أوريد: “حكومة المونديال” أمام اختبار اجتماعي صعب.. وتغيير الوجوه دون السياسات لن يعيد المغاربة للتصويت
الأكاديمي والسياسي المغربي، حسن أوريد،
اعتبر الأكاديمي والسياسي المغربي، حسن أوريد، أن النتائج التي أفرزتها الانتخابات التشريعية ليوم 23 شتنبر 2026 تفتح مرحلة سياسية جديدة سيكون عنوانها الأبرز تشكيل ما سماها “حكومة المونديال”، في ظل تحد مزدوج يتمثل في تسريع المشاريع الكبرى المرتبطة بالاستحقاقات الدولية، والاستجابة في الوقت نفسه للمطالب الاجتماعية واستعادة ثقة فئات واسعة من المغاربة في العملية الانتخابية.
وقال أوريد، في مقال رأي نشرته الجزيرة، اليوم السبت، تحت عنوان “77 % خارج اللعبة.. ماذا ستفعل حكومة المونديال المغربية؟”، إن الرهان الأساسي الذي رافق الانتخابات لم يكن مرتبطا فقط بترتيب الأحزاب، بل أيضا بنسبة المشاركة، في ظل مؤشرات سبقت الاقتراع وأثارت مخاوف من اتساع دائرة العزوف.
وبلغت نسبة المشاركة في انتخابات 23 شتنبر نحو 38 في المائة، فيما أسفرت النتائج الرسمية عن تصدر حزب الأصالة والمعاصرة بـ97 مقعدا، متبوعا بالتجمع الوطني للأحرار بـ66 مقعدا، وحزب الاستقلال بـ65 مقعدا، ثم العدالة والتنمية بـ54 مقعدا.
ورأى أوريد أن نسبة المشاركة المعلنة تحتاج إلى قراءة تتجاوز الرقم الرسمي، لكونها تحتسب انطلاقا من المسجلين في اللوائح الانتخابية وليس مجموع المواطنين الذين تتوفر فيهم شروط التصويت.
وبحسب الحساب الذي قدمه أوريد، فإن عدد المصوتين يمثل حوالي 23 في المائة من مجموع من يحق لهم التصويت، ليستنتج أن نحو 77 في المائة من الناخبين المحتملين ظلوا “خارج اللعبة الانتخابية”، وإن لم يكونوا، وفق تعبيره، خارج العملية السياسية بمفهومها الأوسع.
واعتبر أن معضلة المشاركة ستكون من أبرز الملفات التي ستواجه الحكومة المقبلة، مشددا على أن رفع الإقبال على صناديق الاقتراع لن يتحقق، في نظره، عبر الدعوات الأخلاقية إلى التصويت أو الحملات الموسمية، بل عندما يشعر المواطن بأن لصوته أثرا مباشرا في السياسات العمومية والقرارات المتخذة.
وتوقف أوريد عند تصدر حزب الأصالة والمعاصرة نتائج الاقتراع، معتبرا أن الحزب مر خلال السنوات الأخيرة بعملية إعادة ترتيب داخلية مكنته من تعزيز موقعه السياسي واستقطاب أسماء جديدة.
وسلط في هذا السياق الضوء على التحاق فوزي لقجع، الوزير المنتدب المكلف بالميزانية ورئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، بحزب الأصالة والمعاصرة قبل الانتخابات، معتبرا أن دخوله إلى الحزب كان أحد العوامل التي عززت حضوره خلال الحملة.
وكان حزب الأصالة والمعاصرة قد أعلن، في يوليوز الماضي، التحاق لقجع رسميا بصفوفه وعضويته في مكتبه السياسي، قبل أن يخوض الانتخابات التشريعية باسم الحزب.
ويرى أوريد أن لقجع استفاد خلال الحملة من رصيده المرتبط بالنتائج التي حققتها كرة القدم المغربية، إلى جانب خبرته التقنية في تدبير المالية العمومية، وتمكن من الجمع بين لغة تقنية وخطاب سياسي مبسط خلال جولاته الانتخابية.
كما أشار إلى أن لقجع ركز في خطابه على قضايا القدرة الشرائية وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية، ومحاربة ما وصفه بـ”المغرب بسرعتين”، معتبرا أن حضوره أسهم، إلى جانب عوامل تنظيمية وسياسية أخرى، في تعزيز النتائج التي حققها “البام”.
وفي قراءته لنتيجة حزب العدالة والتنمية، اعتبر أوريد أن الحزب تمكن من التعافي جزئيا من الانتكاسة الانتخابية التي تعرض لها سابقا، بعد ارتفاع تمثيليته إلى 54 مقعدا وحلوله رابعا في النتائج الرسمية.
وربط أوريد هذا التحسن بعودة عبد الإله بنكيران إلى قيادة الحزب وطبيعة الخطاب الذي اعتمده خلال الحملة، خصوصا انتقاداته لما يسميه “الأوليغارشية” وموقفه من التطبيع مع إسرائيل.
غير أن حلول الحزب في المرتبة الرابعة، بحسب أوريد، أبعد عنه الرهان الذي كان سيطرح في حال تصدره للانتخابات، والمتعلق بإمكانية عودته إلى قيادة الحكومة والسياسات التي كان سيعتمدها في عدد من الملفات الداخلية والخارجية.
وسجل أوريد أيضا بروز مرشحين وصفهم بأنهم قدموا من “خارج السرب” السياسي التقليدي، ومن بينهم مصطفى لخصم وأسامة باريك، معتبرا أن تجربتيهما تعكسان إمكانية تشكل نمط سياسي جديد يقوم على التواصل المباشر مع المواطنين واستثمار الحضور الشعبي والرقمي بدل الاعتماد حصرا على التنظيمات الحزبية التقليدية.
واعتبر أن هذه النماذج قد تكون مؤشرا على تطور أشكال جديدة من التعبئة السياسية، خصوصا في صفوف الشباب والمناطق التي تعاني من ضعف الوساطة الحزبية.
وبخصوص مرحلة ما بعد الانتخابات، توقع أوريد أن تميل الحكومة المقبلة، أيا كانت تركيبة تحالفها الحزبي، إلى حضور قوي للملمح التقني في اختيار الوزراء، بالنظر إلى المشاريع الكبرى التي يوجد المغرب بصدد تنفيذها والاستعدادات المرتبطة باستضافة كأس العالم 2030.
ووصف أوريد الحكومة المنتظرة بـ”حكومة المونديال”، معتبرا أن معيار اختيار المستوزرين قد يكون مرتبطا بالكفاءة التنفيذية والقدرة على تنزيل المشاريع الكبرى بقدر ارتباطه بالتوازنات الحزبية داخل الأغلبية.
لكن أوريد حذر من اختزال المرحلة المقبلة في البنيات التحتية والمشاريع المرتبطة بالمونديال، مؤكدا أن الحكومة ستكون مطالبة، بالتوازي، بالتعامل مع ملفات اجتماعية يعتبرها أكثر إلحاحا، وفي مقدمتها الشغل والصحة والتعليم والقدرة الشرائية والفوارق بين المجالات الترابية.
وخلص إلى أن الاختبار السياسي الأكبر أمام الحكومة المقبلة لن يرتبط فقط بإنجاز المشاريع الكبرى، وإنما بقدرتها على إعادة فئات واسعة، وخاصة الشباب، إلى المشاركة السياسية، معتبرا أن استمرار الإحساس بعدم تأثير الاختيارات الانتخابية في السياسات قد يؤدي إلى استمرار العزوف بدل تقليصه.
اترك تعليقاً