والتجهيزات المرصودة له.
وأضاف أمامي أن أهداف المشروع النهائية لم تتضح بشكل كاف منذ إطلاقه، كما غابت الرؤية حول المدة الزمنية التي سيستمر خلالها والسيناريو المؤطر لانتقاله من مرحلة إلى أخرى، متسائلا عما إذا كان القطاع أمام مشروع إصلاحي طويل النفس أم مجرد تجربة لسنوات محددة ستنتهي لتستبدل لاحقا بمشروع تربوي آخر، ومشددا على أن أي إصلاح تعليمي يتطلب حسم هذه الأسئلة مبكرا ووضع رؤية واضحة وأهداف قابلة للقياس وآجال محددة وآليات للتقييم.
وأكد المتحدث ذاته أنه لا ينبغي التعامل مع صيانة المعدات باعتبارها مسؤولية ملقاة على عاتق المؤسسة التعليمية وحدها، داعيا إلى وضع خطة واضحة لدورة حياة التجهيزات منذ لحظة اقتنائها، تشمل الصيانة الدورية وتوفير قطع الغيار والتجديد، مع تحديد المسؤوليات المالية والإدارية وآليات التدخل السريع عند تسجيل الأعطاب وتراجع الأداء.
وتابع الكاتب الوطني للاتحاد الوطني للتعليم تفكيكه للموضوع، معتبرا أن المسؤولية يجب أن توزع بوضوح بين الوزارة الوصية بصفتها صاحبة المشروع، والأكاديميات والمديريات كأجهزة للتنزيل والتتبع، والمؤسسات كفضاء للاستعمال اليومي، محذرا بشدة من تحميل الأستاذ مسؤولية تدبير أعطاب أو تكاليف تخرج تماما عن نطاق اختصاصه المهني.
وأشار الفاعل النقابي إلى قضية اعتبرها أعمق من مسألة التجهيزات تتعلق بموقع الأستاذ في مشروع “مدارس الريادة”، مبرزا أن نجاح أي إصلاح لا يتحقق دون إشراك حقيقي للفاعل الميداني الرئيسي الذي يستعمل الوسائل يوميا ويعرف مدى ملاءمتها ويواجه صعوبات التطبيق داخل الفصول، ومسجلا أن المشروع جعل من الأستاذ في جوانب كثيرة مجرد منفذ لتعليمات جاهزة بدل أن يكون شريكا في البناء والتقييم والتطوير، مما يهدد بضياع جزء مهم من الموارد، لأن نجاح الإصلاح التربوي لا تصنعه التجهيزات وحدها.
وخلص أمامي في ختام تصريحه لـ”العمق” إلى المطالبة الموازية بوضع خطة وطنية لاستدامة المشروع تحدد مصادر التمويل والآجال القصوى للتدخل، مشددا على أن الهدف ليس الدفاع عن مشروع “الريادة” أو معارضته في حد ذاته، بل ضمان تحول كل درهم وكل جهد أُنفق إلى أثر تربوي مستدام، ومؤكدا أن المنظومة لا تحتاج لتغيير أسماء المشاريع كل بضع سنوات، بل لإصلاح يضع الأستاذ في قلبه لا في هامشه.
اترك تعليقاً