بويخف: العزوف يكشف أزمة ثقة في العملية السياسية.. والأحزاب والإدارة والحكومة تتحمل المسؤولية
اعتبر الكاتب والإعلامي حسن بويخف أن التراجع الكبير في نسبة المشاركة خلال انتخابات 23 شتنبر يطرح أسئلة جوهرية حول علاقة المواطن بالعملية الانتخابية ومؤسساتها، مشيراً إلى أن انخفاض المشاركة إلى 38.08 في المائة، بعدما بلغت 50.86 في المائة خلال انتخابات 2021، يكشف عن وجود عوامل متعددة تقف وراء اتساع دائرة العزوف الانتخابي.
وأوضح بويخف، خلال حلوله ضيفاً على برنامج “نبض العمق”، أن المفارقة تكمن في أن هذا التراجع جاء في الوقت الذي شهدت فيه الحملة الانتخابية زخماً ميدانياً وتواصلياً لافتاً، وفق الأرقام التي أعلنتها وزارة الداخلية، والتي تحدثت عن أكثر من 21 ألف مبادرة تواصلية ومشاركة نحو مليون ونصف شخص في الأنشطة الانتخابية.
وقال إن هذه الأرقام تطرح سؤالاً حول مدى نجاعة الحملات الانتخابية وقدرتها على الوصول إلى الناخب وإقناعه بالمشاركة، موضحاً أن “كثرة الأنشطة والحملات لا تكفي” إذا لم تنعكس في النهاية على نسبة الإقبال على صناديق الاقتراع.
وأضاف بويخف أن الانتقال من نحو 51 في المائة سنة 2021 إلى 38.08 في المائة في الاستحقاقات الحالية يعني فقدان حوالي 12 نقطة من نسبة المشاركة، معتبراً أن هذا التراجع يستدعي البحث في العوامل التي أدت إلى عزوف عدد كبير من الناخبين، وعدم الاكتفاء بقياس حجم النشاط الذي رافق الحملة الانتخابية.
وربط الكاتب والإعلامي أحد العوامل المؤثرة بالتجربة الحكومية، موضحاً أن أداء الحكومات يمكن أن يؤدي دوراً في إعادة بناء المصداقية للعملية الانتخابية والمؤسسات، كما يمكن، في المقابل، أن يساهم في إنهاك اهتمام المواطن بالانتخابات عندما تتراكم الأخطاء والمشاكل.
وقال إن “العمل الحكومي الذي يرتكب أخطاء ويثير الزوابع وكذا، يساهم بغى ولا ما بغاش، قصد ولا ما قصدش، بأنه ينهك الاهتمام ديال الناخب بالانتخابات”، مضيفاً أن المواطن قد يصل إلى مرحلة يشعر فيها بأن العملية السياسية لا تستحق المشاركة إذا لم ير انعكاساً واضحاً لصوته على أداء المؤسسات.
وتوقف بويخف عند تأثير صورة المؤسسة التشريعية في هذا السياق، مشيراً إلى أن متابعة عدد من البرلمانيين في قضايا مرتبطة بالفساد المالي يمكن أن تعمق أزمة الثقة لدى المواطنين. وقال إن تداول مثل هذه المعطيات قد يدفع المواطن إلى التساؤل حول جدوى التصويت، مضيفاً أن الأحزاب تتحمل مسؤولية كبيرة في اختيار المرشحين والنخب التي تقدمها للناخبين.
وبحسب بويخف، فإن مسؤولية العزوف لا يمكن تحميلها لطرف واحد، بل تتداخل فيها مسؤولية الأحزاب والإدارة والتجربة الحكومية. وأوضح أن الأحزاب مطالبة بتحمل مسؤوليتها في اختيار المرشحين وفي الخطاب والممارسة السياسية، بينما تتحمل الإدارة مسؤوليتها في تدبير الورش الانتخابي وضمان شروط الثقة في العملية.
وأشار في هذا السياق إلى أن المواطن يتابع العملية الانتخابية منذ بدايتها، وأن النقاشات التي تثار حول طريقة تدبير الاستحقاقات، أو ما يصفه البعض بهندسة النتائج مسبقاً، يمكن أن تؤثر في صورة الانتخابات لدى الرأي العام، خصوصاً عندما تتكرر مثل هذه النقاشات وتترسخ لدى الناخب فكرة أن العملية الانتخابية لا تتيح له التأثير الحقيقي.
وأضاف أن الاختلالات التي تظهر في بعض مكاتب التصويت، حتى عندما تكون محدودة، يمكن أن يكون لها تأثير يتجاوز حجمها الفعلي، بسبب تداولها على وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، وهو ما يساهم في تشكيل صورة ذهنية سلبية لدى جزء من المواطنين تجاه العملية الانتخابية.
ولم يحصر بويخف أسباب العزوف في العوامل السياسية والمؤسساتية، بل لفت أيضاً إلى البنية الديموغرافية للكتلة الناخبة، وخاصة مستوى مشاركة الشباب. وأوضح أن الفئة العمرية من 18 إلى 24 سنة تمثل نحو 4 في المائة من الكتلة المعنية، فيما تمثل الفئة الممتدة من 25 إلى 34 سنة حوالي 14 في المائة، بما مجموعه نحو 18 في المائة.
واعتبر بويخف أن ارتفاع العزوف وسط الشباب ستكون له انعكاسات كبيرة على المشاركة العامة، قائلاً إن هذه الفئة تمثل قاعدة أساسية للعملية السياسية، وإن استمرار ابتعادها عن الانتخابات يطرح سؤالاً حول مدى ارتباط الأجيال الجديدة بالأحزاب والمؤسسات والعمل السياسي عموماً.
وفي مقابل ذلك، رفض بويخف اختزال تفسير النتائج الانتخابية أو المشاركة في عامل واحد، معتبراً أن الظاهرة الانتخابية تنتج عن “شبكة ديال العوامل”، تشمل صورة الأحزاب، وأداء الحكومات، وطريقة تدبير الانتخابات، وتركيبة الكتلة الناخبة، فضلاً عن حضور القضايا السياسية والاجتماعية في وعي المواطن.
وفسر المتحدث ذاته أن العزوف يحتاج إلى قراءة متعددة العوامل، لأن الناخب لا يتخذ قرار المشاركة أو عدمها بناء على سبب واحد بالضرورة، وإنما نتيجة تراكم مجموعة من الانطباعات والتجارب التي تؤثر في علاقته بالانتخابات وبالمؤسسات السياسية.
وفي هذا السياق، اعتبر بويخف أن نتائج الانتخابات نفسها أفرزت معطى مغايراً على مستوى المعارضة البرلمانية، من خلال صعود حزب العدالة والتنمية وعودته إلى البرلمان بفريق وصفه بالقوي، معتبراً أن وجود معارضة أكثر حضوراً قد يساهم في إعادة شيء من التوازن إلى المؤسسة التشريعية، غير أن ذلك يبقى مرتبطاً بقدرة المؤسسات والأحزاب على تحويل هذا الحضور إلى ممارسة سياسية ورقابية تعزز ثقة المواطنين.
اترك تعليقاً