نتائج انتخابات 23 شتنبر.. تراجع الأحرار لا يعني سقوط تجربة أخنوش
لا تبدو نتائج الانتخابات التشريعية التي جرت في 23 شتنبر قابلة للاختزال في مقولة “العقاب الانتخابي”، خصوصا عند قراءة موقع التجمع الوطني للأحرار وباقي مكونات الأغلبية الحكومية. فصناديق الاقتراع أعادت ترتيب موازين القوى بين الأحزاب، لكنها لم تقلب المشهد السياسي رأسا على عقب، ولم تدفع بالأحزاب التي قادت الحكومة خلال الولاية السابقة إلى خارج دائرة الصدارة.
وتكشف النتائج أن الأحزاب الثلاثة المشكلة للأغلبية الحكومية، وهي التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة والاستقلال، حافظت على حضورها في مقدمة الخريطة البرلمانية، بعدما حصدت مجتمعة 228 مقعدا، مقابل 54 مقعدا لحزب العدالة والتنمية.
ويكتسي موقع الأحرار أهمية خاصة في هذه القراءة. فالحزب الذي تصدر انتخابات 2021 بـ102 مقعد، تراجع هذه المرة إلى 66 مقعدا، ليحل في المرتبة الثانية خلف الأصالة والمعاصرة. غير أن هذا التراجع، بالنظر إلى طبيعة النتائج الإجمالية، لا يطابق بالضرورة النموذج التقليدي للعقاب الانتخابي.
فالتجربة الانتخابية المغربية عرفت في 2021 حالة أكثر وضوحا من حيث حجم التحول. حينها انتقل حزب العدالة والتنمية من تصدر نتائج الانتخابات إلى المرتبة الثامنة، بعدما فقد الجزء الأكبر من تمثيليته البرلمانية، في تحول أعاد رسم الخريطة السياسية وأخرج الحزب من موقع قيادة الحكومة.
أما انتخابات 2026، فقد حملت صورة مغايرة. فقد خسر الأحرار جزءا من رصيده الانتخابي، وفقد المرتبة الأولى، لكنه احتفظ بموقع متقدم داخل البرلمان. والأهم أن الحزبين اللذين تقاسما معه تدبير الحكومة، الأصالة والمعاصرة والاستقلال، بقيا بدورهما ضمن المراتب الثلاث الأولى.
وبذلك، فإن المعطى الأبرز الذي تفرزه النتائج لا يتمثل في إسقاط مكونات الأغلبية السابقة، بقدر ما يتمثل في إعادة توزيع القوة الانتخابية بينها. فقد انتقلت صدارة المشهد من الأحرار إلى الأصالة والمعاصرة، بينما ظل الاستقلال ضمن المراكز الأولى، ليبقى المشهد العام محكوما إلى حد كبير بالأحزاب التي قادت الحكومة خلال الولاية السابقة.
وتفرض هذه النتيجة قراءة أكثر حذرا لمسألة علاقة الناخبين بأداء حكومة عزيز أخنوش. فالولاية الحكومية السابقة جرت في سياق اتسم بارتفاع الأسعار، وتوالي سنوات الجفاف، وتداعيات الأزمات الاقتصادية والجيوسياسية الدولية، إلى جانب تحديات اجتماعية واقتصادية متراكمة.
وفي المقابل، عملت الحكومة خلال ولايتها على تنزيل عدد من الأوراش، من بينها تعميم التغطية الصحية، وإطلاق الدعم الاجتماعي المباشر، ومواصلة برامج الاستثمار، إلى جانب إصلاحات مرتبطة بالتشغيل والقطاعات الاجتماعية والاقتصادية.
وبينما يمكن اعتبار تراجع الأحرار مؤشرا على أن جزءا من الناخبين أعاد تقييم اختياراته الانتخابية، فإن النتائج نفسها لا تقدم دليلا على حدوث انقلاب شامل على مكونات الأغلبية السابقة. فالانتخابات أضعفت موقع حزب، ورفعت موقع حزب آخر، لكنها أبقت الأحزاب الثلاثة نفسها في واجهة المشهد البرلماني.
ومن هذه الزاوية، تبدو انتخابات 23 شتنبر أقرب إلى إعادة ترتيب داخل الخريطة السياسية منها إلى قطيعة معها. فقد تغيرت مواقع الأحزاب داخل صدارة المشهد، لكن مكونات الأغلبية السابقة حافظت على حضورها القوي، في مقابل استمرار تراجع العدالة والتنمية مقارنة بما كان عليه قبل انتخابات 2021.
ويبقى الفارق بين نتائج 2021 و2026 واضحا في طبيعة التحول الذي أفرزته صناديق الاقتراع. ففي 2021 شهد المشهد انتقالا حادا أطاح بالحزب الذي كان يقود الحكومة، بينما حملت انتخابات 2026 تغييرا في ترتيب الأحزاب المتصدرة، دون أن يؤدي ذلك إلى إخراج القوى التي كانت في قلب التجربة الحكومية السابقة من دائرة المنافسة الرئيسية.
وعليه، فإن قراءة نتائج 23 شتنبر تحتاج إلى التمييز بين تراجع انتخابي لحزب معين وبين رفض شامل لتجربة حكومية. فالنتائج تعكس تراجعا واضحا في رصيد الأحرار، لكنها في الوقت نفسه تؤكد استمرار حضور مكونات الأغلبية السابقة في مقدمة المشهد، بما يجعل دلالتها السياسية مرتبطة أساسا بإعادة توزيع القوة داخل الخريطة الحزبية أكثر من كونها حكما انتخابيا نهائيا على تجربة حكومية بأكملها.
اترك تعليقاً